رجعت من الجيش بقلم صافي هاني
المحتويات
العربية البيضا بعرض الطريق.
نزل منها أربعة رجال.
كلهم لابسين ملابس عادية.
لكن طريقة انتشارهم كانت احترافية.
واحد وقف قدامه وقال بهدوء
أستاذ طارق... معانا أمر إننا ناخد الصندوق. ولو سلمته، هتمشي من هنا أنت وابنك من غير أذى.
طارق بص للصندوق...
ثم بص للراجل.
وقال بابتسامة هادئة
الغريب إنكم كلكم بتطلبوا الصندوق...
وسكت لحظة.
...ولا واحد فيكم سألني إذا كان لسه معايا أصلًا.
الراجل اتغيرت ملامحه.
وفي اللحظة نفسها...
دوى صوت صفارة قطار قريب غطى على المكان كله.
ولما الرجال بصوا للحظة ناحية مصدر الصوت...
كان طارق اختفى بين مخازن قديمة على جانب السكة.
لكنهم ما كانوش يعرفوا...
إنه قبل ما يختفي بثوانٍ...
كان قد بدّل الصندوق بحقيبة قديمة ملقاة بجوار سور المخزن.
أما الصندوق الحقيقي...
فكان مخبأً تحت معطفه، متجهًا إلى مكان واحد فقط...
مخزن النور طارق وصل قبل المغرب بدقائق.
وقف بعيد، وبص للمبنى القديم.
اللافتة اللي كان مكتوب عليها جمعية النور الخيرية كانت مكسورة، والتراب مغطيها، والشبابيك كلها مقفولة بألواح خشب.
أي حد يشوف المكان
هيحلف إنه مقفول من سنين.
لكن طارق لاحظ حاجة.
آثار كاوتش عربية حديثة على التراب.
يعني...
في حد لسه بيدخل ويخرج من هنا.
لف من ورا المبنى.
كان فيه باب حديد صغير، عليه قفل كبير.
لكن القفل نفسه... جديد.
ابتسم.
يعني المكان مقفول... بس بيتقفل كل يوم.
طلع من جيبه سلك رفيع كان محتفظ بيه من أيام خدمته.
بعد أقل من دقيقة...
القفل فتح.
دخل بهدوء.
الجو كان مليان تراب، لكن الأرضية لا.
فيه ممر واضح، متكنس بعناية.
مشى وراه.
وصله لأوضة صغيرة كانت زمان مكتب الإدارة.
فتح الباب...
لقى مكتب خشب قديم، وخزانة ملفات، وصورة جماعية متعلقة على الحيطة.
قرب من الصورة.
كانت لمجموعة متطوعين.
وفاطمة كانت واقفة في آخر الصف.
لكن اللي شد انتباهه...
إن فيه شخص واقف جنبها، ووشه متقطع بموس.
حد تعمد يشيل ملامحه من الصورة.
طارق فك الصورة من الحيطة.
وراها مباشرة...
كان فيه مفتاح كهربا مخفي.
ضغط عليه.
سمع صوت موتور اشتغل تحت الأرض.
وبعد ثواني...
المكتبة الخشب اللي جنب المكتب اتحركت لوحدها.
ظهر سلم نازل لتحت.
نزل بحذر.
كل خطوة كانت تقربه من سر فاطمة.
وصل لقبو واسع.
لكن مش قبو عادي.
كان عبارة عن أرشيف ضخم.
أرفف معدنية مليانة صناديق.
وكل صندوق عليه رقم.
١...
٥...
١٢...
٢٧...
وقف قدام الصندوق رقم ٢٧.
طلع المفتاح النحاس.
لفه.
الصندوق اتفتح.
لكن بدل ما يلاقي دهب أو فلوس...
لقى عشرات الملفات.
كل ملف عليه اسم.
وأسماء ناس من البلد... ومن بلدات تانية.
وشهادات ميلاد.
وعقود ملكية.
وصور قديمة.
وفوق الكل...
ملف أحمر مكتوب عليه بخط فاطمة
لا تفتحه إلا إذا تأكدت إن ماما هدى كانت بتكدب.
طارق مد إيده...
وقبل ما يلمس الملف...
اشتغل جهاز تسجيل قديم كان فوق الرف.
وصوت فاطمة ملأ القبو
لو وصلت هنا يا طارق... يبقى أنت بقيت في قلب الحقيقة. لكن أوعى تحكم على أي حد قبل ما تقرأ الملف الأحمر. لأن الشخص اللي كنت فاكره بيحميني طول السنين... هو أول واحد سلمني للخطر.
طارق حس إن أنفاسه اتسارعت.
في دماغه أسماء كتير.
لكن ولا اسم كان مستعد يسمعه.
مد إيده ببطء...
وفتح الملف الأحمر...
وفي أول صفحة...
اتسعت عينه من الصدمة طارق قلب أول صفحة... ثم الثانية.
ملامحه ما اتحركتش.
لكن إيده اللي كانت ماسكة الملف شدت عليه بقوة.
الصفحة الأولى ما كانش فيها اعتراف.
كان فيها تقرير قديم.
