حكم عليه بالمؤبد لقتل عائلته، لكن ظهرت حقائق صادمة غير كل شيء!
في مدينة "دنيدن" الهادئة بجنوب نيوزيلندا، كان شارع "إيفري بروك" يضم منزلاً غريب الأطوار. المنزل رقم 65 لم يكن مجرد بناء قديم، بل كان يعكس تدهور عائلة "بين". روبن بين، الأب الذي كان يعمل مدرساً، كان يعيش في "كرفان" (مقطورة) متهالك في حديقة المنزل، بينما تعيش زوجته مارغريت وأبناؤهما الأربعة داخل المنزل الذي كان يفتقر لأدنى مستويات التنظيم والنظافة.
كانت الأجواء داخل العائلة مشحونة بالتوتر المكتوم. الأم مارغريت كانت غارقة في معتقدات دينية غريبة، والأب روبن كان في حالة عزلة وانكسار نفسي، أما الأبناء فكانوا يحاولون شق طريقهم وسط هذا الشتات. ديفيد (22 عاماً)، الابن الأكبر، كان يدرس الموسيقى ويعمل في توصيل الصحف فجراً ليساعد نفسه.
في ذلك الصباح البارد، استيقظ ديفيد في الساعة 5:45 فجراً. ارتدى ملابسه، وركب دراجته الهوائية ليبدأ جولته اليومية لتوزيع الصحف. كانت الشوارع خالية تماماً إلا من صوت أنفاسه المرتجفة من الصقيع.
بينما كان ديفيد في الخارج، كان هناك "شبح" يتحرك داخل المنزل ببندقية "ماغنوم .22" مزودة بكاتم صوت يدوي الصنع.
البداية: دخل القاتل إلى غرفة الأم "مارغريت"، وأطلق رصاصة واحدة على جبينها وهي نائمة. لم تشعر بشيء.
المجزرة المستمرة: انتقل القاتل إلى غرف الفتيات؛ "أروينجا" (11 عاماً) و"لانيت" (18 عاماً). قُتلتا في سريريهما بصمت رهيب.
المواجهة الكبرى: عندما وصل القاتل إلى غرفة "ستيفن" (14 عاماً)، لم يكن الصبي نائماً تماماً أو ربما استيقظ على صوت ما. وقع صراع عنيف. وُجدت دماء ستيفن على الجدران والأرضية، وحاول الدفاع عن نفسه بيديه، لكن في النهاية، حسمت الرصاصة الموقف.
النهاية
الساعة 6:45 صباحاً: عاد ديفيد للمنزل. زعم لاحقاً أنه غسل ملابسه (لأنه كان يظن أنها اتسخت من الجولة) ثم بدأ يكتشف الجثث. الساعة 7:09 صباحاً: اتصل بالشرطة. كلمات ديفيد كانت مشتتة، يصرخ ويبكي، ويقول إن الجميع ماتوا.
لم يستغرق الأمر طويلاً حتى وضعت الشرطة "الكلبشات" في يد ديفيد. لماذا؟ لأن الأدلة كانت تبدو "دامغة" لعين المحقق التقليدي:
البصمات: البندقية كانت ملكاً لديفيد، والبصمات الوحيدة عليها كانت بصماته. لم تكن هناك بصمات للأب "روبن" رغم أنه وُجد منتحراً بها!
النظارة: وُجدت "عدسة" في غرفة ستيفن (مكان الصراع) و"إطار" في غرفة ديفيد. كان هذا الدليل هو المسمار الأخير في نعش براءته في المحاكمة الأولى.
الدافع المالي: روجت الصحافة والادعاء لقصة أن ديفيد قتل عائلته ليرث مبلغ التأمين والمدخرات التي كانت مخصصة لبناء منزل جديد، هرباً من الفقر الذي يعيشون فيه.
في عام 1995، حُكم على ديفيد بالسجن مدى الحياة. المجتمع النيوزيلندي بصق على صورته، واعتبروه "شيطاناً" قتل أهله بدم بارد ليشتري حياة جديدة.
هنا تظهر الشخصية الأكثر إثارة للإعجاب في القصة: جوزيف كرام. جو لم يكن محامياً، بل كان بطلاً سابقاً في رياضة "الراغبي" ورجل أعمال ناجح. قرأ عن القضية، وشعر بأن هناك شيئاً "غير منطقي". زار ديفيد في السجن عام 1996، وقال لاحقاً: "رأيت في عينيه حزناً لا يملكه قاتل".
