لما تكوني خلاص
حوالينهم
وكأن فيه مكان تاني بيتولد تحت الأرض في نفس القبر في نفس اللحظةالشق اتسع فجأة كأنه اتفتح من جوه مش من برّه.
تراب المدفن اتسحب لداخل الظلام بشكل غريب، كأن الأرض نفسها بتبلع اللي فوقها بدل ما تخرجه.
المسعف رجع لورا وهو بيهتف
اقفلوا أي حاجة! المكان ده بيهبط!
لكن مفيش حاجة اتقفلت بالعكس، النعش بدأ يميل ناحية الشق.
الظابط صرخ في المساعدين امسكوه!
اتنين حاولوا يشدوا النعش لكن الخشب تقيل بشكل غير طبيعي، كأنه اتشحن بوزن الأرض كلها.
وفجأة
صوت تحت الأرض اتغير.
بقى أقرب.
وبقى أوضح.
ماما
بس المرة دي، الكلمة اتقالت مرتين فوق بعض بصوتين مختلفين تمامًا.
واحد طفل صغير.
والتاني أعمق فيه صدى غريب، كأنه جاي من مكان واسع ومقفول في نفس الوقت.
المسعف همس وهو بيبص للظابط
فيه اتنين تحت
طارق مسك راسه ده مستحيل نادية حامل في واحد!
لكن قبل ما يكمل جملته
التراب اتفجر مرة واحدة.
مش انفجار صوت لكن حركة.
الأرض تحت النعش انفتحت شوية أكتر، وطلع منها هواء بارد قوي خلى كل اللي واقفين يترعشوا.
ومن جوه الظلام
بانت حاجة.
مش شكل كامل.
بس ظلين صغيرين بيتحركوا.
واحد أقرب للسطح والتاني أعمق شوية.
وكأن واحد بيطلع والتاني بيشدّه لجوه.
الظابط شد سلاحه وهو بيهتف
فيه حد تحت الأرض! حد حي!
المسعف هز راسه بعصبية
مش بالشكل ده مش بالطريقة دي
وفجأة
الصوت اتغير تاني.
بقى صراخ خفيف مكتوم كأنه جاي من جوه جدار مش من إنسان
ماما سيبيني
وبعدها مباشرة
صوت تاني رد عليه
لسه بدري
طارق وقع على ركبته وهو بيبص للظلام
إيه اللي بيحصل إيه اللي تحت نادية؟!
وفي اللحظة دي
الشق بدأ يقفل تاني.
بس قبل ما يقفل بالكامل
إيد صغيرة جدًا ظهرت للحظة من الظلام.
مش بتطلع ولا بتقع.
كانت بتلوّح.
وبعدين اختفت فجأة
والأرض رجعت تسكن.
لكن السكون ده ما كانش راحة
كان تحذير.
المسعف وقف ببطء وهو
بيبص للنعش
اللي تحت قرر ما يطلعش
الظابط بص له
يعني لسه فيه مرحلة تانية؟
المسعف رد بصوت واطي جدًا
أو لسه فيه حاجة أكبر مستنياها تحصل
وفجأة
من داخل النعش نفسه
اتسمع دق واحد قوي.
كأنه حد بيخبط من جوه الخشب
مرة واحدة
وبعدين الصمت رجع تاني بس المرة دي مختلف.
كأن المكان كله بيستنى اللي جايالصمت اللي نزل على المدافن كان تقيل لدرجة إن أي نفس بقى يتسمع كأنه صريخ.
طارق واقف مكانه، عينه مش بتتحرك من على النعش.
الظابط مِسك سلاحه بإيد ثابتة ظاهريًا لكن صوته كان أهدى من المفروض
محدش يتحرك.
المسعف كان بيبص للأرض حوالي النعش
النبض اختفى الاتنين رجعوا صفر.
طارق بص له بسرعة
يعني خلاص؟ ماتت؟
المسعف هز راسه ببطء
مش متأكد إننا كنا بنتكلم عن حياة وموت أصلاً
قبل ما حد يرد
النعش اتحرك.
