مراتي كانت بتشتغل حكايات بسمه
مراتي كانت تشتغل في مصنع بالنهار وتنضف بيوت بالليل عشان أفتح شركة… ويوم افتتاح الشركة وقفت أمي تقص الشريط بدلها.
اسمي محمود.
وعندي 39 سنة.
ولحد النهارده، كل ما أشوف صورة افتتاح شركتي المعلقة على الحيطة، بحس إن في حاجة بتخنقني.
مش عشان الشركة فشلت.
ولا عشان خسرت فلوس.
لكن عشان الصورة دي بتفكرني بأسوأ حاجة عملتها في حياتي.
الست اللي كانت السبب الحقيقي في نجاحي…
ما كانتش واقفة فيها أصلًا.
لما اتجوزت مراتي، ما كنش معايا غير أحلام كبيرة وجيب فاضي.
كنت شغال موظف عادي.
ومرتبي بالعافية مكفي إيجار الشقة والأكل.
لكن كان عندي حلم أفتح شركة خاصة بيا.
الكل كان بيضحك لما أتكلم عن الموضوع.
ويقولولي:
“خليك في شغلك أحسن.”
إلا هي.
كانت الوحيدة اللي بتصدقني.
والوحيدة اللي كل ما أقع، تقومني.
اشتغلت في مصنع ملابس من الصبح.
وبالليل كانت تروح تنظف بيوت الناس.
ترجع تعبانة.
ورجليها وارمة.
وإيديها مجروحة من الشغل.
لكن عمرها ما اشتكت.
كل شهر كانت تحط جزء من مرتبها في ظرف صغير.
وتقولي:
“ده عشان شركتك.”
وأنا كنت كل مرة أوعدها.
وأقولها:
“يوم ما أنجح، أول واحدة هتشرفني قدام الناس كلها هتكوني إنتِ.”
عدت سنين.
وإحنا بنحوش جنيه على جنيه.
لحد ما ربنا كرمنا.
وقدرت أفتح شركتي أخيرًا.
يومها كانت فرحانة
أكتر
فضلت أسبوع كامل تجهزلي البدلة.
وتختار معايا الديكورات.
وتخطط لكل تفصيلة في يوم الافتتاح.
لكن قبل الحفل بيومين…
أمي دخلت على الخط.
وقالتلي:
“يعني إيه مراتك هي اللي هتقص الشريط؟”
استغربت وسألتها:
“ومين يعني اللي المفروض يقصه؟”
قالت وهي متضايقة:
“أنا أمك.”
“أنا اللي ربيتك.”
“أنا اللي ليا الفضل عليك.”
ومن يومها بدأت تضغط عليا.
وأختي تضغط.
وكل شوية أسمع نفس الكلام:
“عيب قدام الناس.”
“الناس هتقول مراتك مسيطرة عليك.”
“أمك أولى.”
وفي الآخر…
ضعفت.
وفي يوم الافتتاح.
والناس كلها موجودة.
والكاميرات شغالة.
والصحافة بتصور.
ناديت أمي.
وسلمتها المقص.
وشوفت الصدمة في عيون مراتي وهي واقفة بعيد.
كانت لابسة فستان بسيط.
وواقفة في آخر الصفوف.
بتحاول تبتسم.
لكن عينيها كانت مليانة وجع.
وجع أنا اللي سببته.
قصت أمي الشريط.
والناس سقفت.
وأمي كانت مبسوطة.
وأختي بتتصور.
وأما مراتي…
ففضلت واقفة ساكتة.
ولا قالت كلمة واحدة.
لكن بعد الحفل بساعات…
وأنا راجع البيت فرحان ومتصور إن الموضوع عدى…
لقيت ظرف صغير متساب على السرير.
