حماتي طلبت من جوزي بقلم زهرة الربيع

لمحة نيوز

غير عادتها.
متدورش عليا... أنا والعيال بخير.
قال بانفعال
إنتِ عملتي إيه؟
ردت
ولا حاجة غلط... كل اللي عملته إني بدأت أحمي نفسي وولادي.
وقبل ما يسألها أي حاجة، قالت جملة واحدة هزته
الورقة اللي في إيدك... اقراها للنهاية، مش لأول سطر بس.
وقف ساكت.
قلب الورقة.
كان في ضهرها كام سطر صغيرين، مكنش واخد باله منهم من التوتر.
بدأ يقرأ...
ومع كل سطر، وشه كان بيتغير.
آخر سطر خلاه يقعد على أقرب كرسي وهو حاسس إن رجليه مش شايلاه.
أمه جريت عليه.
قوللي يا ابني... فيه إيه؟
لكن قبل ما يرد، جرس الباب رن.
فتح الباب...
لقى شخص واقف برا، لابس بدلة، وفي إيده ملف كبير.
قال بهدوء
الأستاذ حازم موجود؟
أيوه... أنا.
مدله ظرف مختوم وقال
اتفضل... واستلم دي بنفسك.
حازم استلم الظرف وهو قلبه بيدق بعنف.
بص على اسم المرسل...
ولما عرف الجهة اللي بعتاه، حس إن الموضوع أكبر بكتير مما كان متخيل.
رفع عينه ناحية أمه، وكانت هي كمان بدأت تقلق لأول مرة...
لكن الاتنين مكانوش يعرفوا إن الظرف ده مجرد بداية لسلسلة مفاجآت، وكل مفاجأة هتكون أصعب من اللي قبلها حازم فضل واقف ثواني وهو باصص للظرف.
إيده كانت بتترعش.
فتح الظرف ببطء، وطلع منه ملف صغير، وفي أول صفحة خطاب رسمي.
قرأ أول كام سطور، فاتغير لون وشه.
حماته قربت منه وقالت بلهفة
ما تنطق يا ابني! فيه إيه؟
طوى الورقة بسرعة وقال
مفيش... موضوع خاص.
لكنها خطفتها من إيده قبل ما يمنعها.
قعدت تقرأ هي كمان.
ومع كل سطر كانت ملامحها بتتبدل، لحد ما وصلت لآخر الصفحة، فسكتت تمامًا.
لأول مرة...
ملقتش كلمة تقولها.
حازم بص لها وقال بحدة
إنتِ مبسوطة دلوقتي؟
رفعت عينها فيه وهي مرتبكة
أنا... أنا مالي؟
قال بغضب
كل اللي حصل بسبب تدخلك كل يوم.
وقبل ما يكمل، رن جرس الباب مرة تانية.
المرة دي كان جارهم.
قال
وهو بينهج
يا أستاذ حازم... مراتك
كانت هنا الصبح بدري، سلمتني مفتاح الشقة الاحتياطي وقالت أديهولك، وقالتلك لما تعرف قيمة البيت الحقيقي... ابقى افتح الباب ده.
استلم المفتاح وهو مش فاهم تقصد إيه.
دخل الشقة تاني.
بص حواليه لأول مرة من غير وجود سناء.
المطبخ اللي كانت بتصحى قبله بساعة ترتبه.
أوضة الأطفال الهادية.
هدومه المكوية والمرتبة.
حتى كوب القهوة اللي كان كل يوم بيلاقيه جاهز... مكانش موجود.
ساعتها بس...
بدأ يحس بفراغ غريب.
أما حماته، فكانت لسه ماسكة الورقة، وعينيها وقعت على سطر صغير في آخرها، كانت عدته من التوتر أول مرة.
أعادته مرة...
واتنين...
وفجأة شهقت وقالت
لا... دي مستحيل تكون عملت كده!
حازم خطف الورقة منها وهو بيقول
إيه؟ شوفتي إيه؟
لكنها سكتت، ووشها كان مليان خوف لأول مرة...
وفي اللحظة دي، وصلته رسالة جديدة من سناء.
فتحها بسرعة...
ولما قرأ أول سطر، عرف إن اللي جاي هيقلب حياتهم كلها... لكن إزاي؟ ده اللي لسه هيكتشفه حازم فتح الرسالة بسرعة، وقلبه بيدق بعنف.
كان مكتوب فيها
متقلقش على الأولاد... هما بخير، وفي مكان آمن. ولو عايز تعرف أنا عملت إيه، افتح درج المكتب اللي في أوضة النوم.
رفع عينه من على الموبايل، وجري على الأوضة.
فتح درج المكتب.
في الأول افتكر إنه فاضي.
لكن لما رفع المفارش اللي جواه، لقى ملف أزرق كبير، ومتثبت عليه ورقة صغيرة مكتوب فيها
اقرأ براحة... لأن بعد ما تخلص، عمرك ما هتبص للأمور بنفس الطريقة.
فتح الملف.
لقي فيه عشرات الأوراق مرتبة بالتواريخ.
فواتير.
إيصالات.
تحويلات بنكية.
ومفكرة صغيرة بخط سناء.
كان كل شهر متسجل فيه
مرتب سناء ...
مصاريف البيت ...
مصاريف المدارس ...
المبلغ اللي أخدته والدته ...
ولا ورقة ناقصة.
ولا رقم منسي.
كل جنيه داخل أو خارج البيت كان متوثق.
قلب الصفحة الأخيرة...
ولقى في
آخرها جملة واحدة
أنا فضلت ساكتة سنين،
مش عشان مش شايفة... لكن عشان كنت بحافظ على بيتي.
في نفس الوقت...