مرة واحدة بس كفاية تخليه يبعد عن مكانه نص سنتي.
وبعدين اتكرر.
تكة تكة تكة
كأن حاجة جوه بتدفعه عايزة تقوم.
التراب حوالين الشق اللي تحت رجع يتحرك تاني، بس المرة دي مش بيتفتح بيتقفل بسرعة كأن فيه حاجة بتزقه من جوه تقفله غصب.
وفجأة
صوت واحد خرج من النعش واضح جدًا مش همس ولا صدى
ماما أنا فوق.
أم نادية صرخت بنتي رجعت!
لكن الظابط صرخ عليها اسكتي!
المسعف بص للنعش، ووشه اتغير
ده مش نفس الصوت اللي تحت ده اتغير.
طارق قرب خطوة، عينه بتلمع برعب وأمل في نفس الوقت
يعني يوسف؟
المسعف ما ردش.
لأن النعش بدأ يفتح من عند الرأس ببطء شديد.
مش حد بيفتحه.
الخشب نفسه بيتفك.
والهواء اللي خرج منه كان دافي بشكل غريب، عكس البرد اللي مالي المكان.
وفجأة
إيد صغيرة ظهرت من الفتحة.
بس الإيد دي
ما كانتش وحدها.
كان في إيد تانية ماسكاها من جوه بتشدها لورا.
الظابط همس
لسه فيه اتنين
المسعف رجع خطوة
واحد بيطلع وواحد مش عايزه يطلع
طارق بص للنعش، وصوته اتكسر
مين فيهم ابني؟
وفجأة
الإيد اللي فوق شدت نفسها لقدام بقوة، وسمعوا صوت واضح
لأول مرة من جوه
سيبني
الخشب اتشق.
والنعش فتح فجأة نص فتحة صغيرة
واللي جواه ما كانش طفل واحد ولا حتى اتنين بشكل مفهوم.
كان في حركة ظلين متداخلين كأن الحياة نفسها جوه النعش بتتخانق على الخروج.
وفجأة
النور رجع لحظة واحدة بس.
وفي اللحظة دي
كل اللي في المدافن شافوا حاجة خلتهم يثبتوا في مكانهم تمامًا
لكن قبل ما الصورة تكمل وضوحها
النور قطع تاني وبدأ صوت واحد عالي جدًا يملأ المكان بيقرب بسرعة من كل اتجاهالصوت اللي كان ماشي في المكان ما كانش مجرد صريخ ولا أنين كان زي نبض بيتحرك في الهواء نفسه.
دق دق دق
أسرع.
أعلى.
أقرب.
الظابط بص حوالينه بسرعة
إحنا محاصرين هنا؟!
المسعف كان باصص للنعش بس، ووشه أبيض
ده مش صوت جاي من اتجاه ده جاي من المكان كله.
طارق واقف، مش قادر يفرق بين الحقيقة والهلوسة.
وفجأة
النعش اتفتح مرة واحدة بالكامل.
الغطا وقع على الأرض بصوت ضربة جامدة.
والكل رجع خطوة لورا تلقائيًا.
لكن اللي جوه
كان ساكن.
غريب.
هدوء تام.
نادية كانت لسه في مكانها لكن ملامحها مختلفة.
مش لأن في حاجة واضحة اتغيرت لكن لأن الإحساس نفسه اتبدل.
كأنها مش هي وفي نفس الوقت هي.
المسعف همس
دي حالة توقف كامل بس الجسم لسه
قبل ما يكمل
عين نادية اتفتحت فجأة.
ببطء.
وبهدوء مرعب.
مش نظرة خوف ولا وعي كامل.
نظرة مراقبة.
بصت على طارق.
وبعدين على أمها.
وبعدين على الظابط.
وكأنها بتعدّهم.
وفجأة
بطنها اتحرك مرة أخيرة.
حركة خفيفة جدًا كأن حاجة بتقول أنا هنا لسه.