ولما فتحته…
لقيت جواه
بسمه
لقيت جواه ورقة مطوية، وبدأت أقرأ الكلام اللي خطه كان بيترعش: **"مبروك يا محمود على شركتك.. أنا ما كنتش مستنية أقص الشريط عشان
أحس
الظرف كان فيه كمان "خاتم دهب" كنت أهديتهولها في بداية جوازنا، وكأنها بتقولي إن كل ذكرياتنا بقت "ماضي" مش عايزة تفتكره.
جريت على الأوضة التانية، لقيت دولابها فاضي، وريحتها اللي كانت ماليّة البيت اختفت. نزلت زي المجنون أدور عليها في كل مكان، سألت أهلها، سألت صحابها، الكل كان بيبص لي بنظرات احتقار. عرفت إنها سابت البلد كلها وخدت شغلانة تانية في مدينة تانية، مدينة بعيدة، مدينة مفيش فيها حد يعرف "محمود" ولا "شركته".
عدت أيام وشهور.. والشركة اللي كنت فاكر إنها قمة النجاح، بقت بالنسبالي "مقبرة" للمشاعر. كل ما أدخل المكتب وأشوف صورة أمي وهي بتقص الشريط، بحس بنغزة في قلبي. حاولت أتصل بيها مئات المرات، كانت بتعمل "بلوك" لكل محاولاتي.
أمي وأختي كانوا فاكرين إن الحياة هتكمل عادي، بس الشركة بدأت تقع. الموظفين اللي كانوا بيشوفوا مراتي وهي بتشجعني، لما عرفوا الحقيقة، مابقوش يحترموني. بقوا يشوفوني "جاحد"، والجاحد في الشغل ملوش أمان. الصفقات بدأت تضيع، والمشاكل زادت، وكأن البركة اللي كانت مراتي بتجيبها
اختفت تماماً.
بعد سنة بالظبط، خدت قرار.. بعت الشركة. أيوه، بعت كل شيء بنيته، وبدأت أبحث عنها تاني بكل ما أوتيت من قوة. عرفت مكانها بعد بحث مضني، سافرت للمدينة اللي هي فيها. لقيتها شغالة في مصنع صغير، لابسة نفس اليونيفورم اللي كانت بتلبسه سنين، بس المرة دي، كان في عينيها لمعة "حرية" مشفتهاش وهي معايا.
وقفت قدامها في الشارع، والناس رايحة جاية. بصت لي ببرود، نظرة خلتني أحس إني غريب.
محمود (بصوت مخنوق): "أنا بعت كل حاجة.. بعت الشركة اللي كانت سبب في وجعك. أنا عرفت إن نجاحي من غيرك كان مجرد وهم."
سكتت لحظة، وبصت للسما، وقالت بهدوء: "محمود.. أنت بعت الشركة عشان تشتري 'ضميرك'، بس أنا مش بضاعة بتتباع وتتشترى. أنا بنيت معاك نجاحك عشان كنت 'شريكة حياة'، مش عشان أكون 'شاهدة زور' على طموحك اللي نسيك أصلك."
حاولت أترجاها، بس كانت حاسمة. مشيت وهي سايبة وراها "محمود" اللي كان فاكر إن الرجولة هي إرضاء الأهل على حساب الحق.
أنا دلوقتي عايش في المدينة دي، بشتغل موظف بسيط، وبحاول كل يوم أصلح اللي انكسر بكلمة طيبة أو فعل خير، مش عشان ترجع، بس عشان أكفر عن ذنبي. عرفت إن "النجاح" الحقيقي مش في مكتب فخم، النجاح الحقيقي إنك تحافظ على "القلب" اللي صدقك وأنت لسه ولا حاجة.
**الدرس اللي اتعلمته:
"شريكة عمرك" مابتتصلحش بفلوس ولا بمناصب، الكسرة دي بتفضل معلمة، والرجولة الحقيقية هي إنك توقف الكل عند حده عشان خاطر اللي وقفت جنبك وقت ما الكل كان سايبك.**
**تمت.**