عروس مسافرة لزوجها

لمحة نيوز


أن زوجها سيكون في انتظارها، وأنها لن تحتاج إلى شراء تذكرة عودة في اليوم نفسه.
ومن كان يمكن أن يتوقع أصلًا أن تحتاج إلى تذكرة عودة بعد دقائق من وصولها؟
قال أحد الرجال
ولا يهمك.
أخرج محفظته ووضع مبلغًا من المال.
وقال آخر
وأنا معك.
ثم أخرج ثالث جزءًا آخر.
وبدأنا نجمع ثمن التذكرة بيننا.
لم يسأل أحد الآخر لماذا يدفع.
في تلك اللحظة لم نكن نفكر إلا في شيء واحد ألا تبقى هذه الفتاة وحدها في المطار.
مدير الفرع نفسه كان يتابع ما يحدث.
وعندما رأى أن المبلغ لم يكتمل، أخرج من جيبه جزءًا من المال وقال
أنا أدفع الباقي.
وفي النهاية دفع ما يقارب ربع قيمة التذكرة.
نظرنا إليه وشكرناه.
فقال
يا جماعة، دي بنت غريبة في بلدنا، والواجب إننا نساعدها.
أنهينا إجراءات الحجز.
أصبحت هناك تذكرة باسمها على الرحلة التي ستغادر بعد قليل.
كان من المفترض أن يكون هذا اليوم يوم استقبالها وبداية استقرارها، فإذا بها بعد وقت قصير تحمل بطاقة سفر للعودة إلى المكان الذي جاءت منه.
ثم جاء وقت العودة إلى الجوازات.
كان المشهد غريبًا ومؤلمًا.
قبل فترة قصيرة مرت من المكان نفسه
وهي تدخل البلاد للمرة الأولى في تلك الرحلة، تحمل جواز سفرها وتنتظر ختم الدخول.
ربما كانت وقتها تبتسم.
ربما كانت تنظر إلى الساعة كل دقيقة.
ربما كانت تتساءل
هل ينتظرني عند الباب؟
كيف سيكون اللقاء؟
ماذا سيقول عندما يراني؟
هل سيبتسم؟
هل سيأخذ حقائبي؟
هل سيخبرني أن الرحلة كانت طويلة وأنه كان ينتظرني بفارغ الصبر؟
أما الآن، فقد عادت إلى الشباك نفسه تقريبًا، لكن كل شيء تغير.
الوجه نفسه لم يعد يحمل الفرحة.
الخطوات نفسها أصبحت ثقيلة.
الحقائب نفسها أصبحت عبئًا.
حتى جواز السفر الذي كانت تمسكه قبل دقائق بحماس، أصبحت تمسكه الآن وكأنه مجرد ورقة ستخرجها من مكان لا تريد أن تتذكره.
وقفت أمام موظف الجوازات.
نظر إلى الأوراق، ثم نظر إليها.
ربما

