سافروا وسابوني
إيده على الأرض.
أما الدكتور الخاص...
فبقى يبص حواليه في ارتباك...
وكأنه بيدور على أي طريق يهرب منه.
بص ياسين مباشرة لرامي، وقال بصوت ثابت
أنا سمعت كل كلمة اتقالت في الأوضة دي.
سمعتك وإنت بتطلب من الدكتور يزودلي جرعات المهدئات.
وسمعت أمي وهي بتسأل... هيفضل عامل زي الخضار لحد إمتى.
وسمعت أبويا وهو بيقول إن نادية هي اللي هتتحمل كل الذنب.
وسمعتك وإنت فرحان إن الحادثة حصلت في الوقت المثالي... عشان تنقذك من ديونك.
في اللحظة دي...
ساب رامي دراعي فورًا...
ورجع خطوتين لورا.
وقال وهو بيحاول يتمالك نفسه
إنت مش في وعيك يا ياسين...
كل اللي بتقوله ده بسبب تأثير الأدوية الثقيلة.
رد ياسين من غير ما يهز عينه عنه
نفس الأدوية...
اللي كنتوا بتدوهالي...
من غير أي روشتة قانونية من دكتور.
في اللحظة دي...
دخل أشرف من ناحية السفرة...
وكان معاه د. عمرو...
والموثق القانوني.
ودخل وراهم كمان الخبير المالي...
شايل اللابتوب.
وقف أشرف وقال بصوت سمعه كل الموجودين
كل اللي حصل من شوية...
اتسجل بالصوت والصورة.
بما فيهم اللحظة...
اللي حاولتوا فيها تجبروا نادية على التوقيع بالقوة.
لف رامي ناحية كريمة بعين مليانة غضب.
وقال
إنتِ خنتينا!
نزلت دموع كريمة...
لكنها وقفت مكانها بثبات وقالت
أنا محتفظة بكل رسايلك...
وكل التسجيلات الصوتية اللي كنت بتبعتها يا رامي.
شغّل الخبير المالي الملفات على الشاشة الكبيرة.
ظهرت الأرقام قدام الكل.
رامي وهشام...
كانت عليهم ديون...
قيمتها تسعة وتمانين مليون.
وكشفت الملفات إنهم استخدموا توقيع ياسين المزور...
عشان يرهنوا الورشة...
والمعدات...
والأرض...
كضمان للقروض اللي أخدوها.
وبعدين...
اشتغل أول فيديو.
كان ظاهر فيه رامي...
وهو بيسلم ظرف مليان فلوس للدكتور الخاص.
وقال في التسجيل
التقرير لازم يبان احترافي.
وأوعى تكتب أي حاجة...
تثبت إنه يقدر يفكر أو يتكلم.
اتشغل الفيديو اللي بعده.
وكان عبدالرحمن قاعد في مكتبه...
وبيقول ببرود
خلوا مراته تمضي.
ولو رفضت...
خلوا الشرطة تفتكر إنها فقدت عقلها.
وعشان كده...
في حبوب النوم.
شهقات الصدمة...
علت في الأوضة كلها.
المرة دي...
سعاد انفجرت في البكاء بجد.
وقالت وهي بتترعش
أنا... أنا كنت بس بحاول أنقذ ولادي من السجن.
بصلها ياسين...
بنظرة كلها وجع.
وكان الوجع اللي في عينه...
أقسى من أي صريخ.
وقال بهدوء
وأنا كنت إيه بالنسبة لك يا أمي؟
حساب بنكي؟
بوليصة تأمين؟
ولا الابن اللي سهل تضحي بيه...
عشان رفض يمشي على قوانين شركاتكم؟
همست وهي بترتعش
إحنا... ماكنّاش عايزين
نموتك.
كنا بس محتاجين
قال ياسين بهدوء قاتل
إنتوا كتبتوا شهادة وفاتي.
سكتت.
وملقتش كلمة واحدة ترد بيها.
وفجأة...
وقع هشام على ركبته.
وانفجر في العياط.
