الأب المكافح
أب عازب يكافح في الحياة دخل إلى متجر فاخر ممسكا بيد ابنته الصغيرة.
كان معطفه ممزقا وحذاؤه مهترئا لكن في عينيه وميض إصرار هادئ.
همس لها قائلا
سننظر فقط على شيء صغير اليوم عيد ميلادك بعد كل شيء.
في الداخل كانت الثريات تلمع فوق أرضيات من الرخام
وكان الهواء مشبعا برائحة العطور والثراء.
لكن ما إن خطا بضع خطوات حتى بدأت الهمسات.
تبادلت بائعتان النظرات إحداهما ابتسمت بسخرية والأخرى ضحكت بخفوت.
قالت إحداهما بنبرة استعلاء
سيدي ربما دخلت المكان الخطأ
ضحك بعض الزبائن.
احمر وجه الأب لكنه شد على يد ابنته أكثر.
نظرت إليه الصغيرة بعينين حائرتين وسألته
بابا لماذا يضحكون علينا
ركع أمامها وقال بلطف
أحيانا يا صغيرتي الناس لا يفهموننا
لكن
هذا لا يعني أننا لا ننتمي إلى هنا.
وقبل أن يقف انطلقت نبرة حادة باردة عبر المكان
إذا كنت لا تستطيع شراء شيء فرجاء غادر.
أنت تشعر زبائننا بعدم الارتياح.
اشتد في حلقه الغصة وشعر بالإهانة تحرق وجهه
لكنه بقي في مكانه.
فاليوم عيد ميلادها وهي تستحق حلما صغيرا.
ثم
جاء صوت عميق مهيب من مؤخرة المتجر
ما الذي يحدث هنا
توقف كل شيء.
لقد وصل صاحب المتجر.
وحين التقت عيناه بعيني الأب تجمد مكانه.
الدهشة. الذهول. عدم التصديق.
همس قائلا
مستحيل
لم يكن أحد في ذلك المكان مستعدا لما سيحدث بعد ذلك
ما الذي يحدث هنا
توقف كل صوت في البوتيك دفعة واحدة الهمسات الخطوات حتى موسيقى الجاز الهادئة القادمة من مكبرات الصوت اختفت تماما.
ومن خلف المتجر خرج
رجل طويل القامة يرتدي بدلة زرقاء أنيقة
كان اسمه إيثان كول مالك المتجر.
جال ببصره في المكان ثم ضاق نظره عندما وقعت عيناه على دانيال.
وقف الموظفون في انتباه تام.
تقدمت إحدى البائعات بخوف وقالت بصوت مرتجف
السيد كول هذا الرجل إنه ليس زبونا كنا فقط
لكن إيثان لم يسمعها.
كانت عيناه معلقتين على دانيال وملامحه تتبدل بين الدهشة والاعتراف بشيء قديم.
خطا خطوة بطيئة إلى الأمام وقال بصوت خافت
مستحيل
قال دانيال متحيرا
عذرا هل التقينا من قبل
لكن إيثان كان قد عرف بالفعل.
ومضت ذاكرته إلى الوراء قبل سنوات.
ثلوج كثيفة لا ترحم.
شاب أصغر سنا هو إيثان جالس على مقعد حافلة متهالك فقير وجائع يحتضن حقيبة صغيرة تضم
كل ما يملك والذي لم يكن كثيرا.
سرقت محفظته ونفدت بطارية هاتفه وأمله في الحياة كان يتلاشى.
وفجأة توقف غريب أمامه.
رجل بمعطف بال وجهه طيب ومتعب يحمل كوب قهوة ورقي.
تبدو كأنك تحتاج هذا.
قدم له الطعام وبطانية وركوبا إلى مأوى.
لم يسأل شيئا لم يحكم عليه فقط قدم رحمة هادئة.
ذلك الغريب كان دانيال ريد.
الآن في متجره الفاخر المحاط بالرخام والزجاج تذكر إيثان كل شيء بوضوح مؤلم.
تقدم خطوة وقال بثبات
يكفي.
كانت الكلمة كالسيف جعلت الجميع يتجمدون في أماكنهم.
نظر إليهم وقال بغضب مكبوت
هل يعرف أحد منكم من هذا الرجل
ثم تابع
عندما كنت لا شيء فقيرا جائعا أنام في سيارتي هذا الرجل ساعدني.
كان غريبا تماما لكنه أعطاني طعاما ودفئا وسببا
لأؤمن أن اللطف لا يزال موجودا في هذا العالم.
انتشرت شهقات الدهشة في المكان.
