من يوم ما بنتي خرجت من البيت حكايات صابرين محمد
محتاجة أمي أوي... والله العظيم كنت محتاجة أسمع صوتها، لدرجة إني كتبت نص رقمها، وفضلت أبص للموبايل يمكن ألاقي الشجاعة أكمل. لكن افتكرت يوم ما واحدة من الجيران بنتها هربت واتجوزت، وماما قالت في بنات بيهدوا بيت أهلهم بإيديهم، وبعد كده يرجعوا مستنيين كل حاجة ترجع زي الأول... خوفت... ومسحت الرقم قبل حتى ما الرنة الأولى تخرج.
أول ما خلصت السطر ده...
رميت الجواب من إيدي، وصرخت من قلب موجوع
يعني كانت عايشة؟!... كانت عايشة وسايبانا نلف عليها المستشفيات وأقسام الشرطة وننام ونصحى على أمل إنها ترجع؟!
جوزي خطف الجواب من إيدي، وقراه بنفسه.
وأول ما وصل لنفس السطر...
وقع الجواب من بين صوابعه.
وقعد على الأرض، وسند ضهره للحيطة، وحط إيده على راسه، وقال بصوت عمري ما سمعته منه
ليه يا بنتي؟... ليه حرمتينا من نفسنا؟... إحنا كنا بنموت في اليوم ألف مرة.
أول مرة أشوف الراجل اللي عمره ما دمعت عينه... بينهار بالشكل ده.
فضل يضرب كف بكف ويقول
أنا كنت مستني اليوم اللي أمسك فيه إيدك وأسلمها لجوزك بالحلال... كنت مستني أشوفك بالفستان الأبيض، وأفرح بيكي وسط أهلك وناسك... مش أعيش سنة كاملة وأنا فاكر إني يمكن عمري ما هشوف وشك تاني.
كنت بعيط معاه، وحاسة إن كل حلم رسمناه لبنتنا بيتكسر قدام عينينا.
بعدها لقيت ظرف تاني، مكتوب عليه باسمي.
إيديا كانت بتترعش وأنا بفتحه.
وكان أول ما وقع بصري على أول سطر، حسيت إن قلبي هيقف.
يا ماما...
أرجوكي أوعى تزعقي لعمر، ولا تكسريه بسببي، هو ما عملش حاجة غير إنه نفذ اللي أنا طلبته منه، وحلفته بالله ما يقولكمش أي حاجة.
أنا عارفة إني غلطت.
وعارفة إن خروجي من البيت من غير رضاكم
بس والله يا ماما، هو جه يتقدملي أكتر من مرة، وفي كل مرة كنت بحس إنكم حتى مش عايزين تسمعوا اسمه، وكنت كل يوم أقنع نفسي إن المرة الجاية هتكون غير اللي قبلها، لحد ما فقدت الأمل، وافتكرت إنكم عمرهم ما هيرضوا بيه مهما عمل.
أنا مش بقول إني كنت صح...
بالعكس.
أنا بدفع تمن غلطتي كل يوم.
وكل يوم بصحى وأقول يا ريتني استحملت، ويا ريتني ما خرجتش من البيت بالطريقة دي.
بس بعد ما اتجوزت، بقيت خايفة أرجع أكتر من الأول.
خايفة أشوف الخذلان في عينيكم.
وخايفة تسمعوني كلمة تخليني أندم إني جيت.
ولما ربنا رزقني ببنت...
سميتها على اسم ستو.
وكل ما أبصلها، أتخيل لو كانت في حضنك... كانت هتفرحي بيها إزاي، وكانت هتبقى أول حفيدة تملّي البيت فرحة، وكل العيلة تتلم حواليها، وإنتِ تشيليها وتقولي دي حتة من قلب بنتي.
ما قدرتش أكمل.
الجواب وقع من إيدي.
وحطيت كفي على وشي، وانهرت في عياط هستيري.
جوزي خد الجواب مني، وكمل القراية.
لكن أول ما وصل لسطر ولما ربنا رزقني ببنت...
شهق شهقة قطعت قلبي.
وقال وهو بيبكي
يعني بقى عندنا حفيدة... واتحرمنا حتى من أول لحظة شوفناها فيها؟... لا سمعنا خبر ولادتها... ولا جبنالها هدية... ولا دبحنا عقيقة... ولا فرحنا بيها وسط أهلنا... يا خسارة كل الفرح اللي راح من عمرنا.
ساعتها حسيت إن المصيبة ما كانتش بس إن بنتنا سابت البيت...
المصيبة إننا اتحرمنا من كل حلم كنا بنرسمه ليها من يوم ما اتولدت...
