ساعدت راحل كبير
ساعدت راجل كبير في السن وقع في الشارع من شدة الحر لكن بالليل، لقيت ورقة كان حطها في جيبي من غير ما أحس، وأول ما قريتها إيديا بدأت تترعش.
الشهر اللي فات، القاهرة كانت بتمر بموجة حر من أسوأ اللي شوفتها في حياتي.
حر مش بس بيلسع جلدك
لأ.
كان بيكتم على صدرك، ينشف ريقك، ويخلي الدنيا كلها ساكتة بشكل غريب.
بعد الضهر، الشوارع كانت شبه فاضية.
الناس اللي تقدر تقعد في بيوتها، ماكنتش بتنزل.
حتى الشوارع اللي عمرها ما بتهدى، كانت شبه مهجورة تحت الشمس القاسېة.
كنت لسه مخلصة شغلي في المخبز، وكل اللي بفكر فيه إني أروح.
هدومي كانت مبلولة من حر الأفران.
رجليا ۏجعاني.
راسي بتصدع.
وفي إيدي إزازة مية فاضل فيها النص تقريبًا.
وكان عندي هدف واحد بس
أروح.
أستحمى.
وأرتاح.
لكن وأنا معدية جنب موقف الأتوبيس، شوفته.
راجل كبير في السن قاعد لوحده على الكرسي.
في الأول، كنت هكمل طريقي.
كان لابس شيك رغم الحر.
قميص أزرق فاتح، بنطلون غامق، وجزمة بنية متلمعة.
شعره الأبيض كان متسرح بعناية، لكن وشه كان أحمر ومغرق عرق.
كان كل شوية يمسح جبينه بمنديل قماش، وبعدها ينزل راسه كأنه بيحارب عشان يفضل صاحي.
مش عارفة ليه
لكن حاجة فيه خلتني أبطّأ خطواتي.
إيديه كانت بتترعش.
الموقف كان ليه سقف، لكن الشمس اتحركت وبقت ضاربة عليه مباشرة.
كان باين عليه التعب.
والخۏف.
والوحدة.
قربت منه.
يا حاج حضرتك كويس؟
رفع عينيه وبصلي، لكن نظرته كانت مشوشة.
أنا كويس يا بنتي مستني الأتوبيس بس.
صوته كان ضعيف جدًا.
بصيت للطريق.
مكانش فيه أي أتوبيس جاي.
معاك مية؟
قبل ما يرد، إيده وقعت من على ركبته.
عينيه اتقلبت.
وفجأة
وقع على الأرض.
لثانية واحدة مرعبة، اتجمدت مكاني.
وبعدين رميت شنطتي وجريت عليه.
يا حاج! سامعني؟ حضرتك سامعني؟
ماردش.
كام واحد في الناحية التانية
من
ست بطّأت خطواتها، فضلت باصة ثواني، وبعدها كملت طريقها.
العربيات كانت بتعدي.
الدنيا ماشية عادي.
كأن مفيش إنسان واقع قدامهم في عز الحر ومش قادر يساعد نفسه.
نزلت على ركبي جنبه، حاولت أغطي وشه من الشمس، وفكيت أول زرار في قميصه، واتصلت بالإسعاف وإيديا بتترعش.
لما عينيه بدأت تفتح تاني، كان باين عليه إنه مش فاهم هو فين.
إنت كويس إنت وقعت بس، والإسعاف جاية. خليك معايا، حاضر؟
أول حاجة قالها وجعت قلبي.
أنا آسف يا بنتي آسف إني عطلتك.
عطلتني؟
الراجل كان ممكن ېموت في الشارع، وكان بيعتذرلي عشان عطّلني!
إنت ماعطلتنيش ولا حاجة. وماتعتذرش، لو سمحت.
ساعدته يشرب رشفات صغيرة من المية.
إيده كانت بتترعش في إيدي.
كان محرج.
خاېف.
وتعبان لدرجة إني حسيت إنه ممكن يغيب عن الوعي تاني لو بطلت أكلمه.
ففضلت جنبه.
أنا اسمي سلمى حضرتك اسمك إيه؟
رمش ببطء.
عبدالرحمن.
ابتسمت.
اسم جميل.
ظهرت ابتسامة صغيرة جدًا على شفايفه.
مراتي الله يرحمها كانت بتقول كده.
الله يرحمها.
كان فيه ۏجع كبير مستخبي في الكلمتين.
ماعنديش فكرة ليه، لكني ما سألتش عن حاجة تانية.
فضلت أتكلم معاه لحد ما صوت الإسعاف ظهر أخيرًا.
المسعفين وصلوا وشالوه بحذر على الترولي.
وقفت بعيد وأنا فاكرة إن دوري خلص.
كنت مغرقة عرق.
هدومي عليها تراب.
وإيديا لسه بتترعش من الخۏف.
لكن قبل ما يقفلوا باب الإسعاف، عبدالرحمن مد إيده فجأة ومسك رسغي.
مش بقوة.
بس كفاية عشان أبصله.
عينيه كانت تعبانة
لكن المرة دي كانت صاحية وواضحة.
شكرًا يا سلمى.
سكت لحظة.
وبعدين قال
أنا مش هنسي اللي عملتيه.
ابتسمتله.
إن شاء الله هتبقى كويس.
باب الإسعاف اتقفل.
والعربية مشيت.
وكنت متأكدة إن دي آخر مرة هشوف فيها عبدالرحمن.
