دفنت زوجها بقلم زيزي احمد
هتحافظي على وعدك.
قعدت جنبه، وحطت المفكرة على السرير.
وقالت وهي بتحاول تبتسم
اهي... مستنية تفتحها بنفسك.
مد إيده المرتعشة، وفتح أول صفحة.
كان مكتوب بخط إيده
لو بتقري السطور دي وأنا جنبك... يبقى ربنا اداني فرصة كنت فاكر إني مش هاخدها.
ابتسمت مريم وسط دموعها.
قلب الصفحة التانية.
كان فيها صور قديمة ليهم من أول سنة جواز.
وصور لأول شقة استأجروها.
وصورة لأول عربية اشتروها بالتقسيط.
وورقة صغيرة مكتوب فيها
كل حلم حققناه كان بسبب إنك كنت معايا.
مريم بكت من غير صوت.
لكنها لاحظت إن أحمد قفز كذا صفحة، وماحبش يوريها اللي في النص.
سألته
ليه معديتها؟
قال بابتسامة متعبة
لسه بدري.
وقبل ما تكمل كلامها، دخل الطبيب، وطلب منها تخرج شوية علشان يعمل فحص سريع.
خرجت وهي مستغربة.
وأثناء انتظارها، شافت ممرضة كبيرة في السن خارجة من الأوضة.
الممرضة وقفت قدامها وقالت بابتسامة حنونة
جوزك راجل نادر.
استغربت مريم.
ليه بتقولي كده؟
قالت الممرضة
بقاله شهور بيتعالج هنا... وفي كل مرة كان أول سؤال بيسأله
مراتي متعرفش حاجة... صح؟
كان كل خوفه إنك تتعبي أو تنهاري.
مريم حسّت بغصة في قلبها.
وقبل ما ترد، كملت الممرضة
وفي مرة، وهو خارج من جلسة العلاج، كان بالكاد واقف على رجليه... ومع ذلك رجع تاني بعد ساعتين.
سألتها مريم باستغراب
رجع ليه؟
ابتسمت الممرضة وقالت
علشان يتبرع بالمبلغ اللي كان محوشه لمريض صغير، أهله مكانوش قادرين يكملوا علاجه.
مريم شهقت.
هي عمرها ما كانت تعرف أي حاجة عن ده.
لكن قبل ما تسأل عن اسم الطفل أو التفاصيل...
فتح باب الغرفة، وخرج الدكتور وهو بيقول
مدام مريم... الأستاذ أحمد عايزك.
دخلت بسرعة.
لكن أول ما دخلت، لقت أحمد ماسك ظرفًا أبيض مختلف عن كل الظروف اللي شافتها في المخزن.
ناولها الظرف وقال
الظرف ده... كان نفسي أديهولك بعد سنين طويلة.
بصت عليه.
كان مكتوب عليه بخط واضح
يُفتح
وسكت أحمد...
كأنه أخيرًا قرر إن وقت كشف السر الحقيقي قد اقترب.
يتبع...مريم أخدت الظرف بإيد مرتعشة، لكنها ما فتحتهوش.
بصت لأحمد وقالت والدموع مالية عينيها
مش عايزة أعرف من ورق... عايزة أسمع منك.
أحمد فضل ساكت شوية، وكأنه بيجمع قوته.
وبعدين قال بصوت خافت
فاكرة اليوم اللي سألتيني فيه إنت اتغيرت ليه؟
هزت رأسها.
من قبل اليوم ده بأسبوع... كنت رايح أعمل كشف عادي، عشان وجع بسيط كنت فاكره من الشغل.
سكت لحظة، ثم أكمل
لكن الدكتور طلب تحاليل وأشعة... وبعدها قال لي لازم أبدأ علاج بسرعة.
مريم كانت ماسكة إيده بقوة.
ولا كلمة خرجت منها.
خرجت من المستشفى يومها، ومشيت ساعات في الشارع. كل اللي كنت بفكر فيه هو إنتِ.
نزلت دمعة من عينه.
كنت شايفك بتحلمي إننا نسافر، ونجهز أوضة الأطفال اللي كنا بنخطط لها، ونعيش بهدوء... ومكنتش قادر أتخيل إني أرجع أقولك إن حياتنا كلها هتتقلب.
قالت مريم وهي بتبكي
بس أنا كنت هقف جنبك.
ابتسم بحزن.
أنا عارف... وعشان كده خفت.
استغربت.
خفت من إيه؟
قال
خفت تنسي نفسك عشاني. خفت تسيبي شغلك، وتعيشي بين المستشفيات، وتشوفي كل يوم وأنا بتعب أكتر.
سكت قليلًا، ثم أكمل
كنت عايز أفضل في عينيكي الراجل اللي بيحميكي... مش الراجل اللي هيخليكي تعيشي عمرِك في وجع.
مريم هزت رأسها وهي تبكي.
إنت كنت فاهمني غلط يا أحمد.
مد إيده ومسح دموعها بصعوبة.
يمكن.
ثم أشار إلى الظرف الأبيض.
افتحيه.
فتحت مريم الظرف ببطء.
كان فيه عقد تأمين، وعدة أوراق بنكية، ووثيقة ملكية الشقة باسمها، ودفتر توفير كبير.
وفي آخر الورق...
رسالة قصيرة.
بدأت تقرأها بصوت مرتعش
لو وصلتي للرسالة دي، يبقى أنا حاولت أأمن مستقبلك على قد ما أقدر. كل جنيه حوشته، وكل حاجة كتبتها باسمك، كانت عشان عمري ما أخاف عليكي بعدي.
وقبل ما تكمل القراءة...
أحمد قال بهدوء
لسه فيه
رفعت عينيها إليه.
