ولادي رموني في صالة مطار القاهرة
ولادي رموني في صالة مطار القاهرة من غير مليم ولا تليفون ولا تذكرة روح.. ومكنتش أعرف إن دمعتي اللي نزلت على أرض المطار هتمسحها إيد راجل غريب، وهيخليهم يبوسوا التراب عشان أسامحهم ويترجوني أرجع لهم!
أنا مش قادرة أمثل أكتر من كدة يا تامر.. أمك بتتعامل معانا كأننا مديونين ليها بعمرنا!
وقفت مكاني متسمرة جوة الأوضة وأنا بلم هدومي في الشنطة الصغيرة، وبسمع صوت بنتي بسنت جاي من الصالة بنبرة كلها جفاء وقسوة. تامر ابني رد عليها بزهق كلها كام ساعة يا بسنت والطيارة بتاعتها تطلع ونخلص. بسنت ضحكت ببرود وقالت والله الكام ساعة دول كتير أوي عليا!
أنا اسمي رضوى، عندي ٦٠ سنة، وطول عمري كنت فاكرة إن الأم تقدر تستحمل طوب الأرض وتعدي في الحديد عشان خاطر ولادها يكببروا ويكونوا بخير، بس طلعت مغفلة! أنا اترملت وأنا عندي ٣٢ سنة، غسلت بيوت، ومسحت سلالم، وبعت أكل بيتي، وفصلت هدوم بالليل عشان هما يلبسوا نضيف ويروحوا مدارس وجامعات، ودلوقتي بقيت حمل تقيل عاوزين يخلصوا منه! تامر وصلني المطار في سكوت تام،
نزل الشنطة على الرصيف وقال بنشفان توصل بالسلامة يا أمي. لقيته ركب عربيته وقفل الباب وجري وسط الزحمة من غير ما يلتفت وراه!
دخلت صالة المطار ووقفت قدام موظفة حجز التذاكر، اديتها الباسبور،
قعدت على الأرض في ركن جمب الإزاز الكبير، وعيطت قهر وعياط عمري ما عيطته حتى يوم ما جوزهم مات وسابني.. الناس كانت بتعدي من قدامي كأني هوا، ست عجوزة مكسورة وملهاش ضهر في بلد بقت غريبة عليها. مكنتش عارفة فات قد إيه، لحد ما سمعت صوت راجل
وقور بيقول بحنية يا أمي.. إنتي كويسة؟ محتاجة مساعدة؟ رفعت راسي ولقيت راجل طول بعرض، شعره أبيض ولابس بدلة شيك جداً، ملامحه هادية وعينيه فيها طيبة تداوي الجرح، باين عليه ابن ناس أوي ومن أكابر البلد، اسمه الحاج جلال.
مسحت دموعي بسرعة وبتلقائية الحمد لله يا ابني، أنا بخير. بص لشنطتي ولدموعي ولشباك التذاكر وقال بصوت واطي لأ يا أمي، إنتي مش بخير.. وأنا شوفت ولادك وهما بيرموكِ
بصيت له بخوف واستغراب وأنت هتعمل معايا كل ده ليه؟ طالب مني إيه؟ ابتسم بهدوء وقال مش طالب حاجة غير ثواب ربنا.. ولأني عارف الوجع لما بني آدم يترمى كأنه ملوش
قيمة.. ولو وثقتي فيا، ولادك دول هيندموا ندم عمرهم على اللي عملوه في حقك الليلة دي! مكنتش عارفة أنا وافقت من التعب ولا من الخوف، بس بعد ٢٠ دقيقة كنت قاعدة في الكنبة الورا ل عربية مرسيدس سودة متجهة لقصر كبير في التجمع، ومكنتش أعرف إن طيبة الراجل الغريب ده هتقلب حياتي رأساً على عقب! ومكنش ولادي يتخيلوا إن الأم اللي رموها في المطار، هتكون هي الشخص الوحيد اللي هيجروا وراه ويتمنوا بس رضاها!
يا ترى الحاج جلال اللي طلع رجل أعمال وملياردير كبير مجهز إيه لولاد رضوى عشان يديهم درس العمر؟ وإيه المفاجأة اللي هتحصل في القصر وهتخلي تامر وبسنت يتصدموا لما يشوفوا
رضوى كانت قاعدة في عربية الحاج جلال وهي ضامة شنطتها لصدرها كأنها آخر حاجة فاضلة لها من الدنيا. شوارع القاهرة كانت بتجري برا الإزاز، وهي حاسة إنها خرجت من عمر كامل ودخلت عمر تاني مش فاهماله ملامح.
وصلوا القصر.
بوابة حديد ضخمة اتفتحت
ببطء، وجنينةواسعة كلها نور وشجر ياسمين، وخدم واقفين باحترام. رضوى اتوترت ونزلت من العربية وهي تبص حواليها بخوف يا ساتر يا رب أنا عمري ما دخلت مكان زي ده.
الحاج جلال ابتسم بهدوء البيت منور بأهله يا أم تامر.
الكلمة كسرت قلبها.
أهله هي اللي ولادها رموها في المطار زي الشنطة القديمة.
في الليلة دي، رضوى نامت في أوضة أكبر من الشقة اللي ربت فيها ولادها.
لكنها معرفتش تنام.
كل ما تغمض عينها تشوف تامر وهو سايبها وبيجري بالعربية.
وتفتكر بسنت وهي بتقول الكام ساعة دول كتير عليا.
فضلت تعيط بصمت لحد الفجر.
وفي الصبح
الحاج جلال كان قاعد مستنيها على السفرة.
قال لها بهدوء أنا سألت عنك.
رضوى ارتبكت سألت عني؟
طلع ملف من الجلد الأسود وحطه قدامها.
جوزك الله يرحمه الحاج فؤاد.
شهقت إنت تعرف فؤاد؟!
هز راسه كان صاحبي.
رضوى اتجمدت.
الحاج جلال فتح