شفت طليقى صدفه بينبش ف الزباله
ياسمين أربع وعشرين ساعة. أول ما تتحرك ناحية كريم تبلغوني.
استنيت حوالي نص ساعة بعد ما مشيوا.
ولما اتأكدت إن المكان هادي، خرجت.
ركبي كانت بتخبط في بعض.
خدت الفلاشة والتقرير والصورة، وحطيتهم في شنطتي، ونزلت أجري.
...
ماقدرتش أروح بيتي.
عرفت إني لو رجعت، هكون تحت عينهم.
افتكرت صاحبتي الوحيدة دنيا.
اتصلت بيها.
أول ما سمعت صوتي قالت
مالك؟ بتعيطي ليه؟
قلت
ينفع أقعد عندك يومين؟
من غير ما تسأل، قالت
تعالي فورًا.
...
أول ما دخلت شقتها، حكيتلها كل حاجة.
كانت ساكتة، وعينيها مليانة ذهول.
قالت
يعني إنتِ شاكة في أبوكي؟
هزيت راسي وأنا بعيط.
مش قادرة أصدق... بس كل الأدلة بتوديني ليه.
قالت
طب نشوف الفلاشة.
طلعت اللاب توب.
وحطينا الفلاشة.
كان جواها ملفات كتير.
أول ملف كان فيديو.
ضغطنا تشغيل.
ظهر كريم.
لكن شكله كان مختلف.
وشه تعبان، ودقنه طويلة، وعينيه سهرانة.
بص للكاميرا وقال
لو ياسمين بتتفرج على الفيديو ده... يبقى للأسف أنا فشلت أخبي الحقيقة للأبد.
دموعي نزلت.
كريم كمل
أول حاجة... سامحيني.
أنا عمري ما حبيت غيرك.
ولما قلتلك إني بحب واحدة غيرك... كنت بكذب.
دنيا بصتلي، وأنا حسيت قلبي بيتقطع.
كريم كمل وهو بيحاول يبتسم
كنت عارف إنك هتكرهيني... وده كان المطلوب.
لأن لو فضلتي مراتي... كنتي هتموتي.
وقف لحظة، وكأنه بيجمع شجاعته.
وقال
أبوكي كان بيدور على حاجة معينة... وأنا منعت إنه يوصلها.
اتجمدت.
ولما معرفش ياخدها... بدأ يهددني بيكي.
دنيا شهقت.
أما أنا...
كنت حاسة إني مش قادرة أتنفس.
كريم قال
في الأول افتكرت إنه بيهدد وخلاص... لكن بعدها بأيام لقيتك في المستشفى.
والدكتور قالي إن حالتك مش طبيعية.
ومن هنا بدأت أفهم.
فتح ملف قدامه، ورفعه للكاميرا.
وقال
التحاليل أثبتت إن حد كان بيديكي جرعات صغيرة من مادة سامة.
افتكرت التقرير اللي لقيته.
كل حاجة بقت بتركب.
كريم كمل
بلغت الشرطة... لكن القضية اتقفلت بسرعة.
ولما حاولت أكمل... اتلفقلي محضر السرقة، واترفدت من شغلي.
وبعدها خيروني بين حاجتين...
سكت.
وعينه دمعت.
إما أطلقك وأختفي من حياتك... يا إما يكمّلوا اللي بدأوه معاكي.
كنت بصرخ وأنا بعيط.
لأ...
لكن الفيديو كان مكمل.
اخترت أخسر نفسي... ولا أخسرك.
ثم مد إيده وقفل الملف اللي قدامه.
وقال آخر جملة
بس لو وصلتي للفيديو ده... يبقى معناها إنهم قربوا يعرفوا مكان الحاجة اللي كانوا بيدوروا عليها.
دنيا قالت بسرعة
إيه الحاجة دي؟
في نفس اللحظة...
لقينا ملف تاني بعنوان
الدليل الأخير.
ضغطت عليه...
لكن قبل ما الملف يفتح، شاشة اللاب اتطفت مرة واحدة.
وفي نفس الثانية...
سمعنا صوت خبط عنيف على باب الشقة.
وصوت راجل بيزعق
افتحي يا مدام دنيا... إحنا من الشرطة!
بصيت لدنيا.
هي بصتلي.
ولا واحدة فينا صدقت إن اللي واقف بره شرطة فعلًا...
خصوصًا لما رن موبايلي في نفس اللحظة، وظهر اسم كريم لأول مرة من سنين، ولما رديت عليه، قال بصوت متوتر
إوعي تفتحي الباب... دول مش شرطة.
جسمي كله اتجمد.
ضغطت على الموبايل بإيدي وأنا بهمس
كريم.