ابتسم لأول مرة من قلبه، وقال
الهدية اللي لقيتي إيصالها... ما كانتش لحد غيرك.
اتسعت عينا مريم من الصدمة.
ليا أنا؟
هز رأسه.
كنت طالب من المحل يجهزها لذكرى جوازنا... لكن يومها عرفت نتيجة التحاليل، ومقدرتش أديهالك.
ثم أغمض عينيه من شدة الإرهاق.
أما مريم...
فكانت تشعر أن كل الشهور الماضية، وكل الشكوك التي عاشت فيها، بدأت تتبدد... لكن بقي سؤال واحد لم تجد له إجابة بعد
ما الذي كان داخل العلبة المغلفة، التي لم تصل إليها الهدية أبدًا؟
يتبع...مر يومان، وتحسنت حالة أحمد قليلًا، وسمح له الأطباء بالخروج على أن يكمل علاجه في المنزل.
وفي أول ليلة بعد رجوعه، كانت مريم ترتب الأدوية على الطاولة، بينما كان أحمد ينظر إليها في صمت.
قال فجأة
فيه درج في المكتب... مفتاحه مع مفاتيح العربية.
ابتسمت وقالت
هتفضل مفاجآت كده لحد إمتى؟
ابتسم لأول مرة ابتسامة فيها دفء.
آخر مفاجأة... أوعدك.
فتحت مريم الدرج الصغير.
كان بداخله علبة هدايا زرقاء ملفوفة بنفس الورق الموجود في إيصال الشراء الذي وجدته قبل شهور.
توقفت أنفاسها.
حملت العلبة ورجعت إليه.
قال لها بهدوء
افتحيها.
نزعت الشريط ببطء، وفتحت الغطاء.
في الداخل، لم يكن هناك شيء فاخر كما توقعت.
كانت هناك سلسلة فضية رقيقة، يتدلى منها قلب صغير محفور عليه من الخلف
13 سنة... ولسه باختارك كل يوم.
وبجوارها رسالة مطوية.
فتحتها وهي تبكي.
كان أحمد قد كتب
كنت ناوي أديكي الهدية في ذكرى جوازنا، وأقولك إننا نبدأ من جديد. لكن في نفس الأسبوع عرفت حقيقة مرضي، وحسيت إن الفرحة دي هتتحول لوجع، فخبيتها.
مريم لم تتمالك نفسها.
جلست على الأرض تبكي، وهي تحتضن العلبة.
اقترب أحمد منها بصعوبة، وجلس بجوارها.
قال بصوت متهدج
سامحيني... يمكن أخطأت لما خبيت الحقيقة، لكن والله ما كان قصدي أوجعك.
مريم أمسكت وجهه بين يديها وقالت
أكتر
ثم احتضنته بقوة.
ولأول مرة منذ شهور...
بكى أحمد.
ليس من الألم...
ولكن لأنه أخيرًا لم يعد يحمل سره وحده.
يتبع...من الليلة دي، كل حاجة اتغيرت.
مريم بقت هي اللي بتصحي أحمد على مواعيد العلاج، وتجهز له أكله، وتضحك معاه حتى في أصعب الأيام.
وأحمد...
بطل يمثل إنه قوي طول الوقت.
ولأول مرة، سمح لنفسه يقول لما يتوجع
أنا تعبان.
وكانت مريم ترد بابتسامة
وأنا معاك.
مرت الشهور، وكان المرض مرة يهدأ، ومرة يرجع أقوى.
لكن اللي عمره ما رجع تاني...
هو الحاجز اللي كان بينهم.
وفي أحد الأيام، بعد جلسة علاج طويلة، قال أحمد
تيجي نروح إسكندرية؟
ضحكت مريم.
دلوقتي؟
قال وهو بيبتسم
يمكن آخر مرة أشوف البحر... وأنا عايز أشوفه وإنتِ جنبي.
في صباح اليوم التالي، سافروا.
قعدوا على الكورنيش بالساعات.
لا كانوا بيتكلموا كتير...
ولا كانوا محتاجين.
كان صوت الموج بيقول كل حاجة.
وقبل الغروب، مد أحمد إيده في جيبه، وطلع صورة قديمة ليهم من أول سنة جواز.
بصلها وقال
لو الزمن رجع بيا... هختارك برضه.
ردت مريم وهي تمسك إيده
وأنا كمان.
بعدها بأسابيع، بدأت حالة أحمد تتدهور بسرعة.
وفي إحدى الليالي، فتح عينيه بصعوبة، ونادى عليها.
قربت منه فورًا.
ابتسم ابتسامة هادئة وقال
أوعي تعيشي في الماضي.
هزت رأسها وهي تبكي.
قال
لما أمشي... افتحي الشبابيك كل يوم، دخلي الشمس... ومتخليش البيت يلبس الحداد عشاني.
لم تستطع الرد.
كانت فقط تضغط على يده وكأنها ترفض أن تتركه.
ثم همس بكلماته الأخيرة
أنا... عمري... ما... بطلت... أحبك.
وأغمض عينيه.
سقطت دموع مريم على يده وهي تنادي اسمه، لكن أحمد كان قد رحل في هدوء... وبين يدي المرأة التي أحبها حتى آخر نفس.
وبعد أيام، عاد البيت ساكنًا كما لم يكن من قبل.
الدولاب بقي مغلقًا.
وساعته فوق الكومود.
ورائحة عطره تملأ المكان.
ومريم...
لم تكن تعرف أن السر
يتبع...مرّت ثمانية أشهر على وفاة أحمد.
كانت مريم تحاول ترجع لحياتها، لكنها في الحقيقة كانت بتعيش يومها بالعافية.
كل حاجة في البيت كانت بتفكرها