حماتي طلبت من جوزي بقلم زهرة الربيع

لمحة نيوز

محتاجة... وكل مرة كنت بقول هرجعه.
لكنها هي نفسها كانت عارفة إنها عمرها ما رجعت جنيه.
حازم قفل الملف، وقعد على الكرسي وهو حاطط إيده على وشه.
لأول مرة بدأ يحس إن سناء ما كانتش بتبالغ...
وإنها كانت شايلة البيت كله في هدوء، وهو كان شايف ده أمر طبيعي.
أما الملف التاني...
فكان عنوانه مختلف تمامًا.
آخر فرصة.
وما إن مد إيده يفتحه، حتى قالت أمه بلهفة
استنى... قبل ما تفتحه، أنا لازم أحكيلك حاجة مستخبياها عنك من سنين.
وتوقف حازم، وقد عرف أن الكلام الذي سيقولها قد يغيّر كل ما كان يعتقده عن السنوات الماضية حازم رفع عينه لأمه باستغراب.
إيه اللي مخبياه؟
قعدت على الكنبة، وإيديها بتترعش.
أخدت نفس طويل وقالت
أنا غلطت... بس الغلط كبر مني سنة بعد سنة.
سكتت لحظة، وكأنها بتجمع شجاعتها.
في أول جوازكم، لما شفت سناء بتقبض مرتب كويس، قلت لنفسي إن ربنا وسع عليكم، وإنكم هتقدروا تستحملوا لو ساعدتوني شوية.
حازم كان ساكت.
وبعدين الشوية بقوا كتير... وكل مرة أقول دي آخر مرة، ألاقي نفسي بطلب تاني.
نزلت دموعها لأول مرة.
ولما سناء كانت تعترض، كنت بخاف إنها تبعدك عني... فكنت أضغط عليك أكتر.
حازم بص لها في صدمة.
يعني إنتِ كنتِ عارفة إنها مظلومة؟
هزت رأسها ببطء.
لكن قبل ما تكمل، فتح حازم ملف آخر فرصة.
كان فيه خطاب بخط سناء.
بدأ يقرأ بصوت منخفض
لو وصلت للملف ده، يبقى لسه عندي أمل إن بيتنا يتصلح. أنا خرجت من البيت عشان أديكم فرصة تراجعوا نفسكم بعيد عن أي خناقة. لو فضلت الأمور زي ما هي، هرجع أنا وولادي لما أحس إن في احترام لحدود بيتنا. ولو مفيش تغيير... ساعتها كل واحد هيمشي في طريقه.
سكت حازم.
قرأ الخطاب مرة تانية.
ثم تالتة.
كان واضح إن سناء ما كتبتش كلمة وهي منفعلة، لكن بعد تفكير طويل.
رفع رأسه وقال لأمه
أنا أول مرة أحس إنها كانت بتتكلم بالعقل... وإحنا اللي
كنا بنقفل وداننا.
حماته ما ردتش.
فضلت باصة
في الأرض.
وفي نفس اللحظة، وصل إشعار على موبايل حازم.
رسالة قصيرة من سناء
أنا مش مستنية اعتذار بالكلام... أنا مستنية أشوف أفعال.
قرأها أكثر من مرة.
ثم قام من مكانه فجأة، وأخذ مفاتيح العربية.
أمه سألته بقلق
رايح فين؟
وقف عند الباب، وبص لها نظرة مختلفة عن أي مرة فاتت، وقال
رايح أصلح اللي كنت سايبه يبوظ سنين... ولو اتأخرت أكتر من كده، يمكن أخسرهم للأبد.
ثم خرج وأغلق الباب خلفه...
ولم تكن أمه تعرف هل سينجح في إصلاح ما انكسر، أم أنه وصل متأخرًا جدًا؟حازم أخد نفسًا عميقًا، وبص لسناء مباشرة.
قال بهدوء
مش هقولك وعود كبيرة، لأنك سمعتي مني كلام كتير قبل كده. لكن هقولك أول حاجة هعملها أول ما أخرج من هنا.
