سر الحيطه حكايات بسمه

لمحة نيوز

مدام سميحة ترجع شغلها طبيعي وما تغيرش في تصرفاتها عشان ما يشك. أنا أتابع الأولاد وأحاول أجمع عينات من الهو والمسحوق من غير ما يلاحظ. وآدم يتصل بدكاترة مستقلين خارج دائرة شريف، ويطلب منهم يفحصوا الأولاد ويعملوا تحاليل خاصة بطريقة ما يعرفها هو. وفي نفس الوقت، أبحث عن أي أوراق أو ملفات كانت لمرات آدم، لأنها كانت السبب في كل حاجة.
مرّت الأيام ببطء شديد. كل يوم كنت أحسّ إننا بنعيش فوق بركان. دكتور شريف كان بيجي كل يومين يطمئن عليهم، وكل مرة كان بيسألني بنظرة غريبة وكأنه بيختبرني، يشوف أنا وصلت لحاجة ولا لأ. كنت أتعامل معاه بكل طبيعية، أقول له إنهم نفس الحال، وإنني أحاول أساعدهم على الأكل والنوم، وأتجاهل نظراته الحادة.
في الأسبوع التالي، لما كان الأولاد نايمين والبيت هادي، تسللت لغرفة مرات آدم اللي كانت مقفولة من زمان. المفتاح كان مع آدم نفسه، سلمّاه لي وهو يقول ما فتحتها من يوم ما ماټت خاېف أفتحها وأفتح چروح تاني. الغرفة كانت معطّرة بريحتها عطر خفيف، مختلف تمامًا عن ريحة اللافندر اللي كنت بشمها في أوض الأولاد. كل حاجة في مكانها، كأنها سابتها أمس كتب، دفاتر، صور لهم الاتنين مع الأولاد وهما صغار، وملفات أبحاث طبية مكدسة على رفّ خشبي.
قعدت أقرأ وأفتّش بتركيز. ساعات مرّت وما حسّيت بيها. لحد ما
وصلت لدفتر ملاحظات صغير مخبي جوا كتاب قديم،
واسمها مكتوب عليه بخط اليد يومياتي للعيان بعدي.
فتحته وبدأت أقرأ. كلامها كان واضح وقوي، وتاريخاته متسلسلة
شريف طالب مني أوقّع على تحويل مبلغ كبير لشركة تابعة له. قال عشان الأبحاث. بس لما طلبت أشوف النتايج والبيانات، اتعصب وتهرب من الإجابة. حاسّة إن في حاجة غلط.
النتايج بتاعته مش منطقية. الأرقام ما بتتطابق. خاېفة يكون بيستخدم المال في حاجة تانية خالص.
قال لي إن لو وقفت في طريقي هخسر كتير. ما فهمت معناه غير بعدين. والآن عرفت إنه مش بس بياخد الفلوس هو بيخفي حاجة خطېرة في التجارب اللي بيعملها. حاولت أتكلم معاه، قال لي اخرسي وإلا ټندمي.
كتبت كل حاجة الأسماء، التواريخ، المبالغ، أماكن التجارب، وعلاقته بالمادة اللي بيستخدمها. خبيت نسخة من التقرير الكامل في مكان ما هو مش هيقدر يوصل له بسهولة. وقلت لولادي يبعدوا عن الحيطة اللي ورا أوضتهم لأن هناك بالظبط بدأ كل حاجة، وهناك خبيت الدليل.
لو أنا متّ قبل ما أقدر أتكلم، فاعرفوا إنني ما متّ حاډثة. واعرفوا إن اللي ورا كل ده هو الشخص اللي كنتوا تثقوا فيه أكتر من أي حد. احموا الأولاد واعملوا الحق يظهر.
الدفتر وقع من إيدي. كنت حاسّة ببرد يسري في جسمي كله. كل كلمة فيها كانت دليل إدانة كامل، وكل كلمة بتثبت إنها كانت عارفة تمامًا إن حياتها في
خطړ، وإنها ماټت وهي تحاول تكشف
الحقيقة. ورجعت لآدم بالدفتر،
