ساعدت راحل كبير

لمحة نيوز

وإنك ما بعتش الحق ولا خفت من حد. أنا كنت مجرد وسيلة عشان الحق يظهر.
وبعد شهور، اتعافت حالة عبدالرحمن تمامًا، وبدأت حياته ترجع لطبيعتها شوية. اشترى بيت صغير في منطقة مصر الجديدة، وقرر يكمل مشواره، ويعمل جمعية خيرية تساعد الناس اللي تعرضوا للظلم ومش عارفين يوصلوا لحقوقهم. وطلب مني أعمل معاه في الجمعية، ووافقت طبعًا، لأن القضية دي غيرت مني كتير، وعرفت إن الصدفة مش صدفة، وإن الله بيبعتلك الناس في الوقت المناسب عشان تساعدهم أو يساعدوك.
يومًا ما، كنت قاعدة معاه في حديقة بيته، وشفت زهرة اللوتس مزروعة في الزاوية، فقلت له
كنت عارف إن الزهرة دي هتكون المفتاح لكل ده؟
ابتسم وقال
مراتي كانت بتحبها أوي، كانت بتقول
إن اللوتس بيكبر في الميه الطينية، وبيطلع أجمل زهرة نقية، مهما كانت الميه اللي بتنبت فيها قڈرة. زي الحق تمامًا، مهما حاولوا يخفوه في الطين والظلام، لازم يطلع نقي واضح للكل.
والحمد لله، طلع الحق، وظهر للناس كلها، واتعلمت درس كبير من القصة دي إن مساعدة إنسان واحد، حتى لو بسيطة، ممكن تغير مصير ناس كتير، وإن الخير اللي بتعمله بييجي ليك في الوقت اللي مش عارفه، وإن مهما كانت قوة الظالم، فقوة الحق والصبر أقوى وأكبر منها بكتير.
وبعد سنين، لما كنت بتكلم للشباب في الجمعية، كنت دايما أقول لهم ما تستهنوش بأي معروف تعملوه، ولا تقلقوا من كلام الناس أو خوفهم، فالله بيختار أهل الخير
عشان يحملوا أمانة الحقيقة، والحق لازم ينتصر في النهاية، مهما طال الزمن أو كثرت العقبات.
وهكذا، انتهت القصة اللي بدأت بموجة حر قاسېة، وراجل عجوز وقع في
الشارع، وورقة صغيرة غيرت كل حياتنا، وردت الحق لأصحابه، وعلمتنا إن الخير ما بيعملش ضايع أبدًا.
ساعدت راجل كبير في السن وقع في الشارع من شدة الحر لكن بالليل، لقيت ورقة كان حطها في جيبي من غير ما أحس، وأول ما قريتها إيديا بدأت تترعش الشهر اللي فات، القاهرة كانت بتمر بموجة حر من أسوأ اللي شوفتها في حياتي حر مش بس بيلسع جلدكلأ كان بيكتم على صدرك، ينشف ريقك، ويخلي الدنيا كلها ساكتة بشكل غريب بعد الضهر، الشوارع كانت شبه فاضية الناس اللي تقدر تقعد في بيوتها، ماكنتش بتنزل حتى الشوارع اللي عمرها ما بتهدى، كانت شبه مهجورة تحت الشمس القاسية كنت لسه مخلصة شغلي في المخبز، وكل اللي بفكر فيه إني أروح هدومي كانت مبلولة من حر الأفران رجليا وجعاني راسي بتصدع
وفي إيدي إزازة مية فاضل فيها النص تقريبًا وكان عندي هدف واحد بسأروح أستحمى وأرتاح لكن وأنا معدية جنب موقف الأتوبيس، شوفته راجل كبير في السن قاعد لوحده على الكرسي في الأول، كنت هكمل طريقي كان لابس شيك رغم الحر قميص أزرق فاتح، بنطلون غامق، وجزمة بنية متلمعة شعره الأبيض كان متسرح بعناية، لكن وشه كان أحمر ومغرق عرق كان كل شوية يمسح جبينه بمنديل قماش، وبعدها ينزل راسه كأنه بيحارب عشان
