سر الزوج الغامض حكايات صافي هاني

لمحة نيوز

الجزء الأول: رضا القناعة وعاصفة الطمع

​في الجزائر، وداخل قرية فقيرة تحيط بها الجبال وتغسل شوارعها البسيطة أمطار الشتاء، كان يعيش ماجد عام 2001. رجل في الثلاثين من عمره، تميز بملامحه الهادئة، وعينيه الزرقاوين كالسماء الصافية، وشعره الأحمر وبشرته البيضاء. كان يعمل في ورشة صغيرة لصيانة السيارات، يخرج منها كل يوم بملابس ملطخة بالشحم، لكن بنفس راضية وقلب لا يعرف الحقد. كان يردد دائمًا لأهل قريته: "الغنى الحقيقي أن يعود الإنسان آخر النهار إلى بيت ينتظره فيه من يحب".

​تزوج ماجد من سلمى، فتاة في الخامسة والعشرين من عمرها، ذات جمال شرقي أخاذ، بعينين سوداوين مكحلتين وشعر أسود طويل وبشرة قمحية. لكن جمال سلمى كان يخفي خلفه نفسًا متمردة على الفقر، تحلم دائمًا بالذهب، والسيارات الفاخرة، والقصور، وتنظر إلى جدران بيتها المتواضع وكأنها قضبان سجن.

​بعد عام، رزقهما الله بطفلة أسمياها ملاك. كانت الطفلة نسخة طبق الأصل من

أبيها؛ عينان زرقاوان، شعر أحمر ناعم، وخدان ورديان كالفجر. أحبها ماجد حبًا ملك عليه جوارحه، فكان يعود من عمله متعبًا، ويغسل يديه مرارًا قبل أن يلمس وجهها الصغير، ويقضي ليله يداعبها لتذوب في ضحكاتها كل هموم الدنيا.

​الجزء الثاني: الحادثة القاسية والهروب في الظلام

​استمر الحال ثلاث سنوات، حتى حل عام 2004 الحزين. أثناء قيام ماجد بصيانة شاحنة ثقيلة، سقطت رافعة حديدية على يده اليمنى، مما تسبب في إصابة بالغة أدت إلى عجز شبيه بالشلل في حركتها، وفقد قدرته على العمل بالشكل المعتاد.

​تبدلت الحياة في البيت بسرعة كابوسية؛ انقطع الدخل، وتراكمت الديون، وأصبح ماجد يجلس عاجزًا يحاول إخفاء دموعه عن ملاك. في المقابل، تحولت سلمى إلى كتلة من نار، تنظر إلى زوجها العاجز باحتقار، ولسانها لا يرحم. وفي ليلة شاتية باردة، قالت له ببرود جاف: "أريد الطلاق.. لا أستطيع إكمال حياتي مع رجل عاجز لا يعرف كيف يحقق أحلامي".

​صدم ماجد وقال بنبرة

مكسورة: "اطلبي ما تشائين، لكن لا تتركي ملاك، الطفلة تحتاج أمها".

ردت بقسوة: "أنا لا أستطيع أن أعيش عمري حارسة لطفلة وبيت فقير، أنت وطفلتك اخترتما حياة لا تشبهني!".

​رفض ماجد الطلاق خوفًا على نفسية ابنته. وفي تلك الليلة نفسها، اشتدت الحمى على ملاك وبدأت تهذي بصوت مرتفع. هرع ماجد في عتمة الليل ليحضر صديقه الطبيب "كمال"، تاركًا سلمى بجانب الطفلة لدقائق. لكن سلمى استغلت غيابه، فجمعت ملابسها ومصاغها البسيط، وتسللت في الظلام، تاركة طفلتها تئن من الألم وتنادي أمها بلا مجيب.

​عاد ماجد مع الطبيب ليجد الباب مفتوحًا على مصراعيه، وسلمى قد اختفت. لم يركض خلفها، بل ارتمى عند قدمي ابنته يمسح جبينها ويبكي بصمت. سهر ماجد والطبيب كمال طوال الليل حتى انخفضت حرارتها مع الفجر. وبعد أسبوعين، وصلت ماجد رسالة من سلمى تحت الباب تطلب الطلاق لأنها ستتزوج رجلًا غنيًا من المدينة، وأن حياتها الجديدة لا تتسع "لماضٍ فقير".

رد عليها ماجد

بكلمات سطرها بقلب مجروح: "المرأة التي تترك زوجها وابنتها وهي مريضة لم تعد زوجة في قلبي. أنتِ حرة، أما ملاك فهي حياتي ولن أبيعها لأحد".

​الجزء الثالث: كفاح أب وعودة بنوايا خبيثة

​مر شهر كامل، تحول فيه ماجد إلى أب وأم؛ يغسل ملابس ملاك بيده السليمة ببطء، ويسرح شعرها الأحمر، ويطعمها. وجد عملًا بسيطًا في محل ملابس يقف فيه 12 ساعة يوميًا رغم ألم يده، ويترك ملاك عند جارتهم الطيبة "عائشة".

​وفي يوم من الأيام، توقفت سيارة مرسيدس سوداء فاخرة أمام البيت المتواضع. نزلت منها سلمى بكامل أناقتها ترتدي الذهب والحرير، وبجانبها رجل ثري يرتدي بذلة رسمية. دخلت البيت بكبرياء وقالت ببرود: "جئت لآخذ ملاك.. زوجي الجديد وافق أن يربيها في قصره، والطفلة لا يجب أن تعيش مع رجل عاجز وفقير مثلك".

​وقف ماجد كالطود، وملاك تختبئ خلف ساقه ممسكة بثيابه. قال لها وصوته يرتجف من القهر: "تذكرتِ أنها ابنتكِ بعدما وجدتي القصر والسيارة؟ أين كنتِ

حين كانت تناديكِ والدموع تحرق وجهها في ليلة مرضها؟".

تم نسخ الرابط