ولما قراه بكى كطفل صغير بكى على اللي خسر، وبكى على الثقة اللي كانت عمياء، وبكى لأنه سلم ولاده للي قتل أمهم وبيحاول يقتلهم.
الآن بقى معانا نصّ الحقيقة، لكن النص التاني التقرير الكامل والعينة اللي قالت عنها لسه مخبي ورا الحيطة اللي حذرت منها أولادها. وعلشان نوصله، لازم نعمل حاجة خطېرة نكسر الحيطة دي ونستخرج اللي جواها، وفي نفس الوقت نحافظ على الأولاد ونحميهم من اللي بيشوف كل حركة لنا.
اتفقنا نعملها في ليلة واحدة ليلة ما يكون فيها شريف جاي، والبيت هادي. جبنا ناس موثوقين من بره، ناس ما يعرفهم شريف، وبدأنا نعمل ببطء وحذر. لما بدأت الحيطة تتفتح، شفتها صندوق حديدي صغير محفوظ جوا الحيطة بالظبط، ومكتوب عليه اسمها. فتحناه لقينا تقارير طبية، عينات محفوظة، إثباتات بتحويلات مالية، وتسجيل صوتي كامل لحديثها مع شريف وبيهددها ويعترف إنه بيستخدم المادة دي في أبحاثه وإنها ټقتل ببطء.
وفي نفس الصندوق، رسالة موجهة لآدم
حبيبي، سامحني لأنني ما قلتلك كل حاجة من الأول. كنت خاېفة عليك وعلى الأولاد. شريف مش صديقنا هو شخص طماع، مستعد يضحي بأي حد عشان ينجح ويغنى. المادة اللي بيستخدمها بتدمر الجهاز العصبي والمناعي ببطء، والتحاليل العادية مش بتكشفها. هو بيستخدمها على الأولاد عشان ياخد الميراث. احذره. ولا تثق بحد غير اللي بتحبّك بصدق. ولو وصلت
للرسالة دي، فاعرف
إنني رحلت وأنا واثقة إنك هتحميهم. أحبك.
لما قرأها آدم ما قدرش يتحمل أكتر، واتصل مباشرة بالنيابة وبالأمن، وقدّم كل الأدلة اللي جمعناها. لكن شريف كان ذكي حسّ إن في حاجة اتغيرت، ولما جاءت القوات ليلقوه كان حاول يهرب، لكنهم قبضوا عليه في المطار قبل ما يطلع بره. واعترف بكل حاجة قټلها عشان تخرس، وسمّم الأولاد شوية شوية عشان الميراث، وكل اللي عمله كان عشان فلوس وسلطة.
استغرق الأمر شهور طويلة حتى استردّ الأولاد صحتهم. أخذناهم لخبراء خارج مصر، عالجوهم من أثر المادة، وبالتدريج بدأ لونهم يرجع وطاقتهم تروح لهم تاني. ما كانش طريق سهل كان فيه أيام كنت بشوفهم تعبانين وأحسّ قلبي بيتقطع، لكن كنت أتذكر أمهم ووصيتها، وأصمّ. وآدم اللي كان ملياردير لكنه فقير من جوا بدأ يتعلم يضحك تاني، ويعيش، ويكون أب حقيقي لولاده.
بقيت معاهم. ما سافرت ولا رجعت لشغل تاني. لأنهم بقوا عيلتي. وكل ما بشوف عمر وآسر بيلعبوا ويجروا في الحدائق، بشكر الله إنني كنت السبب في إنهم يكملوا حياتهم. وكل ما بيمرّ جنب الحيطة دي اللي كانت خبيّة السرّ، بدعي لروح أمهم اللي حاربت لحد آخر نفس عشان تحميهم.
والحق بيظهر دايماً مهما طال الزمن، ومهما حاول الناس يخفوه. الأرض مش بتخفي حاجة طويلاً، والريحة اللي بتيجي من الغدر ما بتختفي أبدًا. بتظلّ تطلع لحد ما حد يشمّها، ويقول ده غلط. وده
لازم
يتصلّح.
تمت القصة.

تم نسخ الرابط