سيبت ابني الرضيع
وقعدت أبص للحيطة كأن حكمي مكتوب عليها.
ابني كان بيعيط عشاني.
عشان حاجة مني.
عشان حتة حب أنا سيبتها ورايا فاكرة إنها مش كفاية.
وافتكرت صوابعه.
صغيرة جدًا.
وإزاي أول ما اتولد مسك صباعي كأنه عارفني من قبل الدنيا.
كأنه بيقولي
ما تمشيش.
قمت بسرعة لدرجة إني كنت هقع.
الرجل الصناعية خبطت في الترابيزة.
الوجع طلع لحد وركي.
بس ماوقفتش.
خدت
شنطتي والمفاتيح والبطانية الزرقا التانية.
وسقت للمستشفى وأنا عيني مورمة، بدعي عند كل إشارة حمرا زي بنت صغيرة خايفة.
يارب لو لسه يسمحولي أشوفه لو مش متأخر
دخلت من باب الطوارئ.
نفس الباب.
نفس ريحة المطهر.
نفس الطرقة اللي مشيت فيها من 3 أيام وأنا بعمل نفسي قوية مع إني كنت بهرب.
الممرضة كارمن شافتني من بعيد.
ما ابتسمتش.
ما وبختنيش.
بس بصتلي بنفس نظرة حد شاف واحد راجع من جهنم.
هو جوه.
رجلي كانت بتترعش.
اللي من لحم.
واللي من معدن.
مشيت ببطء.
كل خطوة كانت أهون من الذنب.
دخلت الحضانة.
وشفته.
آدم كان صاحي.
ملفوف في بطانيتي.
وعينيه الصغيرة الضيقة تايهة وسط النور الأبيض والأصوات الغريبة.
إيده مفتوحة.
كأنه مستني.
قربت من السرير وحسيت صدري بيتكسر.
حبيبي
شفايفه اتحركت حركة صغيرة.
بس
مديت إيدي وأنا بترعش.
صباعه لمس إبهامي.
وقبل حتى ما ألحق أقول أنا آسفة
ظهرت الأخصائية الاجتماعية ورايا، ماسكة ملف أحمر.
وقالت بجدية
مدام رنا لازم نتكلم قبل ما تلمسي الطفل.
التفتُّ للأخصائية الاجتماعية، الأستاذة عالية الشربيني، ودموعي نازلة على وشي بغزارة، بس عيني كانت حادة وثابتة كالسيف. البطانية الزرقا
التانية لصدري، ووقفت بكامل طولي مستندة على رجلي الصناعية بكل قوة، وبصيت للملف الأحمر اللي في إيدها وقلت بنبرة حسم عمري ما طلعت من بوقي
قبل كدة
مريم بثبات وقار أنا مفيش كلام بيني وبينك يا فندم قبل ما أخد ابني ! أنا مضيت ورق تنازل من ٣ أيام تحت تأثير صدمة نفسية وخوف، والورق ده لسه مدخلش حيز التنفيذ القانوني ولا صدر بيه قرار من محكمة الأسرة، يعني أنا لسه أمه القانونية والشرعية بالمليم، ومحدش له سلطة يمنعني ألمس حتة من لحمي!
الممرضة كارمن ابتسمت في السر من ورا الكمامة بتاعتها، والأخصائية عالية وشها اتقفل واتنهدت بتأثر، وفتحت الملف وقالت بصوت هادي غير كل توقعاتي
الأخصائية عالية مدام رنا.. أنا مش جاية أمنعك، أنا كنت واقفة ورا الشباك وشفت إزاي آدم مسك صباعك وأول ما سمع صوتك ضربات قلبه
حالا قبل الساعة ١٢ الضهر عشان نقفل الملف ده للأبد.. وبصراحة؟ أنا فخورة بيكي كأم حاربت خوفها ورجعت لدمها.
مسكتُ القلم الفضي بإيدين ثابتة مش بترعش، ومضيت على ورق إلغاء التنازل، وقطعت الورق القديم ميت حتة ورميته في الزبالة. وفي ثانية واحدة، انحنيت وشلت آدم الصغير من السرير الأبيض، ولفيته بالبطانية الزرقا التانية،
أول ما ريحة لبنه ومستشفاه خبطت في نفسي، حسيت إن رجلي المعدن دي بقت أقوى من ميت راجل، وإن العجز مكنش في جسمي.. العجز كان في عقلي لما سمحت لكلام الناس ونظرات الشفقة تكسرني! آدم بملامحه الجميلة المميزة وبطانيته الزرقا بقى هو التاج اللي هلف بيه الدنيا وراسي فوق السحاب.
خرجتُ من باب المستشفى وأنا شايلاه، المطر كان خف تماماً، وشمس مايو
٢٠٢٦ الدافية والمنورة بدأت تطلع وتغسل الرصيف. ركبت عربيتي المجهزة، وسقت لبيتي وأنا مبتسمة من كل قلبي ودموع الفرحة في عيني.
أول ما دخلت الأوضة اللي فيها النجوم بتلف، ولعت الأنوار كلها. شيلت علبة الكورن فليكس من الزبالة ونضفتها وحطيتها في نص الرف جنب الدبدوب
بعد مرور عام كامل على تلك الليلة التاريخية الموعودة في مايو ٢٠٢٦..
البيت الصغير بقى مالي الدنيا ضحك وفرحة ملوش حدود. آدم كبر وبقى عنده سنة، وبقى يزحف على الأرض ويطلع له سنتين صغار ويضحك من قلبه أول ما يشوفني داخلة الأوضة. أنا رجعت لشغلي كمهندسة ديكور، وأسست مؤسسة خيرية
خاصة بدعم الأمهات من ذوي الهمم وأطفال متلازمة داون باسم مؤسسة ملاك آدم للأمومة الشجاعة، وبقيت بيكسب ملايين بالحق والنظافة وراسي فوق السحاب.
أمي وأختي وجارتي اللي كنت بقفل الباب في وشهم زمان، بقوا قاعدين معايا في الصالة بيشربوا القهوة، وآدم بيتحرك في بالبطانية الزرقا القديمة اللي بقت رمز شرفنا وجبر خاطرنا.
قعدت في التراس ببص للزرع والنور، ابني وبست راسه بحنية وقلت الحمد لله.
اتعلمت رنا إن الأمومة مش بجسم سليم أو ملامح عادية؛ الأمومة بقلب شجاع مبيعرفش يستسلم، والست اللي بتصون ابنها وبتحارب خوفها عشان خاطر حتة من دمها، ربنا سبحانه وتعالى بيديها القوة والذكاء ويفتح لها أبواب الرحمة والنور عشان تعيش
تمت.