وقال بصوت متقطع
أنا كنت عارف موضوع المستندات المزورة...
لكن والله...
ماكنتش أعرف أي حاجة عن السموذي.
أقسم بالله.
لما لقيت شهادة الوفاة في درج المكتب...
خفت.
أنا اللي خبيت الشنطة في الجنينة.
وأنا اللي بعتلك الإيميلات المجهولة يا ياسين.
كنت مرعوب من رامي...
ومن بابا...
وكمان...
من إني أخسر كل فلوسنا.
نظر ياسين إلى هشام وقال ببرود
وفي الوقت اللي إنت كنت خايف فيه...
مراتي...
كانت قاعدة كل ليلة جنب سريري...
وهي فاكرة إني هموت في أي لحظة.
غطى هشام وشه بإيديه...
وانهار وهو بيقول
أرجوك سامحني...
هز ياسين رأسه وقال بهدوء
الحقيقة...
ممكن تخفف عنك الحكم قدام المحكمة.
لكنها...
مش هتمحي اللي عملتوه فينا.
في اللحظة دي...
حاول الدكتور الخاص يهرب من الباب الخلفي.
لكن...
كان فيه اتنين من رجال الشرطة واقفين مستنيينه.
وقفوا في طريقه...
ومسابوهوش يتحرك خطوة.
دخل معاهم محامي المستثمرين...
وأكد قدام الكل إن رامي كان واعد المستثمرين...
إنه هيسدد كل ديونه...
من فلوس بوليصة التأمين الخاصة بياسين.
وقع عبدالرحمن على أقرب كرسي.
ولأول مرة...
ماكنش شكله رئيس عيلة قوي.
كان مجرد راجل عجوز...
اكتشف متأخر...
إن فلوسه ونفوذه...
مش هيقدروا ينقذوه من السجن.
أما رامي...
ففضل يحاول يجادل رجال الشرطة.
وقال بانفعال
أنا عملت كل ده علشان أحافظ على شغل العيلة!
لو الشركة وقعت...
مئات الموظفين البسطاء هيخسروا شغلهم!
بصيتله وقلت بهدوء
لأ...
إنت عملت كل ده علشان كبرياءك.
كان قدامك حلول كتير.
كان ممكن تقفل المحلات.
أو تبيع القصور اللي عندك.
أو حتى تتفاوض مع البنوك.
لكن إنت...
قررت إن حياة أخوك...
أرخص من مستوى المعيشة اللي متعود عليه.
بدأ رجال الشرطة يجمعوا كل الأدلة.
زجاجة الحبوب.
الكشكول الأسود.
الموبايلات.
والملفات الطبية.
وبعدها...
لبسوا رامي...
وعبدالرحمن...
والدكتور الخاص...
الكلابشات...
واخدوهم معاهم.
أما سعاد...
فاتحولت للتحقيق...
بتهم الاحتيال...
والمشاركة في جريمة التسميم.
أما هشام...
فوافق إنه يقول الحقيقة كاملة قدام المحكمة...
مقابل تخفيف العقوبة.
وأثناء ما رجال الشرطة كانوا خارجين برامي من الباب...
لف وبص لياسين.
وقال بحقد
إنت بنفسك دمرت عيلتك.
كان ياسين مستند على المخدة...
وجسمه لسه ضعيف جدًا.
لكن صوته...
كان ثابت.
وقال
لأ...
إنت اللي دمرت العيلة...
من أول لحظة...
قررت فيها إن حياتي...
مجرد
وسيلة...
تسدد بيها ديونك.
وأخيرًا...
ساد الهدوء أرجاء البيت.
لكن فجأة...
فقد ياسين وعيه...
من شدة الإرهاق.
جريت عليه بسرعة.
واترعبت.
أما د. عمرو...
فاتصل بالإسعاف الحقيقي.
وتم نقل ياسين فورًا...
إلى مستشفى متخصص.
وهناك...
بدأ الأطباء الحقيقيون...
أكد الأطباء الحقيقيون في المستشفى...
