في عيد ميلادي الثالث والستين، همس ابني أمام الكعكة
المحتويات
أن الكارثة الحقيقية لم تكن الديون.
ولا القمار.
ولا العقود.
بل السنوات التي عشناها تحت سقف واحد
دون أن يعرف أحدنا ما الذي يتحطم داخل الآخر بصمت.
ظلّ أذان المغرب يتردد داخل البيت
صوتٌ هادئ.
لكنّه كان يمرّ فوق قلوبنا كالسكاكين.
لم يتحرك أحد.
حتى الأطفال جلسوا بصمتٍ غريب، وكأنهم شعروا أن شيئًا أكبر من قدرتهم على الفهم قد انكسر أمامهم.
كان سيف ما يزال مطأطئ الرأس.
ويداه ترتجفان فوق الطاولة.
أما زهراء
فكانت تبكي بصمت وهي تحدّق في أوراق الديون كأنها ترى حياتها كلها تغرق أمامها.
أطفأتُ استكانة الشاي بيدي دون قصد.
فانتشرت رائحة الهيل المحروق في الجو.
الرائحة نفسها
التي كانت أمينة تكرهها.
قالت لي مرة
ريحة الهيل المحروق تشبه البيوت الحزينة.
ولأول مرة
فهمتُ ما كانت تعنيه.
رفع فاضل الملف ببطء.
ثم قال بهدوء ثقيل
يا حاج
ما زال أمامنا وقت قبل أن تتحول المسألة إلى قضية رسمية.
لم أجب.
كنت أنظر فقط إلى ابني.
إلى ذلك الرجل المنهار أمامي
وأحاول عبثًا أن أجد الطفل الذي كان يركض
خلفي في الورشة وهو يضحك.
لكنني لم أجده.
قالت زهراء فجأة بصوت متقطع
منذ متى؟
لم يرفع سيف رأسه.
منذ سنة تقريبًا.
شهقت وهي تنظر إليه بصدمة.
سنة كاملة؟!
أجاب بصوت خافت
في البداية كانت مجرد مباريات.
رهانات صغيرة مع الأصدقاء.
ثم ابتسم ابتسامة ميتة وأضاف
وبعد أول مرة ربحت فيها
ظننت أن الله فتحها بوجهي.
ضحك بمرارة.
وبعد أول خسارة
ظننت أنني سأعوّض.
ثم خسرت أكثر.
ثم أكثر.
ثم بدأت أستدين.
سقطت دموع
وأموال المدرسة؟
أخفض رأسه أكثر.
ذهبت.
ومدخراتنا؟
ذهبت أيضًا.
وضعت يدها فوق فمها حتى لا تصرخ أمام الأطفال.
أما أنا
فكنت أشعر أن كل كلمة تخرج من فمه تسحب عمرًا كاملًا من صدري.
قال فاضل وهو يقلب الأوراق
بعض القروض كانت باسمك الشخصي.
لكن هناك طلبات أخرى كانت تحتاج نقل ملكية الورشة أولًا.
ثم رفع إحدى الأوراق.
وهنا كانت المشكلة.
نظر سيف إلى الورقة بصمت.
فأكمل فاضل
لو حصلت على التوكيل الأخير
كان بإمكانك قانونيًا البدء بإجراءات البيع أو الرهن.
قال سيف فجأة بعصبية
لم أكن سأتركه في الشارع!
صرخت زهراء
لكنك كنت ستبيع كل شيء!
ارتفع صوتها للمرة الأولى.
حتى الأطفال ارتعبوا.
اقتربت رقية من أمها بسرعة وهي تبكي.
أما آدم
فاختبأ خلف كرسيي.
نظرت إلى حفيدي الصغير.
كان يرتجف.
فشعرت بشيء ينهار داخلي للمرة الأخيرة.
لأن الأطفال
لا يجب أن يروا آباءهم بهذه الصورة.
ولا يجب أن يتعلموا الخوف
داخل بيت العائلة.
وقفت ببطء.
فالتفت الجميع نحوي.
قلت بهدوء
خذوا الأطفال إلى الغرفة الأخرى.
تحركت زهراء فورًا.
لكن رقية بقيت واقفة مكانها.
وعيناها معلقتان بوالدها.
ثم سألت بصوت مرتجف
بابا
هل أنت لص؟
أغمض سيف عينيه فورًا.
وكأن السؤال طعنه مباشرة في قلبه.
أما زهراء
فأجهشت بالبكاء.
اقتربت من ابنتها بسرعة واحتضنتها.
لا تقولي هذا يا ابنتي
لكن الطفلة بكت أكثر.
لكنه أراد أن يأخذ بيت جدي
لم أعرف ماذا أقول.
ولا سيف عرف.
لأن الحقيقة أحيانًا تكون قاسية إلى درجة أن الأطفال وحدهم
أخذت زهراء الطفلين إلى الداخل.
وبقي الرجال وحدهم حول السفرة.
أنا.