رد بسرعة، وصوته مليان توتر
مفيش وقت. اسمعيني كويس... اخرجي من باب المطبخ، في سلم الخدمة ورا العمارة. متفتحيش الباب مهما حصل.
في نفس اللحظة...
الخبط على الباب زاد.
افتحي يا مدام دنيا... معانا أمر ضبط!
دنيا بصتلي وقالت بخوف
أنا ماعنديش باب تاني غير ده.
كريم سمعها من التليفون.
قال بسرعة
البلكونة... فيه سلم حديد بين العمارتين. انزلوا منه.
جريت أنا ودنيا على البلكونة.
بصينا لتحت.
الدور التالت.
السلم الحديد فعلاً موجود... لكنه قديم ومهزوز.
الخبط بقى أقوى.
وبعدين سمعنا صوت الباب وهو بيتكسر.
صرخت دنيا
دخلوا!
مسكت إيدها ونزلنا بسرعة على السلم.
كنت حاسة إن رجلي هتخونني في أي لحظة.
وأول ما وصلنا الأرض، جريّنا في الشارع.
بعد دقايق، عربية ميكروباص قديمة وقفت جنبنا.
الإزاز نزل.
وصوت كريم قال
اركبوا بسرعة.
ركبنا من غير تفكير.
أول ما العربية اتحركت، بصيت له.
كان لابس كاب ونضارة، ودقنه متشالة، لكن التعب لسه باين على وشه.
قلت وأنا بعيط
ليه مخبي كل ده؟
قال وهو مركز في السواقة
لأن الحقيقة أخطر مما تتخيلي.
بعد ما بعدنا شوية، وقف العربية في مكان هادي قريب من البحر.
لف ناحيتي لأول مرة.
وقال
لازم تعرفي كل حاجة... بس لازم تصدقيني.
هزيت راسي.
طلع من جيبه ظرف صغير.
كان جواه مفتاح.
وقال
ده مفتاح خزنة في بنك.
استغربت.
فيها إيه؟
قال
الحاجة اللي أبوكي بيدور عليها من عشر سنين.
إيه هي؟
سكت ثواني، وبعدين قال
وصية جدك.
شهقت.
جدي؟
أيوه.
بس جدي مات وأنا صغيرة.
وعشان كنتي صغيرة، ماحدش قالك الحقيقة.
بدأ يحكي، وصوته كان كله وجع.
جدك كان عنده شركة استيراد كبيرة، لكن قبل ما يموت اكتشف إن فيه حد بيزور حساباته ويسرق منها ملايين.
قلبي بدأ يدق.
مين؟
بصلي مباشرة.
أخوه... وشريكهم... وأبوكي.
حسيت إن الدنيا اسودت قدامي.
صرخت
مستحيل!
قال بهدوء
كنت عارف إنك هتقولي كده.
طلع ورقة قديمة من الظرف.
دي صورة من الوصية الأصلية.
مسكتها.
وكان مكتوب فيها إن كل أملاك الجد تُسجل باسم حفيدته الوحيدة... ياسمين... لكن بعد بلوغها سن معينة، وبشرط تسليمها الوصية الأصلية.
قلت بصدمة
يعني...
يعني كل اللي باسم أبوكي دلوقتي... قانونيًا مش بتاعه لو الوصية الأصلية ظهرت.
سكت لحظة، ثم أكمل
وعشان كده كانوا عايزين الوصية تختفي... ولما عرفوا إن جدك سلّمها لمحاميه قبل وفاته، بدأت المشاكل.
وإيه علاقتك إنت؟
تنهد وقال
المحامي ده كان خالي.
اتسعت عيني.
قبل ما يموت، سلمني أمانة... وقال لي لما ياسمين تبقى جاهزة تعرف الحقيقة، سلمها كل حاجة.
وأضاف بصوت مكسور
أنا كنت فاكر إني هقدر أحميكي من غير ما أخسرك... لكن خسرت الاتنين.
فضلت ساكتة، والدموع بتنزل من غير ما أحس.
كل حياتي كانت مبنية على قصة واحدة...
والقصة دي طلعت مليانة كدب.
لكن وأنا لسه بحاول أستوعب كل اللي سمعته...
رن موبايل كريم.
بص للشاشة...
ولونه اتغير.
همس
عرفوا مكاننا.
وفي نفس اللحظة، ظهرت عربيتين سودا داخلين بسرعة ناحية المكان اللي واقفين فيه... وانتهى المشهد على صوت كريم
امسكي كويس يا ياسمين... اللي جاي أخطر من كل اللي فات.
