لقيت ام مشرده وبنتها
السيد وشريف فاروق وسارة السيد.
أول ما عرفوا إن البلاغ وصل، وإن الأدلة موجودة، بدأوا يفقدوا أعصابهم. حمدي اتصل بي أولًا، وصوته عالي وبيحاول يهددني يا عادل بيه، إحنا ناس معروفين، ومش ينفع نعمل مشاكل من شأن ست مشردة. خليك وسط بيننا، ونعطيها تعويض طيب، وكل حاجة تروح في حالها. ولا تضطرنا نعمل حاجات تندم عليها.
رديت عليه بكل هدوء أنت اللي أجبرتني أعمل كده يا حمدي بيه. أنت اللي سرقت بيت ست تعبت وشقت ١٢ سنة عشان تجمعه. وأنت فاكر إن الفلوس والنفوذ هينجوك؟ غلطان. الحق هيعلو، ولو كلفني كل ما أملك. والتعويض مش هيرجع إلا الشقة، وكل الحقوق اللي لمنى، وأنت ومشاركيك هتتحملوا المسؤولية القانونية كاملة.
سكت شوية، وبعدها حاول يغير أسلوبه، يتوسل ويقول إنه مضطر وإنه مديون، وإن سارة خدعته، وكل واحد بيحاول يرمي اللوم على التاني. لكني قفلت في وشه، وقلت له يتكلم مع المحامي بتاعي، ومش عايز أسمع منه كلام تاني.
بعد كده، جاتلي سارة السيد، دخلت مكتبي وعيونها بتدمع، وحاولت تترجاني أسامحها، وتقول إنها كانت خايفة من عمها، وإنها محتاجة الفلوس عشان تعالج ولدها المريض. قلتلها بصرامة لو كنتي محتاجة فلوس، كان فيه طرق مشروعة تطلبينها، ومحدش كان بيردك. لكنك اخترتي الطريق الحرام، واخترتي تسرقي حق ست تعبت وسهرت الليالي، وتحرمي بنت صغيرة من بيتها. والظلم مهما طال بياخد
والمحامي شريف فاروق بعتلي وسيط يعرض علي مبلغ ضخم عشان أسحب البلاغ، وقال لي إن المبلغ ده يكفي تفتح مشاريع جديدة وتكسب أكتر، لكني رفضت بكل تأكيد، وقلت للوسيط قل لصاحبك إن عندي فلوس تكفيني وتكفي ولادي وولاد ولادي، ومش ببيع الحق ولا ببيع ضميري بكل كنوز الدنيا.
استمر التحقيق لأكثر من شهر، وكل يوم كان بيظهر دليل جديد، وكل يوم كان بيكتشف إن ظلمهم وصل لأكتر من منى بس. اكتشفنا إنهم عملوا نفس الخطة مع عائلات تانية، استولوا على شققهم وأموالهم، وكلهم كانوا فاقدين الأمل ومش عارفين يروحوا فين. لما عرفوا إن في حد وقف في وجههم، جوا لي وقصصوا علي، وجمعنا كل قضاياهم، وضفناها للقضية الرئيسية.
في جلسة المحكمة، كان الحضور كتير، ناس من أهل الحي، وناس تعاطفوا مع منى، وناس كانوا عايزين يشوفوا نهاية الظالمين. وقف القاضي، وبدأ يقرأ الأدلة، والشهود يتكلموا، وكل ما كلمة تتقال، كان لون وجوه المتهمين يتغير لون، من ثقة لخوف، لندم، لانهيار.
