عامل بناء

لمحة نيوز

يوم ساعدتك. طاحت منك بمحطة الوقود قبل سنوات. احتفظت بيها لأن حسّيت يمكن يجي يوم تحتاج تقراها مرة ثانية.
مدها نحوي.
لم أستطع أخذها فورًا.
سألته
ليش تعطيني إياها هسه؟
نظر إليّ بهدوء.
وقال
لأنك فهمت أخيرًا.
أخذت البطاقة.
وكانت العبارة ما تزال مكتوبة بالحبر الأزرق
أحيانًا تحتاج أن تصل إلى القاع حتى تعرف مع من تعيش.
ضحكت ضحكة مكسورة.
وقلت
تأخرت.
هز رأسه.
ببعض الأمور... نعم.
لم يواسني.
ولم يقل إن الفرص تعود.
ولم يحدثني عن البدايات الجديدة.
اكتفى بالقول
لكن مو متأخر حتى تبطل تكون الرجل اللي خسرها.
ثم غادر.
شاهدته يعود إلى الساحة.
حيث كانت سارة تنتظره بين الأضواء الصفراء والزهور البسيطة والناس الذين يحبونهما بصدق.
أمسكت يده فور وصوله.
فانحنى وهمس لها بشيء.
فابتسمت.
وأدرت محرك السيارة ورحلت.
قدت عائدًا إلى بغداد.
وكان الليل يبتلع الطريق شيئًا فشيئًا.
وفي المرآة الخلفية اختفى كل شيء.
اختفت البلدة.
واختفى الحفل.
واختفت الأضواء.
ولم يبقَ سوى الظلام.
لكن للمرة الأولى منذ سنوات...
كان داخل ذلك الظلام شيء صادق.
ألم كبير.
نعم.
لكن أيضًا حقيقة لا يمكن الهروب منها.

والحقيقة كانت بسيطة
لم أذهب إلى ذلك الزفاف لكي أسخر من امرأة تزوجت عامل بناء بسيطًا.
بل ذهبت دون أن أدري
لأواجه الرجل الذي أصبحت عليه.
وأدرك أخيرًا...
أن الفقير الحقيقي لم يكن طه أبدًا.
عندما علمت أن زوجتي السابقة تزوجت من عامل بناء بسيط الحال، قررت أن أحضر حفل زفافها فقط لأستهزئ بخيارها. لكن في اللحظة التي وقعت فيها عيناي على العريس، استدرت فورًا وانهمرت دموعي من شدة الألم...اسمي أحمد السامرائي، أبلغ من العمر اثنين وثلاثين عامًا، وأعيش في بغداد خلال سنوات دراستي في جامعة بغداد، وقعت في حب سارة العزاوي، فتاة طيبة القلب، كانت تضع راحة الآخرين وسعادتهم قبل نفسها دائمًا كانت تعمل بدوام جزئي في مكتبة الجامعة لتساعد أسرتها، بينما كنت أنا طالبًا في كلية الإدارة والاقتصاد، ممتلئًا بالطموح والأحلام الكبيرة، وأؤمن أن مستقبلًا استثنائيًا ينتظرني بعد التخرج، حصلت على وظيفة في شركة استثمار دولية معروفة، براتب مرتفع ومكتب فاخر جعلني أشعر أنني بدأت أصل إلى المكانة التي كنت أحلم بها أما سارة، فعلى الرغم من كل محاولاتي لمساعدتها، لم تجد سوى وظيفة موظفة استقبال
في فندق صغير داخل بغداد وفي أحد الأيام قلت لنفسي أنا أستحق أكثر من هذه
الحياة تركتها ببرود قاسٍ، وبررت لنفسي ما فعلته آنذاك، لكن ذلك القرار أصبح لاحقًا واحدًا من أكثر الأمور التي أشعر بالخجل منها في حياتي المرأة التي اخترتها بدلًا منها كانت رنا الكيلاني، ابنة المدير العام للشركة التي أعمل فيها، فتاة ثرية وأنيقة ومتغطرسة أما سارة...فبقيت صامتة اختفت من حياتي وهي تحمل ألمها وحدها، وتبكي بعيدًا عن الأنظار كنت أعتقد أن حياتي تتجه نحو فصل مثالي لكن الحقيقة أن كل شيء بدأ ينهار منذ تلك اللحظة بالذات بعد خمس سنوات، أصبحت مديرًا مساعدًا للمبيعات، أمتلك سيارة فاخرة ومكتبًا خاصًا بي، لكنني لم أكن سعيدًا زواجي من رنا كان أشبه بعقد خاسر لا أستطيع الانسحاب منه كانت تنظر إلى أصولي المتواضعة باحتقار دائم وكلما غضبت أو لم يعجبها شيء، كانت ترميني بكلمات جارحة لولا أبويه، جان هسه بعدك مجرد موظف مغمور ما حد يعرفك كنت أعيش كالغريب داخل بيتي كأنني مجرد ظل يتنقل بين الجدران إلى أن جاء يوم كنت أحضر فيه اجتماعًا في الشركة، فاقترب مني صديق قديم وقال أحمد... تتذكر سارة؟التفت
إليه فورًا. إيه، شبيها؟ابتسم وقال
راح تتزوج قريب قفز قلبي فجأة. تتزوج؟ منو؟قال عامل بناء. وضعه المادي بسيط جدًا، لكن كل الناس تكول إنها سعيدة ومرتاحه وياه ضحكت بسخرية واضحة. سعيدة ويه فقير؟ واضح أنها للآن ما تعرف تختار الناس الصح ومن تلك اللحظة اتخذت قراري سأذهب إلى حفل الزفاف ليس لأبارك لها بل لأرى بعيني الرجل الذي فضّلته وأجعلها ترى ما أصبحت عليه أنا، الرجل الناجح الذي أحبته يومًا وخسرته في يوم الزفاف، قدت سيارتي نحو بلدة صغيرة في أطراف محافظة بابل، حيث كانت سارة تعيش منذ سنوات أقيم الحفل في ساحة متواضعة أمام منزل بسيط كانت الأضواء الصفراء معلقة في كل مكان، والطاولات الخشبية مصطفة بعناية، والورود البرية تزين الممر المؤدي إلى منصة العروسين ترجلت من سيارتي الفاخرة عدلت ربطة عنقي ونفضت الغبار الوهمي عن سترتي ثم سرت بين الحضور بثقة وتعالٍ.التفت بعض الموجودين نحوي وفي تلك اللحظة شعرت وكأنني شخص جاء من عالم مختلف أكثر أناقة أكثر نجاحًا وأكثر مكانة لكن بعدها مباشرة...رأيت العريس وتوقف قلبي عن النبض الجزء الثاني... ما إن تعرّف أحمد على هوية العريس حتى
انهارت
كل الأفكار التي جاء بها إلى ذلك الزفاف.

تم نسخ الرابط