إن مخ ياسين...
كان سليم تمامًا.
كل اللي كان بيعاني منه...
إصابة قوية في الرأس.
وجفاف شديد.
وضعف في العضلات...
بسبب إنه فضل نايم فترة طويلة.
وكمان...
الجرعات الكبيرة من المهدئات...
اللي كانوا بيدوهاله...
من غير أي داعي طبي.
رحلة علاجه...
ماكنتش سهلة.
استغرقت شهور.
في الأول...
كان بيتعلم يمشي من جديد.
لأن الدوخة...
كانت بتهاجمه كل ما يقف على رجليه.
وفي ليالي كتير...
كان يفوق مفزوع من النوم.
وجسمه كله عرق.
ويصرخ وهو فاكر...
إن حد بيغرز إبرة في دراعه...
علشان يحقنه بالمهدئات تاني.
وأنا...
اتغيرت أنا كمان.
بقيت أبص على كل كباية مية...
قبل ما أشربها أو أشربه منها.
وأراجع أي دوا...
ألف مرة.
وأتأكد إن كل باب...
مقفول كويس.
وكل شباك...
مؤمَّن.
اكتشفنا...
إن النجاة...
مش معناها إن الخوف بيختفي.
لكن معناها...
إنك تتعلم تعيش...
رغم الخوف.
أما الفيلا الكبيرة...
اللي كانت العيلة بتتباهى بيها...
فاتحجز عليها.
والبنوك...
استولت عليها...
بعد انهيار كل شيء.
وشركات ومستحقات رامي...
انهارت واحدة ورا التانية.
وقفلت محلاته...
بشكل نهائي.
أما القضية...
ففضلت شهور طويلة...
بين النيابة والمحكمة.
جلسات...
وتقارير.
وأوراق.
وشهود.
وفي وسط كل ده...
قرايب كتير...
كانوا أول ناس اتهمونا بالكذب.
رجعوا بعدين...
يقولوا للصحافة...
إنهم...
كانوا عارفين من الأول إن العيلة دي فاسدة.
ابتسمت بسخرية.
الناس...
دايمًا بتحب تقف...
في صف المنتصر.
أما إحنا...
فكان عندنا انتصار...
أغلى من أي حكم محكمة.
قررنا...
ما نرجعش البيت ده...
أبدًا.
اشترينا بيت صغير.
بسيط.
مليان نور.
من غير كاميرات...
ولا كشكول أسود.
ولا أقراص منومة.
ولا ناس...
بتستخبى ورا كلمة عيلة...
علشان تبرر جرايمها.
وفي أول ليلة...
بعد ما نقلنا.
صحيت في نص الليل.
لقيت ياسين...
واقف في البلكونة.
بيبص للسما.
خرجت وقفت جنبه.
مسكت إيده.
وسألته
بتفكر في إيه؟
ابتسم...
وقال بهدوء
كنت فاكر إن أغلى حاجة عندي هي شركتي.
وسكت شوية.
وبعدين بصلي.
وقال
طلع أغلى حاجة...
هي إنتِ.
حسيت دموعي بتنزل...
من غير ما أحس.
حضنته.
وقلت
وأنا...
لو رجع بيا الزمن ألف مرة...
هختارك إنت.
ابتسم.
ولأول مرة...
من يوم الحادث...
كان في ابتسامة...
طالعة
من
بعد سنة كاملة...
صدر الحكم النهائي.
تمت إدانة...
رامي...
وعبدالرحمن...
والطبيب الخاص...
بتهم التزوير.
والشروع في القتل.
والاحتيال.
وتكوين اتفاق جنائي.
أما سعاد...
فأدينت...
بالمشاركة في الجريمة.
وبمحاولة تسميم ياسين.
أما هشام...
فحصل على حكم أخف...
بعد ما اعترف بكل التفاصيل...
وساعد في كشف الحقيقة.
ولما خرجنا من المحكمة...
وقف ياسين...
بص للشمس.
وأخد نفس عميق.
وقال
الفلوس...