وبعدين سكت كل شيء.
الظابط شد سلاحه أكتر
إحنا هننهي ده دلوقتي. حد ينقلها فورًا.
المسعف رد بسرعة
لو شلتوها من هنا قبل ما نفهم اللي حصل ممكن
بس كلامه اتقطع.
لأن نادية قالت بصوت واطي جدًا
صوت مش مريض ولا منهك
صوت واضح بشكل مخيف
ما تنقلونيش.
الكل اتجمد.
طارق بص لها بصدمة
نادية انتي سمعاني؟
هي ما ردتش عليه مباشرة.
بس قالت جملة واحدة
تانية، أخفض
هو لسه مش خلص.
الظابط اقترب خطوة
مين اللي مش خلص؟
نادية لفّت عينيها ببطء ناحية الشق اللي تحت الأرض اللي بدأ يبان تاني خفيف جدًا
وبهدوء قالت
اللي كان تحت طلع جزء ولسه جزء تاني جاي.
المسعف رجع خطوة وهو بيهمس
يعني اللي حصل مش ولادة
وسكت لحظة.
وبعدين كمل بصوت مكسور
ده بوابة كانت بتتفتح.
وفجأة
الأرض كلها اتنفضت مرة واحدة.
مش اهتزاز.
لكن إحساس إن حاجة ضخمة اتحركت تحتهم.
والنعش رجع يقفل ببطء من نفسه
لكن قبل ما يقفل بالكامل
طلع منه صوت طفل أخير
بعيد غريب كأنه جاي من عمق أبعد من الأرض
لسه بدري
وبعدها
سكون كامل.
سكون ما فيهوش حتى نبض.
كأن المكان كله بيستنى الضربة الجاية اللي لسه ما حصلتش السكوت اللي بعد الصوت كان أقسى من أي صريخ قبل كده.
النعش فضل مفتوح، لكن مفيش حركة لا تحت الأرض ولا جواه.
نادية كانت قاعدة مكانها، عينيها مفتوحة، بس النظرة اللي فيها بدأت تهدى تدريجيًا كأن حاجة كانت ماسكاها وسيبتها.
المسعف قرب بحذر شديد، وحط الجهاز على بطنها تاني.
الخط ظهر
خط واحد.
ثم خط ضعيف جدًا.
ثم اختفى.
الظابط بص له
يعني إيه؟
المسعف رد بهدوء مرهق
كان فيه حالة نشاط غير طبيعية دلوقتي انتهت.
طارق وقف مكانه، مش قادر يصدق
يعني خلاص؟
أم نادية انهارت وهي بتبكي
بنتي رجعتلي بنتي رجعت
لكن نادية نفسها، بعد لحظة صمت، بصت لطارق وقالت بصوت ضعيف
أنا كنت سامعة كل حاجة بس مش قادرة أرد.
طارق دموعه نزلت
أنا افتكرتك رايحة مني
هي هزت راسها ببطء
أنا كنت بين حاجتين مش عارفة أخرج ولا أكمّل
الظابط بص للمسعف
هنكتب إيه في التقرير؟
المسعف سكت ثواني، وبعدين قال
هنكتب توقف حاد في العلامات الحيوية ورجوعها بشكل نادر جدًا بعد تدخل إسعافي.
سكت.
وبعدين أضاف
لكن مش هنكتب السبب الحقيقي.
الكل سكت.
لأنهم كلهم كانوا عارفين إن في حاجة حصلت بس مفيش
ورق في الدنيا
هيعرف يشرحها.
طارق مسك إيد نادية
وقال
مش مهم اللي حصل المهم
إنك هنا.
وفي اللحظة دي
من تحت التراب جنب القبر
طلع صوت خفيف جدًا شبه نفس طفل بعيد
بس المرة دي محدش رد.
ولا حد بص.
لأن كل واحد فيهم كان قرر في داخله حاجة واحدة
إن في أسرار لازم تفضل مدفونة.