دخل اوضة العمليات

لمحة نيوز

والناس ماشية حواليه، لكنه كان حاسس إن كل الأصوات اختفت.
في اللحظة دي خرجت جارة ولاء من آخر الممر.
كانت شايلة شنطة صغيرة.
اقتربت منه وقالت
دي أمانة عندي من سبع شهور.
ناولته الشنطة.
فتحها...
لقى فيها علبة صغيرة، وجواها أول اختبار حمل إيجابي، وصورة أول أشعة للجنين وهو في أسابيعه الأولى.
وتحتهم ظرف آخر.
مكتوب عليه بخط ولاء
ما تفتحهش إلا لو شفت ابننا بعينك.
ماجد بص ناحية حضانة الأطفال من خلف الزجاج...
ثم بص للظرف...
وفي اللحظة اللي مد فيها إيده عشان يفتحه...
رن هاتفه مرة تانية.
المتصل هذه المرة كان اسمًا لم يتوقع أبدًا أن يراه بعد كل هذه السنوات...ماجد ثبت عينه على شاشة الهاتف.
الاسم اللي ظهر كان
الحاج عبدالرحمن.
عمه... والد ولاء.
آخر مكالمة بينهم كانت يوم الطلاق، وانتهت بصوت الباب وهو بيتقفل، ومن يومها محدش فيهم كلم التاني.
تردد لحظة، ثم رد.
السلام عليكم.
جاله صوت عمه، لكنه كان مكسورًا على غير عادته.
وعليكم السلام... ولاء عاملة إيه؟
الحمد لله... خرجت من الخطر.
سكت الرجل ثواني، ثم قال
أنا واقف تحت المستشفى... بس مش قادر أطلع.
استغرب ماجد.
ليه؟
رد عمه بصوت مليان ندم
لأني السبب في كل اللي حصل.
نزل ماجد بسرعة.
لقى عمه قاعد على كرسي عند مدخل المستشفى، وشعره بقى أبيض أكتر من آخر مرة شافه.
أول ما شافه، قام بصعوبة.
قال وهو بيطلع من جيبه ملفًا قديمًا
الملف ده احتفظت بيه سبع شهور... وكل يوم كنت أقول هقولك الحقيقة، وأرجع أخاف.
ماجد أخده وفتحه.
كان جواه نسخة من التحاليل الأصلية، وتقارير المراجعة، وخطابات من مركز التحاليل بتطلب إعادة استلام النتائج.
وفي آخر الملف، ورقة بخط عمه.
قرأها بسرعة.
أنا اللي طلبت من الدكتور ما يقولكش أي كلام غير بعد إعادة الفحوصات، لأن النتائج كانت متضاربة. كنت خايف يحصل ظلم لأي حد
فيكم. لكن بعدها حصلت الخناقة، وأنت طلقت ولاء قبل ما نلحق
نكلمك. حاولت أوصلك أكتر من مرة، لكن كنت رافض تقابل أي حد.
ماجد قفل الملف ببطء.
رفع عينه لعمه.
ليه ولاء ما قالتليش إنها حامل؟
تنهد الرجل.
قالتلي ماجد خرج من البيت وهو مقتنع إنه اتظلم، ولو جريت وراه دلوقتي هيقول إني بحاول أرجعه بالبيبي. قالت هسيبه يهدأ، ولما يرجع ويسأل بنفسه هقوله كل حاجة.
ابتسم ابتسامة حزينة.
لكن الأيام جرت... وكل واحد استنى التاني ياخد أول خطوة.
في اللحظة دي، خرجت ممرضة من باب المستشفى وهي بتنادي
دكتور ماجد! بسرعة لو سمحت.
جرى الاتنين.
أول ما وصل للدور، لقى طبيبة الأطفال واقفة قدام الحضانة.
قالت بابتسامة
مفيش داعي تقلق... البيبي كويس.
تنفس الصعداء.