83 206 AM loliiii أول ما شفت طليقي بينبش في صناديق الزبالة في واحد من أكتر شوارع إسكندرية زحمة، ما عرفتهوش من أول نظرة. وبعد عشرين دقيقة بس، بصلي في عيني وقال بصوت واطي إنه دمر حياته بإيده عشان ينقذ حياتي أنا. افتكرت في الأول إنه بيختلق حجة جديدة... لكن الرعب اللي كان مالي عينيه خلاني أشك في كل حاجة كنت مصدقاها عن أهلي.
أنا اسمي ياسمين... وده اليوم اللي حياتي كلها بدأت تتقلب فيه.
كان يوم حر نار في إسكندرية. الشمس مولعة، والأسفلت بيطلع منه سخونية، والعربيات واقفة في الزحمة والكلاكسات مالية الشارع. وأنا مستنية الإشارة تفتح بعربيتي، لمحت راجل بيدوس على علب كانز فاضية برجله، ويحطها في شيكارة سودة قديمة.
كنت هلف وشي...
لكن في اللحظة دي، لف ناحيتي.
قلبي وقف.
كريم؟!
الاسم خرج مني من غير ما أحس.
هو كمان اتجمد مكانه.
فضلنا نبص لبعض كام ثانية...
أيوه... هو.
طليقي.
نفس كريم اللي كان مدرس تاريخ في واحدة من أحسن المدارس الخاصة. الراجل اللي كان كل يوم أحد يكوي هدومه بنفسه، ويفضل بعد الحصص بالساعات يساعد الطلبة الضعاف من غير ما ياخد جنيه زيادة... بس لأنه كان قلبه طيب.
دلوقتي...
بقى شخص معرفوش.
هدومه متبهدلة، ودقنه طالعة بشكل عشوائي، والهالات السودة مالية وشه، وشكله أكبر بعشرين سنة من آخر مرة شفته.
أول ما عرفني، الخوف ظهر على وشه.
مسك الشيكارة بسرعة، ولف يجري ناحية شارع جانبي ضيق.
صرخت كريم... استنى!
ركنت عربيتي بسرعة وجريت وراه.
لكنه فضل ماشي.
قلتله لو سمحت... بس كلمني.
وقف أخيرًا...
لكن من غير ما يلف.
قال بصوت مكسور
سيبيني يا ياسمين... متشوفيش شكلي كده.
عيني دمعت.
إيه اللي حصلك؟
هز كتفه وقال
الدنيا.
سألته
عايش فين؟
شد على الشيكارة بإيده وقال
في ملجأ للمشردين.
الكلمة نزلت عليا زي الصاعقة.
ملجأ...
ده الراجل اللي كان عنده بيت، وشغل محترم، وأحلام كنا بنبنيها سوا.
ودلوقتي...
بيجمع علب كانز عشان يعرف ياكل.
طلعت كام ألف جنيه من شنطتي ومديتهم له.
خدهم... بالله عليك.
رجع خطوة لورا وقال بحزم
لأ.
يا كريم...
مش عايز فلوسك.
أنا بس عايزة أساعدك.
رفع عينه وبصلي.
وقال بهدوء
دي مش كرامة يا ياسمين... دي آخر حاجة فاضلة لي.
الكلمة كسرتني.
بعد إلحاح طويل، وافق يقعد معايا في كافيه قريب.
ركب العربية وهو بيبص حواليه وقال بابتسامة مرة
العربية دي تمنها أكتر من كل اللي أملكه.
ما عرفتش أرد.
في الكافيه، طلب قهوة ورول قرفة بس.
كان بياكل بالراحة... وكأنه مش عارف إمتى هيشوف أكل تاني.
فضلت أبصله ومش قادرة أستوعب.
وفي الآخر سألت
قولي الحقيقة يا كريم... إيه اللي حصلك؟
سكت.
والناس رايحة جاية من ورا إزاز الكافيه، ولا حد حاسس بينا.
وفجأة...
وشه اتغير.
ماكانش إحراج.
ولا حزن.
كان... خوف.
خوف حقيقي.
بص ناحية الباب، وبعدين ناحية الشباك، كأنه حاسس إن حد بيراقبنا.
وبعدين قال
عملت اللي كان لازم أعمله.
استغربت.
يعني إيه؟
قام
قلبي بدأ يدق بسرعة.
كريم؟
بصلي بعين كلها ندم.
وقال
اسألي أهلك.
اتلخبطت.
تقصد إيه؟
قرب مني وقال بصوت يكاد يتسمع
أنا خسرت كل حاجة... بسببك.
حسيت الأرض بتميل بيا.
وقبل ما أتكلم، رجع خطوة لورا...
وقال الجملة اللي لحد النهارده مبتفارقش وداني
أنا ضحيت بكل حاجة... عشان أنقذك إنتِ.
