من يوم ما بنتي خرجت من البيت حكايات صابرين محمد

لمحة نيوز


عمرها كله تدفع تمن اللي عملته... بس نفسها تيجي يوم وتلاقوا في قلوبكم مكان تسمعوها فيه قبل ما تحكموا عليها.
الأوضة سكتت.
ما بقاش فيها غير صوت عياطنا.
مديت إيدي أمسك آخر جواب.
فقال عمر بسرعة
يا أمي... لو هتروحي علشان ترجعيها بالعافية، بلاش تروحي دلوقتي
بصيتله، وقلت من بين دموعي
أنا مش رايحة أحاكمها... أنا رايحة أشوفها
تاني يوم الصبح، عمر بعتلي عنوان بيت بنتي.
فضلت أبص للورقة في إيدي وأنا مش مصدقة إن بعد سنة كاملة من الدوخة والسؤال، العنوان كان موجود طول الوقت.
أنا وجوزي ركبنا العربية.
ولا واحد فينا نطق بكلمة.
كنت حاضنة جواب بنتي في حضني، وكل شوية أفتحه وأقراه من جديد، كأني مستنية ألاقي فيه سطر يغيّر الحقيقة.
لما وصلنا، قلبي كان بيدق بعنف.
خبطت على الباب.
مرة...
واتنين...
وقبل ما أرفع إيدي للمرة التالتة، الباب اتفتح.
كانت ست كبيرة واقفة قدامي.
أول ما شافتني، عرفتني من غير ما أتكلم.
وفي نفس اللحظة، لمحت ستارة شباك الجيران بتتحرك.
أكيد الناس بدأت تتفرج.
لكن لأول مرة في حياتي...
ما همنيش مين بيبص، ولا مين هيتكلم.
أنا كان همي الوحيد أشوف بنتي.
بصيت للست، وقلت بصوت مخنوق
إنتِ كنتِ عارفة إنها هنا؟
هزت راسها بهدوء.
أيوه.
الغضب طلع في قلبي مرة واحدة.
وقلت وأنا صوتي بيعلى
وإنتِ إزاي تخبيها عن أهلها؟! إزاي تشوفي أم بتموت كل يوم على بنتها وتسكتي؟!
الست ما اتحركتش من مكانها.
وقالت بهدوء
يوم ما بنتك خبطت على بابي، كانت بنت عندها تمنطاشر سنة، حامل، وبتعيط، ومش لاقية مكان تروحه. كان قدامي حلين... أقفل الباب في وشها، أو أسترها. وأنا اخترت أسترها.
قلت بسرعة
كان المفروض تكلميني.
ردت وهي باصة في عيني
طلبت مني ألف مرة ما أعملش كده. وكانت مرعوبة ترجع قبل ما حد يسمعها.


لسه هرد...
لقيت شاب طالع من جوه البيت، شايل ببرونة في إيده.
عرفته من الصورة اللي كانت مع عقد الجواز.
هو ده...
الشاب اللي قضيت سنة كاملة بلعنه، وبحمله مسؤولية ضياع بنتي.
لكن أول ما شفته...
ما شفتش واحد خطف بنتي.
شفت شاب وشه مرهق، وعينه مليانة سهر، وشايل هم بيت وأسرة أكبر من سنه.
بصلي وقال بهدوء
والله يا حاجة... أنا روحت بيتكم أكتر من مرة قبل كل اللي حصل، واتقدمت لها بالحلال، ولما الأمور اتقفلت في وشنا، فضلت أقول لها ارجعي وكلمي أهلك. حتى بعد الجواز، كنت كل شوية أقول لها مينفعش تعيشي من غير أمك وأبوكي... لكنها كانت كل مرة تقول لي أنا اللي غلطت، ومش هيسامحوني.
قبل ما حد يلحق يقول كلمة...
سمعنا صوت عياط طفلة من جوه البيت.
قلبي وقف.
وبعد ثواني...
طلعت بنتي.
كانت أرفع من زمان.
وشها باين عليه التعب.
لكنها كانت بنتي.
وشايلة بين إيديها طفلة صغيرة ملفوفة في بطانية صفراء.
همست وأنا حاسة إن رجليا مش شيلاني
مريم...
واتحركت ناحيتها.
لكنها رجعت خطوة لورا.
وحضنت بنتها أكتر.
وقالت بصوت كله خوف
يا ماما... بالله عليكي... متزعقيش... ومتغضبيش قدام البنت.
الجملة دي...
وجعتني أكتر من أي كلمة قالتها في الجوابات.
لقيت نفسي هقول
إنتِ عملتي فينا كده ليه؟!
لكن صوت عمر رن في وداني...
لو روحتي بنفس الطريقة اللي خرجت بيها من عندكم... هتخاف أكتر.
وقفت.
وسكت.
وأخدت نفس طويل.
وبعدين قلت وأنا دموعي بتنزل
لا... السؤال ده مش هو اللي المفروض أسأله.
رفعت بنتي عينيها تبصلي، كأنها مش مصدقة اللي سمعته.
كملت وأنا صوتي بيتكسر
قوليلي يا بنتي... إيه اللي خلاكي تحسي إن الهروب من بيتنا أهون من إنك تقعدي قدامنا وتحكيلنا الحقيقة؟
بكت.
وقالت وهي بتهز بنتها بين إيديها
لأني كنت حاسة إن أي غلطة
هعملها هتمحي كل حاجة حلوة بينا... كنت كل مرة أغلط، أحس إنكم مش هتشوفوا غير الغلطة، ومش هتشوفوني أنا.
سكتت شوية، وكملت
ولما عرفت إني حامل... أول واحدة جات في بالي كانت إنتِ... والله العظيم كنت نفسي أرمي نفسي في حضنك... لكن خوفي من نظرة الخذلان في عينك كان أكبر من شجاعتي.
بصيت للبنت الصغيرة اللي بين إيديها...
وبصيت لجوزها...
وبصيت للست اللي آوتها...
وحسيت إن السنة اللي فاتت ضيعتها وأنا بلوم الناس كلها...
ويمكن ما سألتش نفسي السؤال الصح غير النهارده.
مديت إيدي ناحيتها وأنا بعيط، وقلت
تعالي يا بنتي... تعالي في حضني... وبعدها نبقى نتحاسب أنا وإنتِ قدام ربنا على كل غلطة غلطناها... لكن النهارده... سيبيني أشبع منك بعد سنة كاملة من الفراق.
بصيت لعمر، وقلت والدموع مغرقة وشي
سامحني يا ابني... أنا حملتك حمل ما كانش ينفع ولد في سنك يشيله.
هز راسه وقال
وأنتِ كمان يا أمي... أوعي تحكي اللي حصل وكأن أختي خرجت من البيت من غير سبب، ولا كأنها كانت صح. الحقيقة إن إحنا كلنا غلطنا... هي غلطت لما هربت وكسرت قلبكم، وإنتوا غلطتوا لما الخوف سبق السمع.
هزيت راسي، وقلت
معاك حق... عمري ما هحكي الحكاية غير كاملة.
في اللحظة دي، الصغيرة بدأت تعيط.
غصب عني مدّيت إيدي علشان أشيلها...
لكن وقفت.
رجعت إيدي بسرعة، وبصيت لبنتي.
وقلت بصوت كله رجاء
ممكن... تسمحيلي أشيلها؟
بنتي بصت لجوزها.
وهو هز راسه بهدوء.
لكنها فضلت ساكتة كام ثانية، كأنها بتحارب كل خوف عاش جواها طول السنة اللي فاتت.
وبعدين قربت مني...
وحطت البنت بين إيديا.
وقالت وهي بتمسح دموعها
اسمها رحمة.
حضنتها بحذر، كأنها أغلى حاجة لمستها في حياتي.
بصيت في وشها الصغير، ودموعي نزلت من غير ما أحس.
وهمست
أهلًا يا رحمة... أنا تيتا.

