دفنت زوجها بقلم زيزي احمد
بيه.
كوباية القهوة اللي كان بيشرب فيها.
الكرسي اللي كان بيقعد عليه.
حتى صوت مفتاح الباب، كانت كل مرة تسمعه تتخيل إنه رجع.
وفي صباح هادئ، قررت تعمل الحاجة اللي كانت بتأجلها من يوم وفاته.
تفضي دولابه.
بدأت تطلع الهدوم واحدة واحدة، تطبقها، وتحطها في كراتين للتبرع.
وهي بتحرك آخر رف، حسّت إن فيه حاجة مستخبية وراه.
مدت إيدها.
طلعت صندوقًا خشبيًا صغيرًا، مغلقًا بمفتاح.
استغربت.
لأنها كانت متأكدة إنها فتشت كل حاجة قبل كده.
افتكرت فجأة سلسلة المفاتيح القديمة اللي كانت محتفظة بيها.
جربت واحدًا منها...
ودار المفتاح.
فتحت الصندوق ببطء.
في الداخل كان يوجد هاتف محمول قديم، مطفأ منذ زمن، ومعه شاحن، وظرف مكتوب عليه بخط أحمد
لو لقيتي الموبايل ده، يبقى جه الوقت تعرفي الحقيقة كلها.
ارتعشت يداها.
وصلت الهاتف بالشاحن.
بعد دقائق، اشتغل.
لم يكن عليه رقم سري.
أول ما فتح، ظهرت صورة لها مع أحمد يوم عيد زواجهما.
ابتسمت وسط دموعها.
لكن الذي لفت انتباهها أكثر...
وجود تطبيق تسجيلات صوتية
أول تسجيل كان بعنوان
اسمعيه لو أنا مقدرتش أقول.
مدت إصبعها نحو زر التشغيل...
وفي اللحظة نفسها، رن جرس باب الشقة.
نظرت إلى الباب باستغراب.
لم تكن تنتظر أحدًا.
قامت ببطء، ومسحت دموعها، وفتحت الباب...
لتجد أمامها رجلًا في الستين من عمره، يحمل حقيبة جلدية سوداء.
قال بهدوء
حضرتك مدام مريم؟
أومأت برأسها.
أخرج الرجل بطاقة تعريف وقال
أنا المحامي اللي الأستاذ أحمد وصّاني أسلمك حاجة... لكن قالي أسلمها بعد مرور تمانية شهور بالظبط.
شعرت مريم أن قلبها عاد يخفق بقوة.
نظرت إلى الهاتف في الداخل...
ثم إلى الحقيبة التي يحملها المحامي.
وكانت تدرك أن ما سيعرفه قلبها بعد دقائق...
سيغيّر كل ما كانت تظنه عن أحمد.
يتبع...المحامي دخل الشقة بهدوء، وحط الحقيبة على الترابيزة.
بص لمريم وقال
الأستاذ أحمد سلّمني الأمانة دي بنفسه، وقالي بالحرف لو ربنا اختارني، متسلمهاش لمريم إلا بعد تمانية شهور.
فتح الحقيبة.
طلع منها ملف، وفلاشة صغيرة، وعقد مختوم.
قال
قبل ما أمشي،
أول ما خرج، قعدت مريم قدام اللابتوب، وشغلتها.
ظهر أحمد على الشاشة.
كان شكله مرهق من العلاج، لكن ابتسامته كانت هي نفسها.
قال
السلام عليكم يا مريم...
لو بتشوفي الفيديو ده، يبقى أنا خلاص عند رب كريم.
ولو وصلتي لحد هنا، فأنتِ نفذتي كل اللي طلبته منك، حتى وإنتِ زعلانة مني.
أنا عارف إنك سامحتيني...
بس لسه فيه حاجة لازم تعرفيها.
سكت لحظة، ثم أكمل
فاكرة يوم ما لقيتي إيصال الهدية؟
أنا تعمدت أسيبه.
وفاكرة لما كنت بسافر؟
كنت رايح العلاج.
وفاكرة لما طلبت الطلاق؟
وافقت عليه عشان لو مت وأنا على ذمتي، متفضليش سنين حابسة نفسك في الحزن، وتفضلي حاسة إنك لازم تعيشي على ذكرايا.
نزلت دموع مريم وهي تسمعه.
لكن أحمد أكمل
في الملف اللي جنبك، هتلاقي عقد إنشاء مركز علاج سرطان مجاني.
أنا بعت نص الشركات اللي كنت بملك فيها قبل ما أموت.
وكتبت كل نصيبي في المشروع باسمك.
نفسي المكان ده يفتح.
ونفسي كل مريض يدخل من بابه يحس إن فيه أمل.
ولو سألوكي ليه سميتيه كده...
قوليلهم
دار
ثم ابتسم وقال
آخر طلب عندي...
متلبسيش السواد عشاني طول عمرك.
لو جه يوم وضحكتي...
اضحكي.
لو جه يوم سافرتي...
سافري.
ولو جه يوم لقيتي حد يحترمك ويخاف عليكي...
متقفليش باب قلبك بسببي.
الحب الحقيقي عمره ما كان سجن.
انتهى الفيديو.
ولأول مرة منذ وفاة أحمد...
ابتسمت مريم وهي تبكي.
بعد عامين...
افتُتح مركز دار الأمل أحمد ومريم لعلاج مرضى السرطان غير القادرين.
وعلى مدخل المركز، كانت هناك لوحة رخامية نُقشت عليها كلمات أحمد الأخيرة
إذا استطعت أن تخفف ألم إنسان، فقد تركت أثرًا يبقى بعد رحيلك.
كانت مريم تزور المركز كل صباح.
تستقبل المرضى بنفسها، وتطمئن عليهم، وتحكي لهم عن رجل علّمها أن الحب ليس بالكلام...
بل بالتضحية.
وفي إحدى الأمسيات، وقفت أمام صورة أحمد المعلقة في بهو المركز.
ابتسمت وقالت بصوت خافت
أهو يا أحمد...
وعدك اتنفذ.
وكل يوم حد بيدعيلك...
يمكن دي كانت أعظم هدية سبتها ليا.
خرجت من المركز، والشمس كانت بتغيب بهدوء.
لكن لأول مرة منذ سنوات...
لم
بل بداية نور تركه إنسان أحب بصدق... ورحل، لكن أثره بقي في قلوب الجميع.
تمت.