ولف ومشى وسط الزحمة... واختفى.
وأنا فضلت قاعدة ببص على الكرسي الفاضي، ومش قادرة أبطل أفكر...
يا ترى إيه السر اللي أهلي مخبينه عني من سنين؟... وليه الراجل اللي حبيته ضحى بكل حياته عشان يحميني منه؟!
القصة كاملة طويلة ومينفعش تنزل في المنشور...
فضلت قاعدة مكاني، إيدي بتترعش حوالين فنجان القهوة، وعيني على الباب اللي كريم خرج منه.
كل كلمة قالها كانت بتلف في دماغي.
اسألي أهلك.
أنا ضحيت بكل حاجة... عشان أنقذك.
أنا؟
ينقذني من إيه؟
ولو هو بيكدب... ليه كان مرعوب بالشكل ده؟
طلعت أجري وراه، لكن الشارع كان مليان ناس، وكلهم شبه بعض. دورت في كل ناحية، سألت بتاع الجرائد، وسألت الراجل اللي واقف على العربية الكبدة، حتى سواق التاكسي اللي كان واقف قدام الكافيه.
محدش شافه.
كأنه اتبخر.
...
رجعت البيت وأنا دماغي هتنفجر.
أول ما دخلت، لقيت أمي قاعدة قدام التلفزيون بتتفرج على مسلسل، وأبويا بيقلب في الجرنال.
ابتسموا أول ما شافوني.
لكن أول ما قلت اسم كريم...
الابتسامة اختفت.
قلت بهدوء
شفته النهارده.
أمي وقعت منها كباية الشاي.
وأبويا رفع عينه من الجرنال بسرعة.
قال بعصبية
شوفتي مين؟
كريم.
سكتوا.
ثواني طويلة...
لحد ما أبويا قال وهو بيحاول يمثل الهدوء
ولسه فاكرة الزبالة ده؟
استغربت طريقته.
زمان، حتى بعد الطلاق، عمره ما شتمه.
قلت
لقيته عايش في ملجأ.
أمي بصت بعيد.
أما أبويا فقال ببرود
يستاهل.
الكلمة ضايقتني.
يستاهل ليه؟
لأنه دمر نفسه.
هو قال حاجة غير كده.
أبويا قام مرة واحدة.
قالك إيه؟
قالي أسأل أهلي.
وش أبويا اصفر.
لأول مرة في حياتي...
أشوف أبويا بيتوتر بالشكل ده.
قال بسرعة
الراجل ده مختل... وإوعي تقابليه تاني.
قلت
ليه؟
عشان بقولك كده.
أنا مش طفلة.
بصلي بغضب عمره ما بصهولي قبل كده.
الموضوع انتهى.
وسابني ودخل أوضته.
...
في الليلة دي...
النوم هرب مني.
فتحت الدولاب، وطلعت كرتونة قديمة كنت مخبية فيها صور جوازنا.
أنا وكريم.
ضحكته.
البدلة الكحلي اللي كان بيحبها.
أول رحلة عملناها في مطروح.
كل حاجة كانت بتقول إننا كنا سعداء.
إزاي الجواز ده انتهى في ست شهور بس؟
افتكرت آخر يوم.
فاكرة إنه دخل البيت وشه متغير.
وقاللي
لازم تطلقي مني.
افتكرته بيهزر.
ضحكت.
لكنه رمى ورقة الطلاق قدامي.
وقالي بمنتهى البرود
أنا بحب واحدة غيرك.
الجملة دي هي اللي موتتني.
صرخت.
عيطت.
ترجيته حتى يقولي السبب الحقيقي.
لكنه فضل ساكت.
وبعد أسبوع...
اختفى.
وسمعت بعدها إنه باع البيت.
وساب المدرسة.
واختفى من حياة الكل.
وقتها كرهته.
وصدقت كلام أهلي.
قالولي إنه نصاب.
وإنه استغلني.
وإنه عمره ما حبني.
وأنا صدقت...
لحد النهارده.
...
تاني يوم، خدت أجازة من الشغل.
وروحت المدرسة الخاصة اللي كان بيشتغل فيها.
المدير أول ما عرف اسمي، اتنهد وقال
بعد السنين دي كلها... لسه بتدوري عليه؟
قلت
محتاجة أفهم.
سكت شوية...
وبعدين قال
كريم كان من أحسن المدرسين اللي اشتغلوا عندنا.
استغربت.
أمال ساب الشغل ليه؟
الراجل بص حواليه قبل ما يتكلم.
هو ما سابش.
أمال؟
اتفصل.
ليه؟
هز راسه.
بسبب اتهام