اكلو العشا
واهية عن حوادث وبلاوي على الدائري.
هنا، التفت كريم
نحو ياسمين، وبصوت مليء بالغضب المكتوم أمام أهلها، قال
عاجبك كده يا ياسمين؟ جايبة أهلك وقاعدة تتمنظري
بأكل من بره؟ وفاتحة الفيزا بتاعتي تدفعي منها براحتك كأنك في فندق؟ عيب عليكي، لمّي أهلك ويلا كل واحد على بيته، الليلة باظت بسبب قلة ذوقكم من الأول.
نظر الأب المسنّ إلى ابنته ودموعه تكاد تفر من عينيه، وهمس بصوت مرتعش
قومي يا بنتي قومي نروّح، احنا السبب إني جينا وتعبناكي معانا.
في تلك اللحظة، تحولت ملامح ياسمين تماماً. انطفأ الحزن والكسر، وحل محله هدؤ الجليد الذي يسبق العاصفة. وقفت بكامل هيبتها، ورفعت صوتها لأول مرة منذ سنوات بقوة جعلت الجميع يصمتون
اقعد يا بابا مكانك. محدش ماشي من هنا، واللي هيطلع من الباب ده، مش هيدخل تاني أبداً.
هتف كريم بسخرية واستهزاء وهو يقترب منها
نعم؟! إنتي اتجننتي ولا إيه؟ بتعلي صوتك قدام أمي وأختي وفي بيتي؟! إنتِ شكلك نسيتي نفسك!
نقطة التحول الكبرى
قبل أن ينطق كريم بكلمة أخرى، جرس الباب رن.
فتحت ياسمين الباب،
فلم يكن عامل الدليفري وحده، بل كان
يقف خلفه المستشار ممدوح خالها، ومعها اثنان من شهود العيان بواب العمارة ورجل أمن الإدارة، وبجانبهم عامل الدليفري الذي يحمل الأكياس الفاخرة.
دخل الخال ممدوح بخطوات واثقة وهادئة، ونظر إلى الحضور نظرة فاحصة جعلت نوال ترتجف داخلياً رغم غرورها.
سأل كريم بعصبية
مينضدش إنت مين؟ وإزاي تدخل بيتي بالطريقة دي؟
لم يلتفت له ممدوح، بل التفت إلى ياسمين وسألها بهدوء
جاهزة يا ياسمين؟
ردت بصوت ثابت كالصخر
جاهزة يا خالي.
أخرج المستشار ممدوح من حقيبته أوراقاً رسمية ووضعها على الطاولة المجاورة للسفرة الخالية، وقال بصوت جهوري
أولاً الشقة دي مسجلة باسم ياسمين بموجب عقد موثق ومؤخر صداق وقائمة منقولات كاملة، وتم تحرير محضر إثبات حالة الآن رسمي بحضور الشهود بواسطة الأمن والبواب يؤكد قيام المدعو كريم عبد التواب بالتعدي
بتقرير طبي فوري من المستشفي العسكري القريب.
ثانياً تم تجميد حساب الفيزا المشتركة قانونياً الآن، وتحويل كافة المبالغ المستحقة لياسمين، مع بلاغ فوري بخصوص تبديد المنقولات وإساءة الأمانة الأسرية.
انقلب وجه كريم إلى اللون الأصفر، وصرخ بفزع
إيه الكلام الفارغ ده؟! إنتي اتجننتي يا ياسمين عشان شوية أكل؟! هتهدمي بيتك عشان
طبق محشي ولحمة؟!
هنا تدخلت نوال، وابتسامة الغطرسة قد اختفت تماماً وحلت محلها الهلع
يا مدام نوال قصدي يا بنتي، إحنا كنا بنهزر! هو أنتوا مابتستحملوش الهزار؟ دي طماطم ولحمة، هتكبروا الموضوع للدرجات دي؟! دينا يا حبيبتي اعتذري لهم
قاطعتها دينا وهي ترتجف
أيوه يا ياسمين إحنا آسفين، خلاص، العشا يرجع، ونعمل غيره!
المشهد الأخير
لم ترد ياسمين على توسلاتهم، بل التفتت إلى والديها اللذين كانت الدموع تلمع في عيونهما، ولكن هذه المرة
استردت كرامتهم في أشرس وأصعب اللحظات.
فتحت ياسمين علب الطعام الفاخرة، وقدمت أطباق الستيك الساخنة والعصير لوالديها، وجلست أمامهما تتناول اللقمة معهما بابتسامة نصر حقيقية.
أما كريم، فوقف مذهولاً، ينظر إلى صواني الأكل الفارغة التي صنعها طمعه وطمع أهله، ليدرك متأخراً جداً أن الوجبة الوحيدة التي تم التهامها بالكامل تلك الليلة لم تكن طعام العشاء، بل كانت كرامته ومستقبله وزواجه وكل ذلك بثمن طبق لحمة ومحشي.
قامت ياسمين، وحملت حقيبة سفر صغيرة جهزتها مسبقاً في الغرفة الأخرى، ومسكت بيد أبيها وأمها، وفتحت الباب متجهة للخارج وهي تقول بصوت هادئ
معلش يا كريم إنت وأمك وأختك كنتوا المفروض تفكروا بدري، بس للأسف لحقتوا تخلصوا كل حاجة، وما بقاش ليكم عندي غير ورقة الطلاق في المحكمة بكره
الصبح.
وأغلقت الباب خلفها بهدوء، بينما سقطت نوال على الكرسي تلطم خديها، وبكى كريم كالطفال في شقة
وحيدة وخاوية تماماً مثل سفره المفرغة.