منى وقفت قدام المحكمة، وريم كانت قاعدة بجانبها وماسكة إيدها، وقالت كلام بسيط لكنه وصل لقلب كل واحد موجود أنا مش طالبة أكتر من حقي. كل اللي عملته إني شغلت نفسي وخدمت الناس، ودفعت كل قرش معايا عشان أكون آمنة أنا وبنتي. وده مش كثير، ده أقل حق لي كإنسان. وإن
بعد ما انتهى الكلام، وقرأ القاضي الحكم، كان الصمت سيد المكان للحظات، وبعدها انفجرت الأصوات بالتهليل والفرح. الحكم كان إعادة الشقة لمنى فورًا، ودفع تعويض مادي ومعنوي عن كل الفترة اللي اتحرمت فيها منها، وإحالة المتهمين للنيابة العامة لمحاكمتهم بتهم تزوير وتآمر واستيلاء على ملك الغير، وعزل سارة السيد من عملها ومنعها من العمل في أي مؤسسة مالية مدى الحياة، وتسجيل الحكم ضد المحامي شريف فاروق لسحب رخصته ومساءلته تأديبيًا وجنائيًا.
يوم ما رجعت منى وريم للشقة، كانت الدنيا كلها فرحانة لهم. الجيران كانوا مستنينهم بالزهور والحلويات، وكل واحد بيقول لها مبارك عليكي يا منى، والحق غالب. الشقة كانت نظيفة ومهيأة، وريم ركضت لغرفتها القديمة، وشافت رسوماتها اللي كانت باقية على الحيطان، وضمت أرنوبها اللعبة وضحكت من كل قلبها، وضحكتها كانت زي الغناء بتملي المكان.
منى وقفت قدامي وعيونها بتدمع من الفرح، وقالت شكرًا يا عادل بيه، شكرًا لإنك رجعتلي الأمل، ورجعتلي الثقة إن لسه في خير وناس بتخاف الله.
قلت لها بابتسامة الشكر لله أولًا وآخرًا، وأنا ما عملت إلا واجبي. واعرفي إنك ما كسبتيش قضية بس، أنتي كسبتي ثقة كل غلبان ومظلوم، وأثبتلي وللناس كلها إن الإصرار على الحق أقوى من أي قوة، وإن الغلطة اللي بيتوقعوها صغيرة ممكن تكون
وبعد مرور سنة، كانت منى اشتغلت في قسم الخدمات الاجتماعية بالبنك بتاعي، بتساعد الناس اللي بتتعرض لمشاكل في العقود والمعاملات، وبتوعيهم بحقوقهم، وريم كانت بتروح المدرسة وبتجيب أعلى الدرجات، وكل ما كانت تشوفني كانت تركض وتقولي عمو عادل، شفت أنا أذكى تلميذة في الفصل؟ كل ده عشانك.
والناس اللي ظلموا؟ حمدي السيد قضى حكمه في السجن، وبيع أملاكه عشان يدفع التعويضات، والمحامي شريف فاروق فقد سمعته وكل ما كان يملك، وسارة السيد كانت بتعيش في ضيق وندم، وكل يوم تتمنى إنها ما كانت سلكت طريق الحرام.
وكل ما كنت أمر من قدام الشقة دي، أو أشوف منى وريم، أتذكر تلك الليلة الماطرة، والليلة اللي كنت على وشك أمشي فيها وأتجاهل ما شفت، وأشكر الله إن خدمني لأقف وأسأل، وإن علمتني إن أصدق القول إن الفلوس بتكشف حقيقة الناس، وإن الحق مهما طال بيظهر، وإن اللي بيتعدى على حقوق الناس بيقع في فخ عمله، وإن الغلطة اللي
بيتوقعها صغيرة هي اللي بتدمره في النهاية.
وظلت القصة دي تتنقل بين الناس، وتحكيها الأمهات لولادها، وتقول لهم لا تظلموا، ولا تستهينوا بحق أحد، فالله بالمرصاد، وإن كان الغالب ظاهرًا، فالآخر هو الحق.
وظلت حكايات ليان تروي إن العدالة ما تموت، وإن اللي بيدافع عن الحق هو اللي بيعيش في كرامة، وإن النهاية دايما بتكون لصاحب الحق مهما كان ضعيفًا، ولو