كرس جو كرام الـ 13 عاماً التالية من حياته لهدف واحد: براءة ديفيد.
باع بيوته وسياراته ليمول التحقيقات.
سافر
تعرض للهجوم والسخرية من الرأي العام، واتهموه بأنه يدافع عن قاتل من أجل الشهرة. لكن جو كان يملك "سلاحاً" سرياً: العلم والمنطق التقني.
وهو الجزء الأكثر عبقرية في الدفاع. في مسرح الجريمة، وُجدت رسالة على شاشة الكمبيوتر تقول: "آسف، أنت الوحيد الذي استحق البقاء". الشرطة قالت: "ديفيد كتبها بعد المجزرة ليورط والده". جو كرام أحضر خبراء في أنظمة التشغيل القديمة لفحص ملفات "النظام" (System Logs).
الاكتشاف المذهل: الكمبيوتر من نوع قديم يعمل بنظام "Windows 3.1". الخبراء استطاعوا تحديد وقت تشغيل الجهاز (Boot-up time) ووقت حفظ الرسالة بدقة متناهية.
الجهاز تم تشغيله في الساعة 6:44 صباحاً.
ديفيد في هذا الوقت بالتحديد كان يوزع الصحف، وهناك شهود رأوه في شارع بعيد في الساعة 6:45 صباحاً.
النتيجة المنطقية: لا يمكن لشخص أن يكون في مكانين في وقت واحد. إذاً، الشخص الذي كان داخل المنزل وقام بتشغيل الكمبيوتر وكتابة الرسالة هو الأب روبن بين. هذا الدليل نسف فكرة أن ديفيد خطط للمجزرة ولفقها لوالده.
في عام 2007، وبفضل ضغط "جو كرام"، أُلغيت الإدانة وأمرت المحكمة بإعادة المحاكمة. وفي عام 2009، ظهرت أدلة إضافية لم تُعرض بوضوح من قبل:
المسافات والدم: أثبت الخبراء أن ديفيد لو كان هو القاتل، لكان ملطخاً بالدماء من رأسه إلى قدميه بسبب صراعه مع "ستيفن"، لكن ديفيد عندما اتصل بالشرطة بعد دقائق قليلة من الوقت المفترض للجريمة، لم يكن عليه أثر دماء سوى بقع صغيرة جداً فسرها الدفاع بأنها "رذاذ" سقط عليه أثناء محاولته فحص نبض إخوته.
حالة الأب النفسية: قُدمت
شهادات
البصمات المفقودة: فسر الدفاع غياب بصمات الأب عن البندقية بأن الأب استخدم "قفازات" (وُجدت في مسرح الجريمة) ثم نزعها قبل أن يطلق النار على نفسه.
الفصل السابع: لحظة النطق بالحكم.. صمت القاعة
في يونيو 2009، وقف ديفيد بين أمام القاضي. كانت نيوزيلندا كلها تشاهد عبر التلفاز. عندما نطق المحلفون بكلمة "Not Guilty" (غير مذنب)، سقط ديفيد على ركبتيه باكياً.
لكن الانتصار لم يكن كاملاً. المجتمع ظل منقسماً. الحكومة رفضت تعويضه في البداية قائلة: "براءتك هي بسبب نقص الأدلة، وليست لأنك بريء يقيناً". وهو موقف قانوني غريب أثار غضب المدافعين عن حقوق الإنسان.
الفصل الثامن: ماذا حدث بعد ذلك؟
ديفيد بين: غير اسمه، وتزوج، وحاول بناء حياة بعيدة عن الأضواء. حصل في النهاية على تعويض يقترب من المليون دولار، وهو مبلغ اعتبره "جو كرام" إهانة مقارنة بـ 13 عاماً ضاعت من عمر الشاب.
جو كرام: يُعتبر اليوم في نيوزيلندا "أسطورة". الرجل الذي لم يكل ولم يمل، والذي أثبت أن القضاء قد يخطئ، وأن "الحقيقة" تحتاج أحياناً لشخص واحد يصدقها ليخرجها للنور.
الخاتمة: العبرة من القصة
قصة عائلة بين ليست مجرد جريمة قتل، بل هي تحذير من "التحيز التأكيدي" لدى الشرطة. المحققون قرروا منذ اليوم الأول أن ديفيد هو القاتل، وبحثوا عن أدلة تدعمه وتجاهلوا كل ما يخالفه.
لولا "جو كرام"، ولولا ذلك السجل الصغير في ملفات نظام الكمبيوتر الذي أثبت
وجود