دخل اوضة العمليات
خوفها.
مين ده؟
بصت له للحظة، ثم قالت
صاحب العمارة... في حاجة حصلت قبل الولادة بأيام، وأنا مخبيتها عن الكل... ولو طلع فوق دلوقتي، هيعرفك بسر كنت ناوية أقولهولك بنفسي.
وفي نفس اللحظة...
سُمع صوت مشادة في ممر المستشفى، أعقبها صوت رجل يقول بصوت مرتفع
أنا مش همشي غير لما أقابل مدام ولاء... الموضوع يخص الأمانة اللي سابتها في الشقة قبل ما تتنقل للمستشفى!ماجد ما استناش ثانية.
لف ناحية عم سيد وقال
الشقة دي اتقفلت ولا لسه؟
قفلتها بالمفتاح، لكن الجيران قالوا إن حد حاول يفتحها من ساعة.
في اللحظة دي خرجت ولاء من الغرفة وهي بتحاول تسند نفسها على الباب.
الممرضة جريت عليها.
مدام ولاء! مينفعش تقومي.
لكن ولاء كانت باصة لماجد.
الصندوق...
ماجد قرب منها بسرعة.
إيه حكايته؟
هزت راسها بتعب.
لازم نلحقه... قبل ما يختفي.
فيه إيه جواه؟
غمضت عينيها لحظة وقالت
مش فلوس... ولا دهب.
أمال إيه؟
حاجة كنت محتفظة بيها من يوم كتب كتابنا.
وقبل ما تكمل، الطبيب المعالج دخل وقال بحزم
ممنوع أي انفعال للمريضة. لو سمحتوا الكل يخرج.
خرج ماجد وهو مش عارف يعمل إيه.
يبقى جنب ولاء...
ولا يروح الشقة.
في الآخر حسم قراره.
بص لعمه وقال
خليك معاها... وأنا رايح أجيب الصندوق.
بعد أقل من نصف ساعة...
وصل العمارة.
كان باب الشقة موارب.
رغم إن عم سيد أكد إنه قفله بنفسه.
دفع الباب بهدوء.
الصالة كانت متبهدلة.
الأدراج مفتوحة.
الدولاب متفتش.
كأن حد قلب الشقة رأسًا على عقب.
بدأ يدور.
دخل أوضة الأطفال.
كانت صغيرة، ولسه فيها السرير الخشب اللي ولاء جهزته.
وعلى الحيطة نجمة ورقية مكتوب عليها
أهلاً بيك يا حبيبي.
وقف مكانه للحظة.
ثم افتكر كلام ولاء.
من يوم كتب كتابنا...
بدأ يبص في الأماكن القديمة.
فتح الدولاب.
ملقاش حاجة.
رفع المرتبة.
مفيش.
وفجأة...
وقع نظره على برواز صورة فرحهم.
كان مائل بشكل غريب.
نزله من الحيطة.
ولقى وراه تجويف صغير.
جواه صندوق خشبي فعلاً.
مد إيده بسرعة...
لكن قبل ما يلمسه...
سمع صوت
خطوات جاية من بره الشقة.
حد دخل.
وسمع صوت راجل بيقول
فتشوا كويس... الصندوق لازم يكون هنا.
ماجد
وفي نفس اللحظة...
بدأ مقبض باب الأوضة يتحرك ببطء...ماجد خطف الصندوق وحطه تحت الجاكيت بسرعة.
بص حواليه في أوضة الأطفال، ملقاش غير دولاب كبير قديم.
فتح بابه بهدوء ودخل، وسابه موارب سنة صغيرة يقدر يشوف منها.
بعد ثوانٍ...
اتفتح باب الأوضة.
دخل راجلين.
واحد منهم قال وهو بيبص حواليه
دور تحت السرير.
التاني رد
أكيد خبّته هنا... الست دي كانت حريصة على كل ورقة.
قلبوا الأوضة كلها.
فتحوا الأدراج، شالوا المرتبة، وحتى لعب الأطفال اتفتشت.
واحد منهم وقف قدام الدولاب اللي مستخبي فيه ماجد.
مد إيده ناحية المقبض...
وفجأة رن تليفونه.
رد بضيق
أيوه... لقيناه؟... لا؟... طيب إحنا لسه بندور.