استغرب أنها دخلت البلاد قبل وقت قصير، وها هي تغادرها سريعًا.
تمت الإجراءات.
وبقيت أمامنا دقائق قبل دخولها إلى بوابة السفر.
لكن قبل أن تذهب، خطر في بالي أمر مهم.
كيف ستصل إلى مطار بلدها ولا يوجد أحد يعرف ما حدث؟
أهلها بالتأكيد يظنون أنها الآن بدأت حياتها مع زوجها.
وربما ينتظرون اتصالًا منها تطمئنهم فيه أنها وصلت بخير.
اقتربت منها وقلت
اسمعي يا بنتي، لازم نكلم أهلك. ما ينفع توصلي المطار وما يكونش حد مستنيك.
نظرت إلي.
قلت لها
هاتي رقم البيت أو رقم أخوك.
وهنا حدث شيء لم أنسه.
بدأت تحاول أن تتذكر الرقم.
رقم بيت عاشت فيه سنوات طويلة.
رقم ربما كانت تعرفه عن ظهر قلب.
لكن شدة الارتباك جعلتها تتردد.
قالت عدة أرقام ثم توقفت.
وضعت يدها على رأسها.
قالت
استنى... استنى شوي.
لم نستعجلها.
قلنا لها
خذي وقتك.
ظلت تحاول.
وبعد لحظات تذكرت الرقم.
أعطتنيه.
اتصلت.
ظل الهاتف يرن.
كل ثانية كانت تمر ونحن ننتظر من يرد كانت تبدو طويلة.
وأخيرًا جاء صوت رجل من الطرف الآخر.
قلت
السلام عليكم.
رد
وعليكم السلام.
سألته عن اسمه.
ثم قلت
حضرتك أخو فلانة؟
قال
نعم، خير؟ هي وصلت؟
كان واضحًا من صوته أنه ينتظر خبرًا يطمئنه.
ترددت للحظة.
كيف يمكن أن تخبر أخًا أن أخته التي ودعها قبل ساعات وهي ترتدي فستانها الأبيض ستعود إليه بعد قليل في الطائرة نفسها تقريبًا؟
لم أرد أن أخبره بطريقة مفاجئة.
قلت له
الحمد لله هي بخير، وهي معنا الآن في المطار.
قال بسرعة
بخير؟ في إيه؟
قلت
ما تقلقش، هي بخير وما حصل لها شيء، لكن حصل ظرف، والأفضل إنها ترجع لكم الآن.
سكت للحظة.
ثم قال
إيه اللي حصل؟
بدأت أشرح له بهدوء.
قلت له إن الرجل الذي كان من المفترض أن يستقبلها لم يتصرف كما ينبغي، وإننا لم نتركها وحدها، وإننا تحدثنا مع شركة الطيران، وإن هناك رحلة ستغادر قريبًا وقد حجزنا لها مقعدًا.
كلما كنت أشرح، كان صوته يتغير.