في اللحظة دي...
بنتي وشها اتكسر، وفضلت تعيط وهي بتبصلي.
عدى أسبوع.
وقعدت طول الأسبوع أفكر ألف مرة قبل ما أمسك الموبايل.
ولما اتصلت بيها، أول حاجة قلتها كانت
لو معندكيش مانع... تحبي تيجي تتغدي عندنا؟ ولو مش جاهزة، والله ما هزعل.
سكتت شوية.
وبعدين سألتني
مين هيكون موجود؟
قلت
اللي إنتِ ترتاحيله... ولو حبيتي تيجي إنتِ وجوزك بس، البيت بيتكم.
يومها جات.
هي وجوزها ورحمة والست اللي وقفت جنبها وقت شدتها وكمان عمر.
قعدنا على السفرة.
كان في رهبة...
وسكوت...
ووجع لسه ما خفش.
لكن كان فيه أمل.
ولما رحمة بدأت تعيط، قمت من مكاني تلقائي.
مديت إيدي... لكن رجعتها تاني.
بصيت للصغيرة، وحسيت قلبي بيشدني ليها، وفي نفس الوقت الوجع اللي عشته طول السنة اللي فاتت كان لسه ساكن جوايا.
هي ملهاش أي ذنب...
ولا تعرف حاجة عن اللي حصل.
بصيت لبنتي، وقلت بصوت مكسور
ممكن... أشيلها؟
بنتي سكتت لحظة، وبعدين قربت مني، وحطت رحمة بين إيديا.
أول ما شيلتها، حضنتها بحذر، ودموعي نزلت من غير ما أحس.
وبصيت في وشها الصغير، وهمست
إنتِ مالكيش ذنب في أي حاجة يا رحمة... ربنا يجعل حياتك كلها خير، وما يكتبش عليكي الوجع اللي إحنا عشناه.
رفعت عيني على بنتي، لقيتها واقفة بتعيط في صمت.
ساعتها عرفت إن اللي اتكسر بينا مش هيتصلح في يوم وليلة...
لكن أول خطوة في الطريق كانت إننا رجعنا نبص لبعض كعيلة من جديد.
وساعتها بس...
فهمت إني قضيت أحداشر شهر بدور على بنتي في كل مكان...
مع إن اللي كانت محتاجاه من الأول...
هو إنها تعرف إن بيت أهلها، مهما غلطت، هيفضل بيتها... وإن باب الرجوع عمره ما هيتقفل في وشها.
وإن اللي حصل كان غلطة كبيرة وجعِتنا كلنا، وعمرنا ما هننساها، لكن في نفس الوقت مفيش غلطة أكبر من رحمة ربنا،
ولا أكبر من التوبة الصادقة. ولو كل واحد اعترف بغلطه، واتعلم منه، ومد إيده للتاني، يبقى لسه فيه أمل إن القلوب تلتئم، والعيلة ترجع تتلم من جديد.

 

تم نسخ الرابط