خفضت البائعات
قال دانيال مذهولا
أنت تتذكر ذلك
أجاب إيثان وقد لان صوته
كيف أنسى الرجل الذي أعاد إلي كرامتي
ثم التفت إلى موظفيه وقال بصوت حازم
أنتم ترون ملابسه البسيطة.
أما أنا فأرى الرجل الذي أنقذني.
ابتلع دانيال ريقه بصعوبة وقال
لم أقصد إحداث مشكلة إنه عيد ميلاد ابنتي فقط وأردت شراء شيء صغير.
رفعت الصغيرة ليلي رأسها وقالت بهدوء
بابا لا نحتاج شيئا. أنا أريدك فقط.
انحنى إيثان إلى مستواها مبتسما
يا عزيزتي والدك بطل. والأبطال يستحقون أن يحتفل بهم.
ثم وقف وقال لموظفيه
دعوها تختار ما تريد. الحساب علي.
ساد الصمت التام.
قالت ليلي بعينين متسعتين
أي شيء
أومأ إيثان
أي شيء.
لكنها لم تركض
نحو مجوهرات الألماس ولم تلمس الحقائب البراقة أو الساعات الذهبية.
بل مشت بهدوء
إلى ركن صغير في الخلف حيث كان هناك صندوق زجاجي يحتوي على عقود فضية بسيطة.
مدت يدها بخفة نحو واحد منها قلب صغير من الفضة منقوش عليه كلمة واحدة Hope أمل.
هذا هو ما أريده.
تجمد الجميع في أماكنهم.
ضاق حلق إيثان تأثرا.
أبسط شيء في المتجر لكنه بدا وكأنه الأغلى قيمة.
اغرورقت عينا دانيال بالدموع وقال هامسا
شكرا لك لأنك تذكرت ولأنك أريتها أن اللطف ما زال مهما.
ابتسم إيثان بخفة
وسيظل دائما كذلك.
ثم انحنى مجددا وأغلق القلادة حول عنق ليلي بلطف.
الآن سيكون معك القليل من الأمل أينما ذهبت.
ضحكت ليلي وقالت
إنها تلمع!
ثم أضافت بجدية طفولية
شكرا لك يا عم.
غادروا بعدها.
فتحت الأبواب ودخلت نسمات باردة وضجيج المدينة.
أمسك دانيال بيد ابنته وغادرا معا
أكثر دفئا.
وقف إيثان عند المدخل يراقبهما وقال بصوت خافت لكنه مسموع
عندما كنت لا أملك شيئا ساعدتني. واليوم جاء دوري.
اللطف دائما يجد طريقه للعودة.
التفت دانيال قليلا وابتسم بعينين دامعتين
ربما هذا هو معنى أن تكتمل دائرة الحياة.
لوحت ليلي بيدها
مع السلامة!
أغلقت الأبواب برفق خلفهما.
في الخارج كانت أضواء المدينة تتلألأ وسط تساقط الثلوج.
رفع دانيال وجهه نحو السماء يشعر بقطرات الثلج تذوب على بشرته.
إلى جانبه كانت ليلي تتأرجح بيدها وتدندن لحنا صغيرا.
كانت القلادة الفضية تلمع على صدرها شرارة صغيرة من الأمل وسط البرد تعكس دفء شيء لا يشترى بالمال.
وفي الداخل وقف إيثان أمام واجهة متجره للحظة صامتة يبتسم بهدوء.
تذكر تلك الليلة القديمة لطف غريب في الظلام وأدرك كم كان
دانيال على حق
اللطف لا يختفي أبدا إنه فقط ينتظر فرصته ليعود.
الخاتمة
بعد أسابيع وصل طرد صغير إلى شقة دانيال المتواضعة.
فيه بطاقة مكتوبة بخط أنيق تقول
عزيزي دانيال
الرجل الذي ساعدته ذات يوم أصبح الآن يدير عدة متاجر في أنحاء البلاد.
لا أرسل هذا لأرد الجميل لأنك لم تطلب شيئا
بل لأذكرك أن العالم لا ينسى اللطف.
إن احتجت يوما أي شيء تذكر أن لك صديقا.
إيثان كول.
وبجانب الرسالة داخل قطعة من المخمل كان هناك سوار فضي صغير منقوش عليه ثلاث كلمات
Hope. Faith. Return. الأمل. الإيمان. العودة.
ابتسم دانيال والدموع تملأ عينيه ثم نادى
ليلي! تعالي شوفي ما وصل!
ركضت نحوه تتأرجح القلادة على صدرها.
هل هو من الرجل الطيب
أجابها بابتسامة
نعم من رجل لم ينس أبدا.
ثم حملها
بين ذراعيه يسمع نبضها الصغير إيقاع الحب والامتنان والإيمان بأن فعلا صغيرا من اللطف يمكن أن يتردد صداه إلى الأبد.