لكنها كملت
بس أول ما فاق شوية، لقينا معاه حاجة ملفوفة جوه البطانية... واضح إن ولاء كانت مخبياها قبل العملية.
ناولته كيسًا صغيرًا معقمًا.
كان بداخله سلسلة فضية صغيرة، متعلقة فيها دلاية محفور عليها تاريخ.
نظر للتاريخ... فاتسعت عيناه.
كان نفس تاريخ اليوم الذي طلب فيه من ولاء الزواج، قبل سنوات.
وخلف الدلاية، كانت هناك جملة قصيرة محفورة بعناية
الوعد عمره ما كان بينتهي... حتى لو ضاع الطريق.
ماجد أغلق قبضته على الدلاية، ونظر من خلف الزجاج إلى الطفل النائم في الحضانة، بينما كانت عشرات الأسئلة ما زالت تنتظر إجاباتها... ولم يكن يعلم أن أصعب مواجهة في حياته لن تكون داخل غرفة العمليات، بل عندما تستعيد ولاء عافيتها ويجلسان لأول مرة وجهًا لوجه بعد سبعة أشهر من الصمت ماجد خرج من الغرفة بسرعة، وقفل الباب بهدوء عشان ولاء ترتاح.
في الممر، لقى راجل في الخمسينات، هدومه بسيطة، وماسك شنطة جلد قديمة.
أول ما شاف ماجد، قال
حضرتك دكتور ماجد؟
أيوه.
أنا عم سيد... صاحب العمارة اللي كانت مدام ولاء مأجرة فيها شقة.
ماجد عقد حواجبه.
فيه إيه؟
عم
سيد رفع الشنطة.
دي أمانة عندي. هي سلمتهالي بنفسها قبل ما تتنقل للمستشفى، وقالت
لو حصلها أي حاجة أسلمهالك.
ماجد أخد الشنطة.
كانت تقيلة بشكل غريب.
فتحها بحذر.
لقى جواها ملابس أطفال جديدة، ودفتر صغير، وعلبة مقفولة، ومعاهم ملف طبي.
وقبل ما يفتح أي حاجة، قال عم سيد
استنى... فيه حاجة لازم تعرفها الأول.
اتفضل.
تنهد الرجل وقال
قبل الولادة بأسبوع، حصل ماس كهربائي في الشقة بالليل. الجيران نزلوا يطمنوا عليها، لقوها واقفة في البلكونة، ورافضة تنزل غير لما تطفي الكهرباء عن العمارة كلها.
ماجد استغرب.
ليه؟
رد عم سيد
عشان كانت سامعة صوت شرز بيطلع من أوضة البيبي اللي كانت بتجهزها.
وسكت لحظة، ثم أكمل
لما دخلنا لقينا فيشة السخان سايحة، والستارة بدأت تمسك نار. لو كانت اتأخرت دقيقتين، كانت الشقة كلها اتحرقت.
ماجد بص ناحية الشنطة.
وده إيه علاقته بالأمانة؟
قال عم سيد
بعد الحادثة، قالتلي لو جرالي حاجة، سلم الشنطة دي للدكتور ماجد، لأنه لازم يعرف إن ابنه كان مستنيه من أول يوم.
فتح ماجد الدفتر.
كان عبارة عن يوميات.
في أول صفحة مكتوب
الأسبوع السادس من الحمل.
وتحتها
النهارده عرفت إني حامل. أول واحد تمنيت أقوله هو ماجد... لكن مفيش طريق أوصله بيه.
قلب الصفحة.
الأسبوع العاشر... اشتريت أول بدلة صغيرة. قلت يمكن لما يشوفها يعرف قد إيه كنت مستنياه يفرح.
وقلب صفحة تانية.
كان فيه ظرف صغير ملزوق.
فتح الظرف...
خرجت منه صورة سونار.
وخلف الصورة مكتوب بخط ولاء
كل شهر كنت بصور البيبي، وأقول أكيد الشهر الجاي هيوصل الخبر لأبوه.
