وصية زوجي ٢ حكايات زهرة حصري

لمحة نيوز

دموعي نزلت غصب عني، شلالات مياه غسلت وشي.. الناس في الصالة بدأت تتهامس، بس أنا مكنتش شيفاهم. مكنتش شايفة غير فتحي الشاب الغلبان اللي كان بيجري على أكل عيشه. كملت قراية والورقة بتتفرفط في إيدي
فاكرة لما أحمد ابننا تعب فجأة وهو صغير وكان محتاج عملية سريعة في عينه، والدكاترة قالوا لو مخدش العلاج وعمل العملية في أسبوع هيتعمي؟ وفاكرة لما علبة البسكوت الصاج كانت فاضية مفيهاش ولا مليم؟ أنا لفيت الدنيا ساعتها، خبطت على طوب الأرض، ومحدش رضي يسلفني قرش واحد.. الدنيا ضاقت في وشي، وكنت بشوف ابننا بيموت بالبطيء قدام عيني وأنا قليل الحيلة.
في الليلة دي، وأنا شغال في المخزن بتاع الشركة، المدير بتاعي ساب عهدة كبيرة في الخزنة، ومشي وساب المفتاح بالغلظ في المكتب.. الشيطان لعب في دماغي يا فاطمة. بصيت للمفتاح وبصيت لصور عيالي في المحفظة. مديت إيدي وفتحت الخزنة.. وأخدت المبلغ اللي يعالج أحمد بالمليم، لا زودت ولا نقصت.
رجعت لك البيت يومها ميت من الرعب، وبألف حكاية وحكاية إن صاحب الشغل سلفني الفلوس.. بس ضميري مكانش سايبني. تاني يوم، روحت للمدير واعترفت له.. بكيت تحت رجليه وقلت له أنا سرقتك عشان ابني، اطلب الشرطة واحسبسني
بس

سيب الفلوس دي تعالج ابني الأول وأنا مستعد أقضي عمري كله في السجن.
الراجل ده كان ابن حلال.. بص لي وقال لي أنا مش هسجنك عشان عيالك، بس أنت خنت أمانتي.. وأنا هخصم الفلوس دي من مرتبك على سنين، وهتشتغل هنا زي العبد لحد ما تسدد آخر مليم، ومش عايز أشوف وشك في المكاتب تاني.. هتنزل تشيل وتوجع ضهرك في المخازن.
لما رجعت لك يومها وقلت لك إني خنتك، كنت أقصد إني خنت شرفي وسرقت.. مكنتش قادر أقول لك إني حرامي! خفت تقعي من طولك، وخفت عيالي يبصوا لي بنظرة وحشة لما يكبروا. فضلت شايل لقب خاين في عينك، أرحم مية مرة من إني أكون حرامي في نظرك.. عشت 25 سنة بسدد الدين ده من عافيتي وصحتي.. وشقى العمر اللي كنا بنحوشه في علبة البسكوت، كنت أنا اللي باخده من وراكي في دار الرعاية وأرجعه لصاحب الشغل عشان أخلص ذمتي، وأقول لك السخان باظ والمواسير ضربت!
أنا هنا صرخت.. صرخت صرخة مكتومة هزت قاعة الفندق كلها. مدير الفندق قرب مني وحط إيده على كتفي بحنية وهو بيمسح دمعة نزلت من عينه.. الكل كان بيبص لي بذهول وعطف.
مديت إيدي جوة العلبة وطلعت الكيس القماش القديم.. فتحته، لقيت جواه علبة البسكوت الصاج القديمة بتاعتنا!
فتحتها.. لقيتها مليانة
فلوس!
رزم فلوس جديدة، ومعاها تذاكر دهب، وورقة صغيرة تانية مكتوب فيها
العلبة دي فيها كل مليم أنا أخدته من شقى عمرنا وسددت بيه ديني.. صاحب الشغل قبل ما يموت، كتب لي في وصيته إنه مسمحنّي، ولما عرف إني عيان، رجع لي كل المبالغ اللي خصمها مني طول ال 25 سنة وزاد عليها مكافأة نهاية الخدمة.
الفلوس دي بتاعتك أنتي وبس يا بطوط.. شقى عمرك اللي اتحرمتي منه. أنا اتفقت مع إدارة الفندق ده من سنة، لما عرفت إني بموت، ودفعت لهم تمن كل حاجة.. حجزت لك الطربيزة رقم 7، وطلبت منهم يديكي الأمانة دي في نفس الليلة اللي كان المفروض نرقص فيها سوا.
اضحكي يا فاطمة.. جوزك عاش راجل ومات راجل، وم خانكيش ولا خان العشرة.. اطلعي البلكونة، واشربي الشاي بلبن، وبصي للبحر.. وأنا روحي هتكون طايرة حواليكي بتغني لك يا مسافر وحدك.
الحقيقة المرة.. والحلم اللي اتحقق متأخر
قمت من على الترابيزة والعلبة في حضني، كأنها فتحي نفسه. الصالة كلها وقفت تسقف.. الناس كانت بتبكي، والستات بتمسح دموعها، ورجال الأعمال والشباب واقفين مذهولين من قصة الوفاء والشهامة اللي طلعت من قلب حارة مصرية أصيلة ل شواطئ شرم الشيخ.
طلعت الأوضة بتاعتي، جريت على البلكونة.. الهوا
بتاع
البحر كان بيرد الروح. عملت كوبايتين شاي بلبن، حطيت كوباية قدامي وكوباية على الكرسي الفاضي.
بصيت للسما وقلت مسامحاك يا فتحي.. مسامحاك يا أبو العيال يا سيد الرجالة.. ياريتك كنت قلت لي، كنت أكلت معاك اللقمة الناشفة بجد، وكنت شيلت معاك الحمل.. بس أنت عشت بطل ومت بطل.
في اللحظة دي، تليفوني رن.. كانت بنتي مروة وأحمد ابني على الخط بيتصلوا فيديو عشان يطمنوا عليا.
أول ما فتحت الكاميرا وشافوا العلبة وشافوا دموعي، أحمد اتخض وقال في إيه يا أمي؟ مالك؟ حد ضايقك هناك؟ أنا قلت لك بلاش السفرية دي!
مسحت دموعي وابتسمت ابتسامة صافية مابتسمتهاش من 25 سنة، وقلت لهم بصوت مليان فخر تعالوا يا ولاد.. تعالوا اسمعوا قصة أبوكم.. الراجل اللي عاش شايل فوق طاقته عشان نعيش احنا براس مرفوعة.. تعالوا شوفوا شقى العمر الحقيقي.
ملاحظة ودرس من قلب الحكاية
ساعات بنظلم أقرب الناس لينا بناءً على كلمة أو موقف مش فاهمينه، وبنعيش بجرح في قلوبنا.. بس الحقيقة دايماً بتبان، والمعدن الأصيل مبيتغيرش مهما دارت الأيام. فتحي ضحى بكرامته وكبريائه قدام مراته عشان يحمي بيته ويحمي نظرة أولاده ليه.. ودي أسمى معاني الرجولة. الله يرحم كل راجل صان بيته
وعياله
بشرفه وعرقه.

تم نسخ الرابط