يفضل صاحي مش عارفة ليهلكن حاجة فيه خلتني أبطّأ خطواتي إيديه كانت بتترعش الموقف كان ليه سقف، لكن الشمس اتحركت وبقت ضاربة عليه مباشرة كان باين عليه التعب والخوف والوحدة قربت منه يا حاج حضرتك كويس؟رفع عينيه وبصلي، لكن نظرته كانت مشوشة أنا كويس يا بنتي مستني الأتوبيس بس صوته كان ضعيف جدًا بصيت للطريق مكانش فيه أي أتوبيس جاي معاك مية؟قبل ما يرد، إيده وقعت من على ركبته عينيه اتقلبت وفجأةوقع على الأرض لثانية واحدة مرعبة، اتجمدت مكاني وبعدين رميت شنطتي وجريت عليه يا حاج! سامعني؟ حضرتك سامعني؟ماردش كام واحد في الناحية التانية من الشارع بصوا علينا ست بطّأت خطواتها، فضلت باصة ثواني، وبعدها كملت طريقها العربيات كانت بتعدي الدنيا ماشية عادي كأن مفيش إنسان واقع قدامهم في عز الحر ومش قادر يساعد نفسه نزلت على ركبي جنبه، حاولت أغطي وشه من الشمس، وفكيت أول زرار في قميصه، واتصلت بالإسعاف وإيديا بتترعش لما عينيه بدأت تفتح تاني، كان باين عليه إنه مش فاهم هو فين إنت كويس إنت وقعت بس، والإسعاف جاية. خليك معايا، حاضر؟أول حاجة قالها وجعت قلبي أنا آسف يا بنتي آسف إني عطلتك عطلتني؟الراجل كان ممكن
يموت في الشارع، وكان بيعتذرلي عشان عطّلني!إنت ماعطلتنيش ولا حاجة. وماتعتذرش، لو سمحت ساعدته يشرب رشفات صغيرة من المية إيده كانت بتترعش في إيدي كان محرج خايف وتعبان لدرجة إني حسيت إنه ممكن يغيب
عن الوعي تاني لو بطلت أكلمه ففضلت جنبه أنا اسمي سلمى حضرتك اسمك إيه؟رمش ببطء عبدالرحمن ابتسمت اسم جميل ظهرت ابتسامة صغيرة جدًا على شفايفه مراتي الله يرحمها كانت بتقول كده الله يرحمها كان فيه وجع كبير مستخبي في الكلمتين ماعنديش فكرة ليه، لكني ما سألتش عن حاجة تانية فضلت أتكلم معاه لحد ما صوت الإسعاف ظهر أخيرًا المسعفين وصلوا وشالوه بحذر على الترولي وقفت بعيد وأنا فاكرة إن دوري خلص كنت مغرقة عرق هدومي عليها تراب وإيديا لسه بتترعش من الخوف لكن قبل ما يقفلوا باب الإسعاف، عبدالرحمن مد إيده فجأة ومسك رسغي مش بقوة بس كفاية عشان أبصله عينيه كانت تعبانةلكن المرة دي كانت صاحية وواضحة شكرًا يا سلمى سكت لحظة وبعدين قالأنا مش هنسي اللي عملتيه ابتسمتله إن شاء الله هتبقى كويس باب الإسعاف اتقفل والعربية مشيت وكنت متأكدة إن دي آخر مرة هشوف فيها عبدالرحمن بالليل، رجعت شقتي الصغيرة غسلت وشي غيرت هدومي وحاولت آكل أي حاجة لكن عقلي كان عند الراجل العجوز يا ترى هو كويس؟عنده أولاد؟حد راحله المستشفى؟ولا هو لوحده فعلًا؟بعد شوية، وقفت في المطبخ وفضيت جيوبي على الرخامة زي ما بعمل كل يوم المفاتيح وقعت الأول وبعدين إيصال قديم وشوية فكة وبعدينوقعت حاجة تانية ورقة صغيرة متطبقة وقفت مكاني كنت متأكدة إن الورقة دي ماكنتش في جيبي الصبح مسكتها وكان اسمي مكتوب عليها بخط مهزوز سلمى لايك وصلو علي
النبي
وهرد عليكم

تم نسخ الرابط