اخر الاهانه ٢ حكايات زهرة
بصيت لأمه وابتسمت ابتسامة هادية جداً.. ابتسامة واحد خلصت كل طاقته في التحمل وما بقاش باقي عنده حاجة يخاف عليها.
— لا يا طنط.. ده مش هزار. ده كان كسر نِفس لسبع سنين. ابنك كان بيبني كبرياءه على قفايا وعلى حس دموع بنته، والنهارده بس العمارة اللي بناها فوق دماغي وقعت عليه.
منى صحبيتي قربت مني، كانت بتترعش والدموع في عينيها. مسكت إيدي وقالت بصوت مكسور وهي بتبص لسيد:
— أنت بني آدم مريض يا سيد! طول 7 سنين وأنا بصدك وبحرجك، وأنت برضه مصمم تبوظ بيت صاحبتي وحياتي! أنا أختها.. عمري ما كنت ولا هكون ليك، وتف على الفلوس والشياكة اللي تخلي راجل يقل من أم بنته!
منى مسكت شنطتها ومسكت إيد ليان الصغيرة، وبصتلي وقالت:
— يلا يا حبيبتي، البيت ده ميفضلش فيه ست عندها كرامة دقيقة واحدة كمان.
قرايبه كلهم بدأوا ينسحبوا واحد ورا التاني في زحمة وحرج، والهمس والوشوشات مالية المكان. اللي يقول "معاها حق"، واللي يقول "سيد طوّلها أوي وزودها"، واللي يتدارى من كسفة الموقف.
في ظرف عشر دقايق، الشقة مالية الفوضى.. أطباق الكباب والكفتة النص مأكولة، كوبايات العصير المقلوبة، والبلونات المفقوعة على الأرض. ومفضش في الصالة غيري أنا وهو.. سيد.
كان واقف وسط الصالة زي الفزاعة، وشهم متلخبط بين الغضب العارم والذهول.
— أنتِ جنيتي؟ أنتِ بعتيني ومرمغتي كرامتي في الأرض عشان "طارق" و"منى"؟! أنتِ طالق يا هانم! طالق بالثلاثة!
بصيتله ببرود شديد، حطيت إيدي في جيبي وقلت له:
— أنت فاكر إن الكلمة دي هتكسرني؟ أنت متأخر 7 سنين يا سيد. اليمين ده أنا اللي خدته من قلبي من يوم ما بنتك دخلت عليا بتعيط وبتقول لي "هو أنتِ وحشة يا ماما؟". أنت مأطلقتنيش النهارده.. أنت طلقتني من أول مرة ضحكت فيها على حساب مشاعري قدام الناس.
سيد بدأ يستوعب إن الصدمة مخلتنيش أصرخ ولا أترجاه. العكس.. أنا كنت أهدى من أي وقت فات.
— أنتِ فاكرة إنك هتلقي حد يشيلك بعدي؟ بالبت دي؟ أنتِ ولا حاجة من غيري!
— أنا كل حاجة من غيرك.. والبت دي هتكبر وتشوف أمها بتعلمها إزاي تاخد حقها، مش إزاي تتجوز راجل يكسرها وتفضل ساكتة عشان "الكلام ما يصحش".
دخلت الأوضة بمنتهى الهدوء، لميت شنطة هدومي وشنطة ليان. مخدتش أجهزة ولا خدت العفش، خدت بس لبسنا والأوراق المهمة.. خدت كرامتي اللي كانت مهدورة على الجدران دي ورسيت على شط أمان.
سيد كان واقف في الصالة، يبصلي وأنا طالعة بالشنط. بدأ صوته يتغير، التهديد اتحول لنبرة ترجي متغلفة بتوتر:
— استني هنا يا بنت الناس.. احنا نصلح الأوضاع، بلاش فضايح في الشارع.. بلاش اللي بتعمليه ده، الناس تقول علينا إيه؟
—
الناس؟
نزلت من العمارة. كان طارق مستنيني تحت الشارع في عربيته، أول ما شافني طالع بالشنط، نزل وفتح الشنطة عشان يحط فيها الحاجة. منى كانت قاعدة في الكنبة الوراانية ومداوية ليان في حضنها.
طارق بصل بوقار وقال:
— أنا آسف لو الموقف حطك في زنقة، بس كان لازم يفوق. أنا مش طمعان في حاجة ولا بتدخل في حياتك، بس لو محتاجة أي مساعدة، أنا وأختي موجودين.
— أنت عملت اللي الراجل المفروض يعمله يا طارق.. شكراً إنك خليته يشوف حجمه الحقيقي.
بعد مرور سنة كاملة..
في شقة صغيرة بس دافية ونظيفة في حي هادي..
صوت ضحك ليان كان طالع من البلكونة وهي بتلعب بالصلصال، وشكلها بقى وردي، عينها مش مكسورة، وفستانها جديد ومش مكرمش من الزعل.
فتحت مشروعي الصغير لـ "التفصيل والديكور المنزلي" اللي كنت باحلم بيه من زمان وكان سيد دايماً بيحبطني ويقولي "أنتِ بتعرفي تعملي حاجة أصلاً؟". المشروع كبر وبقى يدخلي دخل محترم مكفيني أنا وبنتي وزيادة.
سيد حاول يرجعني بكل الطرق. جاب قرايبه، وجاب أصحابه، وحتى حاول يجي شغلي ويعتذر ويقول إنه "كان بيهزر ومكنش يقصد وبيموت من غيرنا". بس القرار كان أسرع
من
منى لسه صاحبتي القريبة، وأختي اللي بجد. وعلاقتنا بقت أقوى من الأول بكتير بعد ما الشيطان اللي كان ما بينا غار من حياتنا.
أما طارق؟ طارق بيجي يزورنا كل فترة مع أخته.. راجل محترم، مش مستعجل، وبيحترم وحدتي وتجربتي. مفيش بينّا غير كل احترام وتقدير، ولو الأيام كتبت لنا نصيب سوا، هيبقى على أساس متين من المودة والشهامة.. مش مجرد نكاية في حد.
في يوم، كنت قاعدة مع ليان وبنراجع دروسها. بصلتلي فجأة وقالت لي:
— ماما.. هو بابا كان بيحبنا بجد؟
مسكت إيدها الصغيرة وبستها، وقلت لها:
— بابا كان بيحب نفسه بس يا ليان.. بس أهم حاجة دلوقتي، إنك عارفة إن مفيش ست في الدنيا وحشة، وإنك أجمل وأقوى بنت في الدنيا عشان أمك بتحبك وبتحترم نفسها.
حضنتني بقوة وقالت:
— أنا لما أكبر، هبقى شبهك يا ماما.. شجاعة وما بخافش!
ابتسمت وغمضت عيني، وحسيت لأول مرة من 8 سنين إن النفس طالع نازل من صدري مرتاح.. مفيش زلط ببلعه، ومفيش ضحكة مزيفة بداري بيها وجعي.
الدرس اللي اتعلمته بدموعي: الست اللي تسكت على الإهانة بحجة "عشان البيت يمشي"، بيتها بيهدم من جوة وهي مش حاسة.. بس الست اللي تقف وتقول "لحد هنا وبس"، هي بس اللي بتقدر تبني بيت
بجد.
تمت.