من يوم ما بنتي خرجت من البيت حكايات صابرين محمد
من يوم ما بنتي خرجت من البيت وهي بتودعني عند باب الشقة وأنا ما شفتهاش تاني الشرطة دورت عليها في كل مكان والناس قالت ألف حكاية ، لكن ولا حد عرف الحقيقة ، لحد ما بعد حداشر شهر اكتشفت حاجة مستخبية جوه كرسي ابني ، خلت صرختي هزت البيت كله.
ولما جه شهر سبتمبر، ابني سافر علشان يقعد في المدينة الجامعية بعد ما ربنا كرمه واتقبل في الكلية، وساب أوضته مقفولة زي ما هي، ولا شال منها حاجة غير هدومه وكتبه، وكأنه كان متأكد إن محدش هيدخلها بعده، أو يمكن كان مطمن إن السر اللي مستخبيه فيها هيفضل مدفون للأبد.
نزلت أوصله لحد باب العمارة، وفضلت أبصله وهو بيحط شنطته في العربية، وكل خطوة كان بياخدها كانت بتحسسني إني بفقد واحد كمان من ولادي، ولما جه يودعني شدّيته لحضني، يمكن لأول مرة من يوم اختفاء أخته، لأنه طول الشهور اللي فاتت كان بيهرب من الكلام، وبيهرب من حضني، وبيهرب حتى من عيني.
مسكت وشه بين إيديا، وقلتله وأنا بغالب دموعي
إوعى تضيع مني إنت كمان يا ابني... والله ما عادش في قلبي حيل أستحمل وجع جديد.
بصلي بنظرة عمرها ما هتتفارق من خيالي، وقال بصوت واطي، كأنه بيكلم نفسه قبل ما يكلمني
بحاول يا أمي... والله العظيم بحاول.
ومشي...
وسابني واقفة أبص وراه لحد ما العربية اختفت من آخر الشارع، وفضلت كلمته ترن في وداني كل يوم، وكل ما أفتكرها أحس إن وراها معنى أنا لسه مش فاهماه.
عدى حوالي شهر.
وفي يوم، وأنا طالعة أنضف الدور اللي فوق، شميت ريحة شياط جاية من ناحية أوضة ابني.
في الأول افتكرتها ريحة فيشة سخنت، أو شاحن اتحرق، لكن كل ما قربت من الباب الريحة كانت بتزيد، وقلبي كان بيدق أسرع، لدرجة إني حسيت إن نفسي اتكتم.
جريت على الباب، ولقيته
وقفت كام ثانية وإيدي على المقبض... أصل عمري ما دخلت أوضة ابني من غير إذنه، حتى وهو صغير كنت أخبط الأول، لكن المرة دي خوفي كان أكبر من أي حاجة.
جبت مفك صغير من درج المطبخ، وفضلت أحاول أفتح الكالون لحد ما الباب فتح.
دخلت بسرعة وأنا متوقعة أشوف الأوضة مولعة.
لكن ملقتش نار.
ولا دخان.
ولا أي حاجة بالشكل اللي كنت متخيلاه.
كل اللي كان موجود مشترك كهربا متفحم جنب المكتب، شكله حصل فيه ماس كهربائي، فسحبته من الفيشة بسرعة، وبعدها بدأت ألف بعيني في الأوضة علشان أطمن إن مفيش حاجة تانية.
وساعتها...
عيني جت على الصورة.
نفس الصورة اللي صورتها لبنتي وابني قبل ما يخرجوا آخر مرة.
وقفت أبصلها، وحسيت الدنيا كلها بتلف بيا، وبنتي لسه بتضحك في الصورة بنفس الضحكة اللي كانت مالية البيت، كأنها لحد اللحظة دي لسه عايشة بينا.
رميت جسمي على الكرسي الأصفر اللي اشتريناه لابني وهو عنده اتناشر سنة...
لكن أول ما قعدت، حسيت بحاجة خلتني أقوم مفزوعة.
مكان في الكرسي كان طري زيادة عن اللزوم.
ومكان تاني ناشف كأن فيه حاجة مستخبية جواه.
قومت بسرعة، وقلبت الكرسي على ضهره.
وأول ما بصيت في قاعدته...
اتجمد الدم في عروقي.
خياطة طويلة بخيط أحمر جديد، واضحة أوي، ومش شبه خياطة المصنع نهائي، كأن حد فتح الكرسي بإيده ورجع قفله على عجل.
ساعتها افتكرت...
ابني عمره ما عرف يمسك إبرة ولا يخيط زرار حتى.
أما بنتي...
فكانت أي هدوم تتقطع منها تقول لي وهي بتضحك سيبيها عليا يا ماما، خمس دقايق وترجع كأنها جديدة.