وفي لحظة لم يعد يستطيع أن يخفي تأثره.
سمعت بكاءه.
قال
أختي... أختي عملت إيه علشان يحصل لها كده؟
لم أعرف ماذا أقول.
قلت له
الحمد لله إنها بخير. أهم شيء الآن إنكم تستقبلوها وتكونوا جنبها.
ظل يشكرني.
قال
جزاكم الله خير... والله مش عارف أقول لكم إيه.
قلت
ولا تقول حاجة. إحنا عملنا الواجب.
ثم قال
أنا طالع حالًا على المطار أجيبها.
قلت له
كويس جدًا، وخلي بالك منها. هي متأثرة جدًا.
ثم ترددت قليلًا قبل أن أضيف
ولو تقدر، ما تدخلهاش وسط تجمع كبير أول ما توصل. خلّيها ترتاح الأول، لأنها مرت بيوم صعب.
فهم ما أقصده.
قال
أكيد... أكيد.
ظل يشكرني مرة أخرى.
ثم قلت له
هي جنبي، هديها التليفون تكلمك.
أعطيتها الجوال.
أمسكته بيد مرتجفة.
قالت
ألو...
جاء صوت أخيها من الطرف الآخر.
لم نكن نسمع كل ما يقول، لكننا كنا نرى وجهها.
قالت
حاضر يا أخويا.
سكتت.
ثم قالت مرة أخرى
حاضر.
وبعد لحظة
أنا كويسة.
كانت تقول إنها بخير، لكن وجهها كان يقول شيئًا آخر تمامًا.
قالت
ما تقولش لماما دلوقتي... حاضر.
ثم سكتت طويلًا.
بدأت دموعها تنزل من جديد.
قالت
أنا جاية.
ثم أعادت الهاتف لي.
لم تكن قادرة على الكلام أكثر.
انتهت المكالمة.
بقيت دقائق قليلة فقط على موعد دخولها.
جلسنا معها.
لم نسألها أي أسئلة.
لم نسألها ماذا ستفعل بعد العودة.
ولم نسألها إن كانت ستسامح أو لن تسامح.
ولم نسألها عن تفاصيل عقد الزواج.
في تلك اللحظة لم يكن الوقت وقت أسئلة.
كان المطلوب فقط أن تشعر أنها ليست وحدها.
نادى موظفو المطار على المسافرين.
وقفت.
حملت حقيبتها الصغيرة.
أما الحقائب الكبيرة فقد ساعدناها في ترتيبها.
سارت باتجاه بوابة الجوازات.
وقبل أن تدخل توقفت.
التفتت إلينا.
نظرت إلى كل شخص وقف معها.
لم تقل شكرًا بصوت واضح.
ربما لأنها لم تستطع.
لكن نظرتها كانت تحمل كلامًا أكثر بكثير من أي كلمة.
رفعت يدها إشارة صغيرة.
كانت إشارة
إنسانة عاشت خلال ساعات قليلة ما لم تتوقع أن تعيشه في يوم كانت تنتظره منذ شهور.
بدت وكأنها تقول لنا
لن أنسى أنكم وقفتم معي.
وبدت في الوقت نفسه وكأنها تريد أن تقول للرجل الذي تركها
الله بيني وبينك.
ثم دخلت.
اختفت خلف بوابة الجوازات.
لكنني لم أستطع أن أغادر.
قال لي أحد الموجودين
خلاص، هي دخلت.
قلت
هستنى لحد ما الطيارة تطلع.
جلست في المطار.
كانت الصور كلها تعود أمام عيني.
منذ ساعات قليلة رأيتها على متن الطائرة.
كانت عروسًا بفستان أبيض.
تجلس بتوتر.
ربما كانت تحاول أن تبدو هادئة، لكننا كنا نلاحظ أنها تنظر إلى الساعة كثيرًا.
وكانت كلما مرت دقيقة اقتربت أكثر من الرجل الذي بنت في ذهنها صورة كاملة عنه.
تذكرت عندما تحدث قائد الطائرة وبارك لها.
تذكرت ابتسامات المسافرين.
تذكرت الهدايا.
تذكرت أن بعض الناس كانوا ينظرون إليها بسعادة، وكأنهم يشاركونها فرحتها.
لم يتخيل أي واحد منا أن هؤلاء المسافرين أنفسهم سيقفون بعد ساعتين فقط يحاولون جمع ثمن تذكرة عودتها.
هذا هو أكثر ما جعل الموقف عالقًا في ذهني.
كم يمكن أن تتغير حياة الإنسان في دقائق؟
في الطائرة الأولى، كانت تحسب الوقت حتى الوصول.
وفي الطائرة الثانية، ربما كانت تتمنى لو أنها لم تأتِ أصلًا.
في الرحلة الأولى، كانت تحمل فستانها الأبيض بفخر.
وفي رحلة العودة، كان الفستان مطويًا داخل حقيبتها.
في الرحلة الأولى، كان أهلها ينتظرون مكالمة تقول لهم فيها
وصلت بالسلامة.
وفي رحلة العودة، كان أخوها يقود سيارته نحو المطار وهو يحاول أن يفهم كيف تحولت فرحة الأسرة إلى هذا الموقف.
جلست أنتظر.
كلما رأيت طائرة تتحرك كنت أنظر إلى شاشة الرحلات.
وفي النهاية ظهر أن رحلتها بدأت في المغادرة.
وقفت أنظر من خلف الزجاج.
تحركت الطائرة ببطء.
ثم أسرعت.
ثم ارتفعت عن الأرض.
ظللت أتابعها حتى ابتعدت.
وقتها فقط شعرت بشيء من الراحة.
قلت في نفسي
الحمد
لله... على الأقل رجعت لأهلها.
غادرت المطار.
لكن القصة لم تغادر ذهني.
في الأيام التالية كنت أتذكر ملامحها كثيرًا.
أتذكر كيف جاءت.
وكيف عادت.
وأتذكر الرجل الذي كان من المفترض أن يكون أول من يحميها ويطمئنها
 

تم نسخ الرابط