تاريخه يرجع لأكتر من عشرين سنة.
وفي آخره جملة مكتوبة بالقلم الأحمر
تم إخفاء الطفل حفاظًا على الأمانة، ويُمنع تسجيل اسمه الحقيقي في أي سجل مدني.
طارق عقد حاجبيه.
طفل؟
قلب الصفحة اللي بعدها.
لقى خريطة قديمة للبلد، وعليها دوائر حوالين كذا بيت.
واحد من البيوت...
كان بيته هو.
وبيت تاني...
كان بيت عم جابر.
وفي آخر الصفحة، بخط فاطمة
الأمانة مش شيء... الأمانة شخص. وكل اللي حصل كان علشان يوصلوا له.
طارق وقف مكانه.
بدأت قطع البازل تتركب.
كل اللي كان بيدور على الصندوق...
والمفتاح...
والخاتم...
ما كانش هدفه أوراق ولا فلوس.
كانوا بيدوروا على هوية شخص.
وفجأة...
افتكر أول سؤال سأله أول ما دخل البيت
ابني فين؟
ساعتها أمه ردت بسرعة جدًا...
كأنها كانت مستعدة للإجابة قبل حتى ما يسأل.
رجع بعقله لكل كلمة قالتها.
وكل حركة عملتها.
وخفق قلبه بقوة.
همس لنفسه
يا ترى... هم كانوا مستنيين رجوعي... ولا كانوا مستنيين آخد ابني وأسلّمه لهم من غير ما أعرف؟
قبل ما يكمل قراءة الملف...
اتسمع صوت إنذار خافت في القبو.
ثم صوت آلي خرج من سماعة صغيرة
تم فتح الملف رقم 27... بدأ العد التنازلي.
طارق رفع رأسه بسرعة.
بص حواليه.
على الحائط المقابل كانت شاشة صغيرة اشتغلت لوحدها.
ظهر عليها رقم أحمر
1000
وبدأ ينزل...
0959
0958
وفي نفس اللحظة...
رن هاتفه.
رد بسرعة.
جاله صوت مبحوح مليان خوف
يا طارق... خد ابنك واهرب حالًا... هم عرفوا إنك وصلت للملف.
طارق سأل بحدة
إنت مين؟
الرد خلا الدم يتجمد في عروقه.
أنا... فاطمة.
ثم انقطع الخط طارق فضل باصص للموبايل.
الشاشة
لكن الاسم...
رقم غير معروف.
قلبه قال له مستحيل.
وعقله قال له فيه تفسير.
فاطمة ماتت...
هو بنفسه شافها.
يبقى مين اللي
اتكلم؟
بص للشاشة اللي قدامه.
العداد وصل إلى
0841
ماكانش عنده رفاهية التفكير.
فتح الملف بسرعة.
في أول ظرف داخله، لقى ورقة بعنوان
تعليمات الطوارئ.
فتحها.
كان مكتوب بخط فاطمة
لو النظام اشتغل، يبقى حد فتح القبو بعدك أو راقب فتحه. متحاولش تاخد كل الملفات.
خد الملف الأصفر فقط، وسيب الباقي. الأهم إن الحقيقة تفضل عايشة، مش الورق.
دور بعينيه.
لقى ملف أصفر صغير بين عشرات الملفات.
أخده وحطه في جاكيته.
وفي اللحظة دي...
سمع صوت باب حديد القبو بيتفتح بعنف.
أصوات أكتر من شخص.
واحد منهم قال
فتشوا كل ركن... هو لسه هنا.
طارق بص حواليه.
ملقاش غير مخرج واحد.
لكن قبل ما يتحرك، لاحظ فتحة صغيرة خلف الأرفف المعدنية.
زحف من خلالها بصعوبة.
وصل لنفق ضيق جدًا.
كان واضح إنه معمول من سنين طويلة.
مشي فيه حوالي خمس دقايق.
لحد ما خرج من فتحة تحت غرفة مهجورة في طرف المبنى.
أول ما خرج...
بص ناحية جمعية النور.
بعد ثوانٍ...
دوى انفجار هز المكان.
سحابة تراب ضخمة طلعت من المبنى.
القبو كله انهار.
طارق وقف مذهول.
لو كان اتأخر دقيقة واحدة...
كان هيدفن تحت الأنقاض.
شد الملف الأصفر من جاكيته.
فتحه بسرعة.
كان جواه صورة واحدة فقط.
صورة قديمة جدًا.
فيها طفل رضيع ملفوف في بطانية بيضا.
واقف جنبه راجل وواحدة ست.
لكن وشوشهم متغطية بالحبر الأسود.
أما الطفل...
فكان في رقبته نفس السلسلة الفضية اللي علقتها فاطمة في رقبة ابنه أول ما اتولد.
خلف الصورة...
جملة واحدة بخط فاطمة
لو السلسلة لسه مع الطفل... يبقى هو لسه في أمان. لكن أول ما السلسلة تختفي... اعرف إنهم سبقوك.
طارق حط إيده على جيبه.
اتجمد.
لأنه افتكر...
إنه خرج من البيت من غير ما يبص على السلسلة اللي كانت في رقبة ابنه.