حماته كانت قاعدة في الصالة، وعمالة تردد
أكيد كانت بتخطط من زمان... أكيد.
حازم خرج بالملف في إيده، وبص لأمه لأول مرة بنظرة مختلفة.
وقال
إنتِ كنتِ تعرفي إنها شايفة كل حاجة؟
ارتبكت وقالت
وأنا هعرف منين؟
رد وهو بيقلب في الأوراق
كانت عارفة تاريخ كل مرة أخدتي فيها فلوس... حتى المبالغ الصغيرة.
سكتت.
لأن التواريخ كانت مطابقة تمامًا.
وفجأة...
رن موبايل حازم.
كان رقم مجهول.
رد بحذر.
جاله صوت راجل قال بهدوء
أستاذ حازم... معاك الأستاذ... أنا باتصل بخصوص الملف اللي وصل لحضرتك. واضح إن مدام سناء رتبت كل حاجة قبل ما تمشي، ولسه في ظرف أخير أوصت إنه يتفتح... لكن في موعد محدد.
حازم اتجمد.
وسأل بسرعة
إمتى؟
الراجل رد بكلمة واحدة...
بكرة.
وانتهت المكالمة، وساب حازم وأمه طول الليل، كل واحد فيهم بيفكر
إيه اللي في الظرف الأخير... وإيه السر اللي خلى سناء تستنى اليوم ده بالذات؟مر الليل عليهم كأنه سنة كاملة.
لا حازم عرف ينام، ولا أمه بطلت تفكير.
كل شوية يبصوا على الساعة، مستنيين ييجي ميعاد بكرة اللي سناء أصرت عليه.
أول ما الساعة عدت التاسعة صباحًا، رن جرس الباب.
حازم جري يفتح.
لقى نفس الراجل واقف، وفي إيده ظرف بني مختوم.
قال بهدوء
ده أمانة، ومدام سناء قالت يتسلم لحضرتك النهارده وبس.
استلمه وقفل الباب.
حماته قربت منه بسرعة.
افتحه... بسرعة!
فتح الظرف.
كان جواه خطاب طويل، ومعاه فلاشة صغيرة.
بص للفلاشة باستغراب.
قالت أمه
دي فيها إيه؟
رد
مش عارف.
وصلها بالكمبيوتر.
ظهر مجلد واحد فقط.
اسمه
الحقيقة كاملة.
فتحه...
لقى ملفات صوت وصور ومستندات، كلها مرتبة بالتواريخ.
لكن قبل ما يفتح أي ملف، لقى رسالة مكتوبة من سناء
لو وصلت للمرحلة دي، يبقى أنا
كنت مضطرة أخد الخطوة دي. أنا لا انتقمت، ولا
ظلمت حد... أنا بس قررت إن كل واحد يتحمل نتيجة اختياراته.
حازم حس بغصة في قلبه.
كانت أول مرة يستوعب إن سناء عمرها ما كانت بتصرخ ولا تعمل مشاكل، لكنها كانت بتسجل وتحفظ كل حاجة في صمت.
حماته بدأت تقلق أكتر.
قالت بصوت مرتعش
اقفل الكلام ده... مش لازم نعرف.
لكن حازم رد لأول مرة بحزم
لأ... لازم أعرف.
ومد إيده على أول ملف...
وقبل ما يضغط عليه، رن موبايله.
بص للشاشة...
واتفاجأ إن المتصل كانت سناء نفسها.
رد بسرعة، لكن أول جملة قالتها خلت ملامحه تتغير تمامًا
قبل ما تفتح أي ملف... جاوبني على سؤال واحد. لأول مرة في حياتك، هتختار أمك... ولا هتختار بيتك؟
وساد صمت طويل...
لأن حازم عرف أن إجابته المرة دي هتحدد مصير كل حاجة بعد كده حازم فضل ساكت.
إيده على الموبايل، وعينه على أمه.
لأول مرة في حياته، حس إنه واقف بين طريقين، وكل طريق له تمن.
سناء كررت بهدوء
أنا مستنية ردك.
بلع ريقه وقال
أنا... مش عارف.
ضحكت ضحكة قصيرة كلها وجع وقالت
وده كان ردك طول عمرنا يا حازم... كل مرة تبقى محتار، تسيب غيرك يدفع التمن.
وسكتت ثواني، ثم كملت
أنا مش بطلب منك تطلع أمك من حياتك، ولا تقاطعها. أنا بطلب منك تعرف حدود كل واحد. مراتك وولادك ليهم حق عليك، وأمك ليها حق عليك... لكن مينفعش حق حد يضيع عشان التاني.
حازم نزل رأسه.
أول مرة يسمع الكلام بالشكل ده.
حماته كانت بتحاول تسمع، لكنها مش فاهمة كل اللي بيتقال.
سناء قالت آخر كلامها
الملفات اللي قدامك مش عشان أفضح حد... دي عشان تعرف الحقيقة كاملة. وبعد ما تشوفها، القرار قرارك.
وقفلت الخط.
حازم أخد نفس عميق، وفتح أول ملف.
كان عبارة عن كشف بسيط، فيه مقارنة بين دخل البيت ومصاريفه خلال آخر ثلاث سنين.
كل شهر مكتوب فيه
مرتب حازم.
مرتب سناء.
مصاريف البيت.
المدارس.
العلاج.
المبالغ اللي خرجت لوالدته.
وفي آخر صفحة، كان
فيه رقم واحد متظلل بالأحمر.
لما شافه، اتجمد.
إجمالي المبالغ اللي خرجت من البيت لوالدته خلال السنوات دي كان أكبر بكتير مما كان يتخيل.
بص لأمه

في ذهول وقال
إحنا دفعنا كل ده؟
حماته ارتبكت وقالت بسرعة
كنت
تم نسخ الرابط