بالليل، رجعت شقتي الصغيرة.
غسلت وشي.
غيرت هدومي.
وحاولت
آكل
لكن عقلي كان عند الراجل العجوز.
يا ترى هو كويس؟
عنده أولاد؟
حد راحله المستشفى؟
ولا هو لوحده فعلًا؟
بعد شوية، وقفت في المطبخ وفضيت جيوبي على الرخامة زي ما بعمل كل يوم.
المفاتيح وقعت الأول.
وبعدين إيصال قديم.
وشوية فكة.
وبعدين
وقعت حاجة تانية.
ورقة صغيرة متطبقة.
وقفت مكاني.
كنت متأكدة إن الورقة دي
ماكنتش في جيبي الصبح.
مسكتها.
وكان اسمي مكتوب عليها بخط مهزوز.
سلمى.
كنت متأكدة إن الورقة دي ماكنتش في جيبي الصبح. مسكتها بحذر، كأنها قطعة جليد بټحرق إيدي، وفتحتها ببطء أول ما قريت الكلمات اللي مكتوبة بخط عبدالرحمن المهزوز، إيديا بدأت تترعش لدرجة إن الورقة كادت تقع مني، وقلبي دق بسرعة لدرجة حسيت إنه هينفجر من مكانه.
تحت اسمي، كان مكتوب
يا بنتي، لو تقري الكلام ده، اعرفي إنك الوحيدة اللي قدرت أسلمها الأمانة دي. أنا مش عارف هل أنا عايش ولا مېت لما تيجي تعرفي، لكن اعرفي إنك اخترتيك عشان قلبك الطيب، وعشان مفيش حد غيرك يستحق يحمل الحقيقة دي. خدي العنوان ده، وروحي هناك قبل ما يلحقوا بيكي زي ما لحقوا بكل حد حاول يقول الحقيقة. العنوان شارع النصر، عمارة ١٢، شقة ٨، عين شمس. واعرفي إن الورقة دي مش بس ملكي، هي ملكك وملك كل اللي اتظلموا. وماتثقش في حد حتى الأقربين.
وتحت الكلام، كان رسم صغير جدًا لزهرة اللوتس، نفس الزهرة اللي كانت منقوشة على خاتم فضي لسه لامس إيدي لما مسكت يده في الشارع.
جلست على الكرسي، والورقة لسه في إيدي، وعقلي بيضرب في كل اتجاه. إزاي الورقة دي وصلت لجيبي؟ ومين اللي هو يلحقوا بيكي؟ وإيه الأمانة دي اللي بيتكلم عنها؟ الراجل كان قاعد لوحده، ومش كان عنده حد، فمين اللي بېخاف منه؟
قضيت الليل كله سهرانة، مش عارفة أنام ولا أغمض عيني. كل ما أغمض عيني، بشوف نظرة عبدالرحمن الأخيرة،
وبشوف
كانت من اليوم ده.
في الصبح، طلعت من الشقة بدري، ومشيت لعين شمس. الطريق كان طويل، والشمس كانت قاسېة زي ما كانت امبارح، لكني ماكنتش حاسة بالحر ولا بالتعب. كل ما كنت بفكر فيه هو العنوان اللي في الورقة، وإيه اللي هلقاه هناك. لما وصلت للعمارة، لقيتها عمارة قديمة، بناية من الطوب الأحمر، وسلالمها ضيقة ومظلمة، والريحة فيها ريحة تراب وعطر قديم. صعدت السلالم خطوة بخطوة، وقلبي بيخفق، ولما وصلت لباب الشقة رقم ٨، وقفت لحظة، ومسحت العرق من جبيني، وضغطت على الجرس.
مش سمعت رد أول مرة. ضغطت تاني، وتالت، وفجأة سمعت صوت خطوات بطيئة من جوا، والباب اتفتح شوية، وظهرت وش ست عجوز، لابسة ملابس سوداء، وشعرها أبيض ومربوط خلف راسها، وعينيه الكبيرتين كانتا بتشوفاني بقلق.
مين حضرتك؟ بتسألني بصوت خاڤت.
أنا سلمى قلت بصوت متردد، وجيت من طرف الحاج عبدالرحمن.
لما سمعت اسمه، عينيه اتوسعت، وفتحت الباب كله بسرعة، ومسكت إيدي بكل قوتها.
دخل يا بنتي بسرعة، قبل ما حد يشوفك.
دخلت، والست أغلقت الباب وقفلته بالمفتاح والمزلاج، وبعدين لفتت عليا وقالت
هو كويس؟ هو عايش؟
هو في المستشفى امبارح، وقع من الحر، لكن الحمد لله لما مشيت العربية كان فاقد الوعي وبيتكلم قلت، وقلت لها على الورقة اللي لقيتها في جيبي.
لما شافت الورقة، عيطت، ومسحت دموعها بكم ملابسها، وقعدت على الكنبة القديمة في الصالة، وقالت
أنا سميحة يا بنتي مرات أخوه الكبير. وعبدالرحمن كان لوحده من سنين طويلة، بعد ما ماټت مراته وابنه الوحيد في حاډثة غريبة، ومحدش صدق إنها حاډثة
سكتت لحظة، واخدت نفس عميق، وكملت والدموع
بتسيل
عبدالرحمن كان محامٍ يا سلمى من أشهر المحامين في القاهرة في التسعينات. كان بيدافع عن الفقراء
والمظلومين، ومش بېخاف
من أي حد، مهما كانت