سناء عقدت إيديها وقالت
اتفضل.
قال
هروح لأمي، وأقولها إن أي مساعدة بعد النهارده هتبقى بقدر اللي نقدر عليه، وبعد ما نغطي احتياجات بيتنا. ومفيش جنيه هيخرج من غير ما إحنا الاتنين نبقى متفقين.
سناء ما ابتسمتش.
قالت
وبعدين؟
رد
ولو احتاجت حاجة فعلًا، هنساعدها إحنا الاتنين، لكن مش على حساب ولادنا.
فضلت ساكتة.
كان واضح إنها مش هتصدق بالكلام.
قالت
أنا تعبت من الوعود يا حازم.
هز رأسه وقال
معاكي حق.
وسابها ونزل.
بعد ساعة، دخل شقة أمه.
كانت أول ما شافته قالت
ها... رجعت مراتك؟
قال بهدوء
لسه.
قالت بثقة
طيب هترجع، هي مالهاش غير بيتها.
رد وهو واقف مكانه
هترجع لما تحس إن البيت بقى بيتها فعلًا.
استغربت من نبرته.
قالت
يعني إيه؟
أخرج من جيبه ظرفًا فيه مبلغ من المال.
حطه على الترابيزة.
وقال
ده اللي أقدر أساعدك بيه الشهر ده.
بصت للظرف وقالت بضيق
فين باقي مرتبك؟
قال بثبات
في بيتي.
اتغير وشها.
يعني مراتك علمت عليك؟
رد لأول مرة من غير صوت عالي
لا... هي علمتني الفرق بين بر الأم، وظلم الزوجة.
حماته قامت واقفة وقالت بغضب
أنا تعبت في تربيتك عشان تيجي في الآخر تسمع كلامها؟
قال
بهدوء
وأنا هفضل ابنك طول
عمري... لكن بقيت كمان مسؤول عن زوجتي وأولادي. والاتنين ليهم حق.
ساد صمت طويل.
كانت دي أول مرة حازم يحط حدود من غير قلة أدب، ومن غير إهانة.
أما سناء...
فكانت قاعدة في بيت أهلها، وموبايلها رن.
وصلتها رسالة قصيرة جدًا من حازم
أنا بدأت أول خطوة... والباقي هيثبت بالأيام، مش بالكلام.
قرأت الرسالة، وقفلت الموبايل.
لكنها لم ترد.
لأنها كانت قررت أن المرة دي، لن تحكم على الكلمات... بل على الأفعال مر أسبوع كامل.
لا سناء رجعت، ولا حازم ضغط عليها.
كان كل يوم بعد الشغل يروح يشوف أولاده، يقعد معاهم ساعتين، يساعدهم في المذاكرة، ويمشي.
ولا مرة قال لها
ارجعي.
كان كل اللي يقوله قبل ما يمشي
لو احتجتوا أي حاجة، أنا موجود.
وده كان أول تغيير حقيقي سناء تشوفه فيه.
وفي الناحية التانية...
حماته كانت مستغربة.
كل ما تطلب فلوس، يرد بهدوء
هشوف ميزانية البيت الأول.
ولو طلبت مبلغ كبير، يقول
مقدرش.
ولأول مرة، كلمة مقدرش كانت بتتقال باحترام... لكن بحسم.
بعد كام يوم، راحت بنفسها بيت سناء.
كانت متوقعة إن سناء هتطردها.
لكن سناء فتحت الباب وقالت
اتفضلي.
دخلت وهي باصة في الأرض.
قعدت دقيقة كاملة من غير ما تتكلم.
ثم قالت بصوت مكسور
أنا ظلمتك.
سناء فضلت ساكتة.
حماتها كملت
كل مرة كنت باخد فلوس، كنت أقنع نفسي إن ده حقي... لحد ما نسيت إن ليكي حق إنتي كمان.
نزلت دموعها.