إيديا كانت بتترعش، لكن خوفي كان أقوى من أي حاجة.
مسكت المقص، وفضلت أفك الخيط غرزة غرزة، وكل غرزة كانت بتتفك، كنت حاسة إن قلبي
ولما آخر غرزة اتفكت...
القماش اتفتح ببطء.
وأول حاجة ظهرت قدامي كانت قطعة ستان لونها أزرق فاتح.
نفسي اتقطع.
ومديت إيدي أشدها بالراحة...
ولقيت فستان بنتي...
نفس الفستان اللي خرجت بيه من البيت يوم اختفت...
الفستان اللي كنت فاكرة إنه اختفى معاها، واللي عمري ما تخيلت إني هلاقيه مستخبي جوه كرسي ابني.
أول ما فتحت الكرسي، الفستان ما كانش الحاجة الوحيدة اللي طلعت منه.
لقيت عشرات الظروف وقعوا على الأرض قدامي، واحد ورا التاني، وكلهم مكتوب عليهم بخط بنتي لأخويا عمر.
وقبل ما ألحق أستوعب اللي بشوفه، طلعت من جوه الكرسي شوية حاجات تانية.
صورة رسمية.
وأوراق.
وسوار صغير خاص بمولود خارج من المستشفى.
وصورة لطفلة رضيعة ملفوفة في بطانية المستشفى.
حسيت إن روحي بتتسحب مني حتة حتة.
لكن أكتر حاجة كسرتني، كانت ظرف مقفول وقع عند رجلي لوحده.
انحنيت أخدته، ولما بصيت عليه، لقيت بنتي كاتبة بخط إيدها
يا ماما... افتحي الجواب ده بس لو قدرتي تسمعيني للآخر، ومتقفليش الورقة قبل ما أخلص كلامي.
أول ما قريت الجملة...
صرخت.
صرخة خرجت من قلبي قبل ما تخرج من بقي.
مش فاكرة بعدها حصل إيه.
كل اللي فاكراه إن جوزي رجع من الشغل بعد شوية، ولقاني قاعدة على الأرض، والجوابات متبهدلة حواليا، وأنا حضنة فستان بنتي ومش قادرة أنطق.
بص للفستان، واتغير لون وشه، وقال وهو بيترعش
ده... ده فستانها؟
بصيتله، وقلت بصوت أنا نفسي ما عرفتهوش
بنتنا... محدش خطفها.
مد إيده وخد صورة كانت واقعة جنب رجله، وبمجرد ما بص فيها، فضل ساكت كام ثانية، قبل ما يهمس
دي... دي قسيمة جواز؟!
ما رديتش.
كنت وقتها بفتح أول جواب، وإيديا كلها رعشة.
وكان أول سطر فيه
يا عمر.
وقفت عن القراية، وحسيت دموعي نزلت من غير ما أحس.
فتحت الجواب اللي بعده.
وكانت كاتبة
فضل يقولي كل يوم تعالى نروح لهم تاني، ونحاول مرة واتنين وعشرة، وكان بيقول لي مستحيل أمك تفضل زعلانة منك العمر كله. لكن خوفي كان بيكبر كل يوم، وكنت حاسة إن بعد اللي حصل، لو رجعت، محدش هيسمعني، وهيشوفوا بس البنت اللي هربت من بيت أهلها.
جوزي حط إيده على وشه، وما نطقش.
أما أنا...
فأول مرة سألت نفسي
يا ترى... إحنا فعلًا إديناها فرصة تتكلم؟ ولا كنا بنقفل أي باب قبل ما تفتحه؟
فتحت جواب تالت.
وكانت بنتي بتحكي إنها بعد ما خرجت من البيت، راحت هي وجوزها عند واحدة قريبة ليه، ست كبيرة ومحترمة، ولما شافتها بتعيط، دخلتها من غير أسئلة، وقالتلها
ادخلي يا بنتي، اللي حصل حصل، المهم من هنا ورايح تحافظي على بيتك، ولما النفوس تهدى، يبقى لكل حادث حديث.
كملت أقلب في الورق، لحد ما لقيت تقرير متابعة حمل.
تاريخه كان بعد اختفائها بأسابيع.
وبجانبه سوار صغير خاص بمولودة.
بصيت على التاريخ المكتوب عليه...
وحسيت الأرض بتميد بيا.
لأن التاريخ كان بيقول إن عندي حفيدة عمرها تلات شهور...
حفيدة كانت عايشة في الدنيا بقالها شهور...
فضلت أقلب في باقي الجوابات، لحد ما وقعت عيني على جواب كانت بنتي كاتباه بخطها،
فتحت الظرف، وبدأت أقرأ.
النهارده كنت