اتحرمنا نشوفها عروسة بالفستان الأبيض... اتحرمنا نزفها بإيدينا... اتحرمنا نفرح بأول حفيدة لينا وسط أهلنا وناسنا... وكل ده حصل، وإحنا كل ليلة رافعين إيدينا
ساعتها عمر رفع عينه وبصلي.
وشه كان كله وجع، لكن المرة دي كان فيه غضب كمان.
وقال بصوت ثابت، لكن كل كلمة كانت طالعة من قلبه قبل لسانه
متفتكريش يا أمي إن اللي عملته أختي كان سهل عليا... والله العظيم أنا أول واحد كنت نفسي أخنقها بإيديا على اللي عملته فيكم. وأقسم بالله، فيه ليالي كنت أرجع من عندها وأفضل أعيط في الطريق، وأقول لها إنتِ مش بس ظلمتي نفسك... إنتِ يتمتِ أمك وأبوكي وإنتِ لسه عايشة، وخليتيهم كل يوم يصحوا على أمل ويناموا على وجع.
سكت شوية، ومسح دموعه بطرف كمه، وكمل
هي غلطت... وغلطت غلطة كبيرة. كسرت قلبكم، وكسرت قلبي معاكم. ومهما كان السبب، مفيش بنت تتمنى إنها تسيب بيت أهلها بالطريقة دي، ولا في أم ولا أب يستحقوا يعيشوا سنة كاملة بين أقسام الشرطة والمستشفيات، وهم مش عارفين بنتهم عايشة ولا ميتة.
صرخت فيه وأنا مش قادرة أستوعب
أمال خبيت علينا ليه؟!
رد بسرعة، وكأنه كان مستني السؤال ده من يوم اختفت أخته
لأنها حلفتني بالله يا أمي. وقالتلي لو عرفوا إني هربت واتجوزت، قبل ما يسمعوا مني كلمة واحدة هيقفلوا الباب بينا للأبد. كانت مرعوبة من رد فعلكم، وأنا كنت تايه بين وعد قطعته لأختي، وبين وجع كنت بشوفه في عيونكم كل يوم.
وضرب بإيده على صدره وقال
أنا عشت سنة كاملة شايل الذنب ده فوق قلبي. كل يوم أشوفكم بتموتوا بالحيا، وأرجع أوضتي أعيط، وأدعي ربنا يصلح اللي هي بوظته. والله يا أمي، عمري ما دافعت عن اللي عملته، ولا مرة قلت إنها كانت صح.
ونزلت دموعه وهو بيكمل
كنت كل مرة أزورها أقولها ارجعي... وتعالي ارمي نفسك في حضن أمك وأبوكي، مهما
صرخت وأنا بضرب كف بكف
يا بنتي... لو كنتِ جيتي وقعدتي قدامنا، كنا هنصلح اللي اتكسر. مكنّاش هنسيبك مهما كان اللي حصل. الهروب عمره ما كان حل.
هز عمر راسه وقال وهو بيبكي
وأنا قلتلها كده مية مرة. والله العظيم قلتلها. وكنت أزعل منها بالشهور، وأقول لها إنتِ ظلمتيهم. أمك وأبوكي ميستاهلوش اللي عملتيه فيهم. ولو كنتِ غلطتي، كان الأحسن ترجعي وتعترفي بغلطك، مش تسيبيهم يدفنوا نفسهم بالحيا كل يوم. لكنها كانت كل يوم تخاف أكتر من اليوم اللي قبله، وكل ما الوقت كان بيعدي، كانت بتحس إن الرجوع بقى أصعب.
بصيت لجوزي وأنا ببكي، وقلت
قول له... قول له إننا كنا بنخاف عليها وبس.
جوزي كان ساكت من ساعة ما عمر دخل، وأول ما اتكلم، كان صوته مكسور بطريقة عمري ما سمعتها منه.
قال
إحنا فعلًا كنا بنخاف عليها، ويمكن خوفنا خلانا نشد زيادة، ونقفل باب الكلام من غير ما نحس. دي غلطة مننا، وربنا يسامحنا عليها.
وسكت لحظة، قبل ما يكمل وهو بيبص لعمر
لكن أختك كمان غلطت يا عمر... وغلطها كبير. لأنها بدل ما تصبر شوية، أو تواجهنا، أو تستعين بحد من أهل الخير يصلح بينا، اختارت تهرب. والهروب عمره ما كان حل، والوجع اللي سببه القرار ده في قلب أمها وأبوها عمره ما هيتنسي، حتى لو سامحناها وفتحنا لها حضننا من جديد.
عمر نزل راسه وقال
أنا عارف يا بابا... وهي نفسها عارفة. وعمرها ما قالت إنها كانت صح.