ماجد كان لسه ماسك الصورة، لما رن هاتف عم سيد.
رد بسرعة، وفجأة اتغيرت ملامحه.
قفل المكالمة وبص لماجد بقلق.
دكتور... في ناس راحت الشقة بعد ما خرجنا منها.
ناس مين؟
معرفش... لكن الجيران بيقولوا إنهم بيدوروا على صندوق خشب صغير كانت ولاء مخبياه، وبيقولوا
إنه مهم جدًا.
ماجد رفع رأسه فجأة.
صندوق؟
عم سيد هز رأسه.
وأقسم بالله... ولاء عمرها ما قالتلي فيه إيه
جواه، غير جملة واحدة.
إيه هي؟
قالها ببطء
الصندوق ده فيه الحاجة الوحيدة اللي هتثبت الحقيقة كلها... لو ضاع، هيفضل كل واحد فاكر إنه كان على حق عدّت ساعات.
ولاء اتنقلت لغرفة العناية، ومنعوا الزيارة عنها لحد ما تفوق تمامًا.
أما ماجد، فرفض يروح بيته.
فضل واقف قدام حضانة الأطفال، يبص للرضيع من وراء الزجاج.
الممرضة ابتسمت وقالت واضح إنه شبهك.
ماجد هز راسه من غير ما يرد.
مش لأنه صدق أو كذب...
لكن لأنه لأول مرة من شهور، كان خايف يحكم قبل ما يعرف الحقيقة كاملة.
تاني يوم الصبح...
ولاء فتحت عينيها.
أول سؤال سألته كان
ابني فين؟
الممرضة طمنتها.
في الحضانة، حالته مستقرة.
غمضت عينيها وهي بتحمد ربنا.
بعد دقائق، خبط خفيف على الباب.
دخل ماجد.
وقف عند الباب، وساد صمت طويل.
ولا واحد فيهم عرف يبدأ الكلام.
أخيرًا قال ماجد
عاملة إيه؟
ولاء ردت بهدوء أحسن.
رجع الصمت تاني.
ثم قالت وهي باصة للسقف
كنت عارفة إن اليوم ده هييجي.
استغرب.
أنهي يوم؟
اليوم اللي هتقف قدامي وتسألني ليه.
شد الكرسي وقعد.
طيب... ليه؟
ولاء سكتت لحظات، ثم قالت
بعد الطلاق بأسبوعين، عرفت إني حامل.
ليه ما بلغتنيش؟
حاولت.
مدت إيدها ناحية الكومودينو.
كان فيه هاتف قديم.
قالت
افتح الرسائل.
فتح الهاتف.
اتفاجئ إن فيه عشرات الرسائل القديمة.
كلها كانت موجهة لرقمه.
لكن جنب كل رسالة مكتوب
فشل الإرسال.
ولاء قالت
غيرت رقمك بعد الطلاق في نفس الأسبوع... وأنا معرفتوش.
فتح رسالة تانية.
ماجد... لازم تعرف حاجة مهمة.
ورسالة بعدها
أنا مش طالبة ترجعلي... بس لازم تعرف إن ربنا رزقنا بطفل.
ورسالة بعدها بأيام
هسافر عند خالتي شوية لحد ما أرتاح.
أقفل الهاتف ببطء.
كان واضح إنها كتبت الرسائل...
لكنها عمرها ما وصلت.
وقبل
ما يتكلم...
دخلت الجارة اللي جابت ولاء المستشفى.
قالت للممرضة
آسفة على المقاطعة... بس فيه واحد تحت بيسأل على مدام ولاء.

ماجد التفت بسرعة.
مين؟
الجارة هزت كتفها.
معرفوش... لكن قال إنه
لازم يشوفها حالًا، وإن معاه أوراق تخص البيت اللي كانت ساكنة فيه.
ولاء تغير لون وشها فجأة.
وقالت بقلق واضح
هو وصل؟
ماجد لاحظ
تم نسخ الرابط