وسيف.
وفاضل.
وأبو علي.
وجاسم.
وصوت الملاعق الباردة فوق الصحون الممتلئة التي لم يعد أحد يريد لمسها.
قال أبو علي بهدوء
تعرف يا سيف
أبوك لم يترك يومًا راتب عامل يتأخر.
رفع سيف رأسه بصمت.
فأكمل
حتى أيام الحصار
كان يبيع ذهب أمك حتى يدفع للعمال.
ابتلع سيف ريقه بصعوبة.
أما جاسم فقال
كنا نعتبر الورشة بيتنا.
ولذلك حين رأيناك تدخل ليلًا وتصور العقود
خفنا على الحاج أكثر من خوفنا على أنفسنا.
خفض سيف رأسه مرة أخرى.
وقال بصوت مكسور
كنت خائفًا.
ساد الصمت.
ثم أكمل
كل يوم كنت أصحو وأنا أفكر كيف سأدفع.
كيف سأهرب.
كيف سأمنع الفضيحة.
ثم نظر نحوي مباشرة.
وفي النهاية
بدأت أرى موتك حلًا.
شعرتُ وكأن شيئًا باردًا انغرس في صدري.
لكنني لم أصرخ.
لأنني كنت متعبًا جدًا.
متعبًا بطريقة لا تصنعها الخيانة وحدها
بل تصنعها السنوات.
سنوات الصمت.
والتعب.
والأبوة التي تظن أنها تكفي لمجرد أنك تؤمّن المال والطعام.
جلست ببطء فوق الكرسي.
ثم قلت
هل تعرف ما أكبر خطأ ارتكبته أنا؟
رفع الجميع عيونهم نحوي.
حتى فاضل.
قلت وأنا أحدق في استكانة الشاي
ظننت أن البيت يُبنى بالمال فقط.
ساد الصمت.
ثم أكملت
كنت أعمل طوال الوقت.
أعود متعبًا.
أصرخ أحيانًا.
أنام أحيانًا دون أن أسأل ماذا يحدث داخل قلوبكم.
رفعت عيني نحو سيف.
وحين كبرت
وجدت نفسك رجلًا لا يعرف كيف يتكلم معي إلا عن المال.
بدأت دموع سيف تنزل بصمت.
أما
فكنت أشعر أن أمينة تسمعنا الآن من مكان بعيد.
كانت دائمًا تقول
الرجال في بلادنا يتعلمون كيف يعملون
لكن لا أحد يعلمهم كيف يحبون أبناءهم بالكلام.
قال سيف بصوت مخنوق
كنت أخاف منك يا أبي.
ابتسمتُ بحزن.
وأنا كنت أظن أن الخوف احترام.
ارتجفت شفتاه.
ثم قال
كل مرة كنت أحاول أن أفتح معك موضوعًا
كنت تنهيه بكلمة واحدة.
لاحقًا.
تنهدت طويلًا.
لأنني تذكرت.
تذكرت عشرات المرات التي دخل فيها عليّ الورشة يريد الحديث
وأنا أطلب منه الانتظار.
تذكرت أمينة وهي تقول لي
سيأتي يوم لا يعرف ابنك كيف يتكلم معك.
ويبدو أن ذلك اليوم جاء فعلًا.
لكن رغم كل شيء
لم تكن الجروح القديمة مبررًا لما فعله.
قلت بهدوء
تقصيري لا يعطيك الحق أن تدفنني حيًا.
انهار سيف باكيًا.
ولأول مرة منذ سنوات
سمعت صوت بكاء ابني الحقيقي.
ليس صوت الرجل الغاضب.
ولا المقامر.
ولا الطامع.
بل ذلك الطفل القديم الذي ضاع بيننا منذ زمن.
رفع فاضل الملف بهدوء وقال
الحل الآن واضح.
نظرنا إليه.
يتم إيقاف كل
صلاحيات سيف المالية.
وتُراجع الديون قانونيًا.
وأي محاولة جديدة للتصرف بأملاك الحاج ستتحول فورًا إلى قضية رسمية.
ثم نظر إلى سيف بصرامة.
وهذه ليست تهديدات.
هذه إجراءات حقيقية.
هز سيف رأسه بصمت.
ثم أخرج مفاتيح الورشة من جيبه.
نظر إليها طويلًا.
وكأنه يودّع جزءًا من حياته.
ثم وضعها أمامي فوق الطاولة.
الصوت المعدني الصغير
كان أشبه بصوت جنازة.
قال بصوت مكسور
سامحني يا أبي.
أغلقت عيني للحظة.
لكنني لم أستطع الرد بسرعة.
لأن
وفي الداخل
كانت زهراء تقرأ القرآن بصوت منخفض للأطفال.
وصوتها المرتجف
يصل إلينا من خلف الباب.
فشعرتُ بشيء يخنقني.
هذا البيت الذي بنيته حجرًا حجرًا
كيف تحوّل
متابعة القراءة