قفل المكالمة وقال لزميله
يلا... واضح إنه مش هنا.
خرجوا من الأوضة، وبعد ثوانٍ اتقفل باب الشقة.
ماجد استنى دقيقة كاملة قبل ما يخرج.
اتأكد إن المكان فاضي، وبعدها فتح الصندوق لأول مرة.
كان جواه
ألبوم صور صغير.
فلاشة.
ملف شفاف فيه أوراق.
ومفتاح نحاسي قديم مربوط بشريط أزرق.
فتح الألبوم.
كانت أول صورة يوم كتب الكتاب.
والتانية يوم فرشوا شقتهم.
والتالتة...
كانت صورة لولاء وهي واقفة قدام باب مركز تحاليل، ومكتوب وراها بخطها
اليوم اللي حياتنا اتغيرت فيه.
فتح الملف.
لقى كل تقارير الحمل مرتبة بالشهور، وتقارير متابعة الجنين، وكلها بتواريخ تثبت إن الحمل بدأ قبل الطلاق.
وفي آخر الملف، ورقة صغيرة.
مكتوب فيها
لو وصلت للصندوق، يبقى أكيد عرفت جزء من الحقيقة... لكن الفلاشة هي اللي فيها باقي الحكاية.
ماجد طلع الفلاشة من مكانها.
لفها بين صوابعه.
لكن مكنش معاه أي جهاز يفتحها.
قرر يرجع المستشفى.
وهو نازل على السلم، لمح عربية سودة واقفة قدام العمارة.
أول ما خرج، العربية دارت محركها ببطء.
فضلت ماشية وراه من غير ما تقرب.
ركب عربيته وتحرك.
العربية السودة تحركت هي كمان.
بص في المراية أكتر من مرة.
كانت لسه وراه.
ولما قرب من المستشفى...
اختفت فجأة.
دخل المستشفى بسرعة، وطلع
على مكتب الأطباء، وحط الفلاشة في الكمبيوتر.
ظهرت ملفات كتير.
أول
شهادة لازم يسمعها ماجد.
مد إيده على زر التشغيل...
وفي اللحظة اللي بدأ فيها الفيديو يفتح، انقطعت الكهرباء عن الدور كله، وغرقت الغرفة في ظلام تام، وتعالى صوت جهاز الطوارئ في أرجاء المستشفى انطفأت الأنوار لثوانٍ، ثم اشتغل مولد الطوارئ.
رجعت الإضاءة الخافتة.
ماجد بص بسرعة على شاشة الكمبيوتر.
الفيديو كان لسه مقفول.
ضغط تشغيل مرة تانية.
ظهر تسجيل لولاء، واضح إنه متصور بالموبايل في شهورها الأولى من الحمل.
كانت قاعدة في نفس الشقة، ووراها سرير الأطفال اللي كانت بتجهزه.
ابتسمت للكاميرا ابتسامة هادئة وقالت
لو أنت بتشوف الفيديو ده يا ماجد... يبقى أكيد عرفت إن ربنا رزقنا بطفل.
سكتت لحظة.
أنا سجلت الفيديو ده مش عشان أعاتبك... ولا عشان ألومك.
وفجأة...
باب المكتب اتفتح بعنف.
الممرضة دخلت وهي بتجري.
دكتور ماجد... بسرعة!
قام من مكانه.
فيه إيه؟
مدام ولاء اختفت من أوضتها.
اتجمد مكانه.
إزاي يعني اختفت؟
من عشر دقايق كانت موجودة... ولما دخلنا نطمن عليها ملقيناش حد.
ماجد جري على الغرفة.
السرير فاضي.
المحاليل متعلقة مكانها.
والباب الخلفي المؤدي لسلم الطوارئ كان مفتوحًا.
على الكومودينو كانت فيه ورقة مطوية.
فتحها بسرعة.
كان مكتوب فيها بخط ولاء
متدورش عليا دلوقتي... فيه حد لازم أقابله قبل ما أقابلك، لأن الحقيقة لسه ناقصة.
في آخر الورقة...
رسمت مفتاحًا صغيرًا.
نفس شكل المفتاح النحاسي اللي كان داخل الصندوق.