وفي اللحظة نفسها...
وصله على هاتفه إشعار بصورة مجهولة.
فتحها...
كانت صورة ابنه نائم في سريره.
لكن رقبته...
كانت فاضية طارق حس إن الدم جمد في عروقه.
فتح الصورة مرة تانية.
كبرها.
ما كانش بيدور على السلسلة...
كان بيدور على أي تفصيلة.
لاحظ إن البطانية اللي مغطية ابنه مش بطانية البيت.
والسرير نفسه مختلف.
يعني الصورة ما اتصورتش في بيته.
في اللحظة دي وصلته رسالة جديدة.
لو عايز تشوف ابنك، متبلغش الشرطة... ومتواجهش أمك دلوقتي. قدامك ساعة واحدة.
تحت الرسالة كان فيه عنوان.
المخزن القديم عند محطة القطار.
طارق
قفل الموبايل،
لكن بدل ما يروح على العنوان مباشرة، وقف دقيقة كاملة يفكر.
لو هما اللي بعتوا الرسالة... أكيد مستنيين أروح.
ابتسم ابتسامة خفيفة.
يبقى هيراقبوا الطريق.
لف من الناحية التانية، واستعار موتوسيكل من راجل كان واقف عند ورشة تصليح بعد ما عرفه بنفسه، واتجه للمحطة من طريق زراعي بعيد.
بعد نص ساعة...
وصل.
المخزن كان مهجور من بره.
لكن من جوه...
كان النور شغال.
قرب من الشباك المكسور.
سمع صوت طفل بيعيط.
قلبه دق بسرعة.
لكن قبل ما يدخل، لمح كاميرا مراقبة مخفية فوق الباب.
اتراجع خطوة.
بص حواليه.
لقى سلك الكهرباء داخل من فتحة صغيرة في الحائط.
قطع السلك.
النور كله فصل.
وفي نفس الثانية...
اتسمع صوت حد من جوه بيزعق
الكاميرات وقعت!
طارق استغل الظلام، ودخل من الباب الجانبي.
كان بيتحرك بهدوء شديد.
لحد ما وصل للأوضة اللي جاي منها صوت العياط.
فتح الباب...
لقى سرير أطفال.
وفعلاً...
كان فيه طفل.
لكن أول ما قرب...
وقف مكانه.
الطفل مش ابنه.
كان طفل تاني، تقريبًا بنفس العمر.
وجنبه جهاز تسجيل صغير.
أول ما شاله...
اشتغل لوحده.
وجاله صوت فاطمة
عارفة إن أول حاجة هتجري عليها هي صوت طفل بيعيط... ولو لقيت التسجيل ده، يبقى اعرف إنهم بيستخدموا الأطفال كطعم. متدورش على ابننا بالصوت... دور عليه بالإشارة اللي بينا.
طارق غمض عينه للحظة.
الإشارة اللي بينا...
افتكرها.
هو وفاطمة كانوا متفقين إن أي حاجة تخص ابنهما، يحطوا عليها غرزة خيط أزرق صغيرة في طرف القماش.
علامة محدش يعرفها غيرهم.
بص بسرعة للبطانية اللي على الطفل.
مافيهاش الغرزة.
يعني...
ده مش ابنه فعلًا.
وفجأة، سمع صوت باب المخزن الرئيسي بيتقفل بالمفتاح.
وصوت خطوات بتحاصره من كل الاتجاهات.
أدرك أن دخوله للمخزن كان مجرد بداية لفخ جديد... ولم يكن يعرف بعد من الذي ينتظره في الظلام طارق رجّع جهاز التسجيل مكانه بهدوء.
ما حاولش يشيل الطفل.
كان عارف إن أي حركة متهورة ممكن تعرض طفل بريء للخطر.
أطفأ شاشة موبايله، وسحب نفسًا عميقًا.
الخطوات برا كانت بتقرب.
واحد قال
اقفلوا كل المخارج.
ورد
عليه صوت تاني
خلوه يدخل لآخر الممر... متستعجلوش.
طارق بص حواليه بسرعة.
المخزن مليان صناديق خشب قديمة.
لكن في آخر الأوضة، كان فيه باب حديد صغير نصه مستخبي ورا رف.
قرب منه.
الباب كان مقفول بسلسلة.
ولما بص في القفل...
اتفاجأ إنه نفس نوع القفل اللي بيفتح بالمفتاح رقم 27.
طلع المفتاح من جيبه.
لفه.
القفل اتفتح.
فتح الباب بحذر.
وراه ممر ضيق بين الحيطان، وفي
دخلها وقفّل الباب وراه.
الأوضة كانت فاضية...
إلا من ترابيزة معدنية، وعلبة خشب، وجهاز إرسال لاسلكي قديم.
على الترابيزة ورقة مطوية.
فتحها.
كان مكتوب فيها بخط فاطمة
لو وصلت للأوضة دي، يبقى أنت نجحت تعدّي أول اختبار. من فضلك، أوعى تعتبر كل اللي بيطاردوك أعداء، لأن فيهم ناس مجبرة، وفيهم
متابعة القراءة