كانت السبب في إنهم يخسروا كل حاجة.
بصيتله...
وقلت
وإحنا؟
ابتسم...
ومسك إيدي.
وقال
إحنا...
كسبنا حياتنا من جديد.
وفي اللحظة دي...
فهمت...
إن الحقيقة...
ممكن تتأخر.
لكن...
عمرها...
ما بتموت.
اليوم...
اللي خرج فيه ياسين أخيرًا...
من مركز التأهيل...
كان ماسك عصاية بسيطة...
يسند عليها خطواته.
كانت السما...
صافية.
والهوا...
منعش...
بعد ليلة مطر طويلة.
أول ما ركبنا العربية...
مد إيده...
ومسك إيدي.
وبصلي...
وقال بصوت هادي
أنا آسف.
سكت شوية...
وبعدين كمل
آسف إني خليتك تعيشي كل الرعب ده.
اتأخرت أوي...
لحد ما عرفت حقيقتهم.
ابتسمت...
وضغطت على إيده.
وقلت
إنك تثق في أهلك...
مش جريمة.
الجريمة...
إنهم استغلوا ثقتك...
علشان يدمروك.
فضل يبصلي...
وكأن الحمل...
اللي كان شايله من سنين...
بدأ أخيرًا يخف.
بعد كام شهر...
بعنا جزء صغير...
من ورشة ياسين.
علشان نسدد مصاريف علاجه...
ونبدأ من جديد.
ورغم كل اللي حصل...
رفض يسرّح...
ولا عامل واحد.
وقال
الناس دي...
وقفت معايا...
لما الكل باعني.
وبعد فترة...
حقق الحلم...
اللي كان بيحكيلي عنه...
من أول جوازنا.
افتتح...
مخزن تبريد كبير.
يساعد...
صغار المزارعين...
يحفظوا محاصيلهم...
من غير ما يخسروها.
مابقاش...
رجل أعمال مشهور.
ولا ملياردير...
زي ما كانت عيلته بتحلم.
لكن...
كل مرة...
كان يسمع صوت الماكينات...
وهي شغالة في الورشة...
كانت ابتسامته...
تقول...
إنه كسب...
النجاح الحقيقي.
أما أنا...
فما احتفظتش...
بحاجة...
من البيت القديم.
ولا بصورة.
ولا بورقة.
ولا حتى بذكرى.
إلا...
ورقة واحدة بس.
أول صفحة...
من الكشكول الأسود.
اللي كانت مكتوب فيها...
نادية أعطت ياسين الجرعة المهدئة.
احتفظت بيها...
مش علشان أفتكر الوجع.
ولا علشان أفضل غاضبة.
لكن...
علشان أفضل فاكرة...
إن الكذبة...
حتى لو اتكتبت...
بخط جميل.
واتختمت.
واتوقعت.
واتحطت...
في ملف رسمي.
هتفضل...
كذبة.
وبس.
كتير من الناس...
بيسألوني
هو ياسين سامح أمه... أو هشام؟
والحقيقة...
إن التسامح...
مش معناه...
إنك ترجع تعيش مع اللي أذاك.
ولا إنك تنسى...
اللي عملوه.
التسامح.
..
معناه...
إنك تبطل تشيل الغضب...
جوا قلبك.
علشان تقدر...
تعيش حياتك...
في سلام.
إنك
تتولد...
في نفس العيلة...
مش بيدي أي حد...
الحق...
إنه يخونك.
أو يكذب
عليك.
أو يحاول...
ينهي حياتك.
وحبك لأهلك...
عمره...
ما المفروض يكون...
على حساب عمرك.
ولا كرامتك.
ولا أمانك.
لما البيت...
يبقى هو أخطر مكان عليك...
ويبقى اللي جواه...
مش عايزينك تعيش...
يبقى خروجك منه...
مش هروب.
ولا جريمة.
ده...
نجاة.
وأنت...
لو اكتشفت إن عيلتك كتبت شهادة وفاتك مقدمًا... علشان الفلوس... كنت هتقدر تسامحهم؟