في اللحظة دي، دخل فرد أمن المستشفى وقال
دكتور... كاميرات المراقبة سجلت إن مدام ولاء خرجت مع ست كبيرة في السن، وكانت بتساعدها تمشي.
ماجد سأل بسرعة
مين الست دي؟
هز فرد الأمن رأسه.
مش من العاملين هنا... لكن الغريب إن مدام ولاء أول ما شافتها قالت لها أخيرًا جيتي... كنت مستنياكي.
وما إن أنهى كلامه...
رن هاتف ماجد برسالة مجهولة.
فتحها.
كانت عبارة عن عنوان فقط...
ومكتوب تحته
لو عايز تعرف ليه المفتاح ده مهم... تعالى لوحدك ماجد وقف يبص للرسالة ثواني، ثم أخد نفسًا عميقًا.
بدل ما يجري ورا العنوان فورًا، بلغ إدارة
المستشفى ومأمورية الشرطة، وسلّمهم
بعدها راح للعنوان.
كان بيتًا قديمًا على أطراف المدينة.
طرق الباب.
فتحت له سيدة مسنة، هي نفسها التي ظهرت في كاميرات المستشفى.
ابتسمت بحزن وقالت
اتفضل... ولاء مستنياك.
دخل، فوجد ولاء جالسة على كرسي، ما زالت شاحبة لكنها بخير.
أول ما شافته، قالت
أنا آسفة إني خرجت من المستشفى... لكن كان لازم أجيب آخر قطعة من الحقيقة.
السيدة المسنة وضعت أمامهما صندوقًا حديديًا صغيرًا.
ماجد أخرج المفتاح النحاسي الذي وجده في الصندوق الخشبي، وفتحه.
كان بداخله دفتر قديم، وخطابات، ونسخة أصلية من نتائج التحاليل، وكل المراسلات التي تثبت أن الخطأ كان في تبديل العينات، وأن الحمل بدأ قبل الطلاق بوقت كافٍ.
ثم أخرجت السيدة ظرفًا مختومًا وقالت
أنا كنت سكرتيرة مركز التحاليل زمان. بعد ما اكتشفنا الخطأ، احتفظت بنسخة من المستندات لحد ما تتسلم لأصحابها. وبعدها سافرت للعلاج، ولما رجعت عرفت اللي حصل بينكم، لكن مقدرتش أوصلكم.
نظر ماجد إلى ولاء، وعيناه امتلأتا بالندم.
قال بصوت مكسور
أنا ظلمتك.
هزت رأسها وقالت
وأنا غلطت لما سكت. كنت فاكرة إن السكوت هيحافظ عليك، لكنه ضيعنا إحنا الاتنين.
ساد صمت طويل.
ثم قال ماجد
سامحيني... حتى لو عمرك ما ترجعيلي.
ابتسمت ولاء ابتسامة هادئة.
المسامحة أسهل من النسيان... لكن البداية الجديدة محتاجة وقت.
مرت عدة أسابيع.
تعافت ولاء، وخرج الطفل من الحضانة بصحة جيدة.
لم يحاول ماجد أن يضغط عليها للعودة، بل كان يزورها يوميًا ليرى ابنه، ويساعد في رعايته، ويثبت بأفعاله أنه تغير.
ومع مرور الشهور، عاد الاحترام أولًا، ثم الثقة، ثم المودة التي ظنّا أنها انتهت.
وفي يوم ميلاد الطفل الأول، جلسا معًا يشاهدانه وهو يحاول أن يخطو
أولى خطواته.
ابتسمت ولاء وقالت
يمكن ربنا أخّر فرحتنا... لكنه علّمنا إن الحقيقة لازم تتقال، وإن الظنون ممكن تهدم بيتًا في لحظة.
ابتسم ماجد وهو يحمل ابنه بين ذراعيه.
وأهم درس اتعلمته... إن الحكم قبل معرفة الحقيقة ممكن يضيع أغلى الناس.
انطلقت ضحكة الطفل، فالتفتا
إليه
نظر كل منهما للآخر، ثم ابتسما.
ولأول مرة منذ سنوات، لم يكن بينهما سر، ولا شك، ولا كلمة لم تُقل. فقط أسرة بدأت من جديد، على أساس الصدق والثقة، بعد أن كادت تضيع بسبب سوء الفهم والتسرع.