وقالت
أنا خسرت راحة ابني... وكدت أخسره هو وأولاده.
سناء سألتها بهدوء
إنتِ جاية تعتذري... ولا جاية تقنعيني أرجع؟
ردت بسرعة
لا... جاية أعتذر وبس. قرار الرجوع ده قرارك إنتي.
سناء لأول مرة حسّت إن الكلام خارج من قلبها.
لكنها قالت
الجرح كبير... ومحتاج وقت.
هزت حماتها رأسها.
وقالت
وأنا مستعدة أستنى.
خرجت من البيت وهي أخف من يوم ما دخلت.
وفي المساء...
رن جرس الباب.
فتحت سناء.
كان حازم واقف، ومعاه الأولاد، وفي إيده مفتاح الشقة.
مده لها وقال
المفتاح
ده
مكانه في إيدك. والبيت من غيرك ومن غير الأولاد مجرد شقة.
سناء بصت للمفتاح... ثم بصت له.
ولأول مرة من وقت الأزمة...
ظهر على وشها أثر ابتسامة صغيرة جدًا.
لكنها كانت عارفة إن الابتسامة وحدها لا تكفي...
وإن القرار الحقيقي لسه قدامها سناء أخدت المفتاح من إيده، لكنها ما دخلتش الشقة.
بصت لحازم وقالت بهدوء
أنا مش هرجع لمجرد إنك جبت المفتاح. الرجوع معناه إن اللي حصل عمره ما يتكرر.
حازم هز راسه.
معاكي حق.
قالت
أنا عندي شرط.
إيه هو؟
من النهارده، أي قرار يخص بيتنا أو فلوسنا، يبقى بينا إحنا الاتنين. ولو حد طلب مساعدة، نقعد ونتكلم ونشوف نقدر ولا لأ. لكن محدش يفرض علينا حاجة.
رد من غير تردد
موافق.
قالت
وفي شرط تاني... لو والدتك احتاجت مساعدة فعلًا، هنساعدها بما يرضي ربنا، لكن من غير ما نحرم ولادنا أو نعيش مديونين.
ابتسم ابتسامة خفيفة وقال
وده اللي كنت ناوي أعمله.
في اللحظة دي، الأولاد جَروا على أمهم.
أصغرهم مسك إيديها وقال
يا ماما... إحنا وحشناك أوي.
حضنتهم وهي بتحاول تمنع دموعها.
بعد يومين، رجعت سناء البيت.
كان أول شيء لاحظته إن حازم كان غير ترتيب البيت بنفسه، وحاطط على السفرة ورقة صغيرة مكتوب فيها
شكرًا إنك اديتِني فرصة أصلح غلطاتي.
ومرت الشهور...
حماته بقت تيجي تزورهم، لكن من غير ما تطلب فلوس أو تتدخل في قراراتهم.
ولو احتاجت مساعدة، كانت تقول
لو ينفع... ولو ظروفكم تسمح.
وسناء وحازم كانوا يساعدوها على قد استطاعتهم، من غير ما يتضرر بيتهم.
أما حازم...
فكان كل أول شهر، يحط المرتبين قدام سناء ويقول
يلا نعمل ميزانية الشهر.
كانت تبتسم، لأن الاحترام رجع قبل الفلوس.
وبعد سنة...
كانت حماته قاعدة وسط أولادها وأحفادها، وقالت قدام
الكل
أنا زمان افتكرت إن ابني لازم يرضيني حتى لو على حساب بيته... لكن اتعلمت
إن الأم اللي بتحب ابنها بجد، تحافظ على بيته، مش تهده.
بصت لسناء وقالت
سامحيني.
ابتسمت
سناء وقالت
المسامحة
سهلة... المهم إننا اتعلمنا.
وانتهت القصة، بعدما فهم الجميع أن برّ الوالدين لا يعني ظلم الزوجة أو الأولاد، وأن البيت لا يقوم على المال وحده، بل على الاحترام والعدل والتفاهم.

تم نسخ الرابط