امى بتموت ومش عارفه اسافر ليها
إليه بدهشة، فأكمل بصوت ثابت الناس حين تضيق بهم السبل لا يجدون سوى الكلام الجارح سلاحاً.. ومنة لم تقصد ما قالت.. أو ربما قصدته، لكن الحقيقة دائماً أكبر وأقوى من أكاذيبهم وخوفهم.
فتحت فمي لأسأله كيف يعرف كل هذا، وكيف يعرف حتى اسم منة، لكنه أشار لي بهدوء أن أتوقف، وقال سأشرح لك كل شيء بالتفصيل حين نصل. الآن أرجوكِ.. أخبريني شيئاً عن أمك.. عن فاطمة. ترددت قليلاً، ثم بدأت أتحدث.. تحدثت عن أمي التي كانت لي الأب والأم معاً، عن التي تحملت مرارة الحياة وحدها بعد أن رحل أبي وأنا طفلة لم أتجاوز السادسة، عن التي عملت خادمة في بيوت الغرباء لكي تُعلمني وتُربيني، عن التي لم تكل ولم تمل، ولم تذق طعم الراحة يوماً حتى رأتني أرتدي زي التمريض وأنا أُقسم على أن أكون طبيبة يومًا ما لكي أُعالج الناس وأرد لها جميل صنعها.
تحدثت وبكيت، وهو يستمع لي بكل تركيز، وكأنه يسمع قصة كان ينتظر سماعها منذ زمن طويل. كلما ذكرت صفة من صفات أمي، تلمع عيناه بريق غريب، وتتغير ملامحه ليعود إليها ذلك الحزن العميق الذي رأيته في بداية حديثنا. حين انتهيت، ساد صمت طويل بيننا، هو يُنظر إليّ بترقب، وأنا أنتظر منه أن يتحدث أخيراً ويكشف لي سر وجوده وسبب اهتمامه بي بكل هذا القدر.
عندما اقترب القطار من محطة الإسكندرية، بدأت ملامح آدم تتغير أكثر فأكثر، وكأن قراراً صعباً قد اتخذه في هذه اللحظات الأخيرة. قال بصوت ثقيل مليء بالجدية يا ندى.. ما سأخبرك به الآن قد يصدمك.. بل قد يُقلب حياتك رأساً على عقب. وأريدك أن تُصغِ إليّ جيداً قبل أن تحكمي على أي شيء.
نظرت إليه بقلب خافق، فأكمل وهو يُنظر إليّ
الفصل الثاني صدمة الحقيقة
كلماته وقعت عليّ كصاعقة مدمرة، جعلتني أهوي للخلف وأرتطم بمقعدي، وقلبي توقف عن النبض للحظة أو ربما لزمن طويل. حدقت فيه بعينين واسعتتين لا أصدق ما سمعته، وصرخت بصوت مرتعش ممزوج بالذهول والغضب زوجها؟! أمي كانت وحيدة طوال حياتي.. لم يكن لها رجل غير أبي الذي مات وأنا صغيرة! أنت تكذب! لماذا تختلق الأكاذيب؟!
لم يغضب، ولم يُبادِلني صراخاً بصراخ، بل بقي في مكانه مُتمسكاً بهدوئه الذي بدأ يُثير جنوني، وقال بصوت حازم لكنه لا يخلو من لين أعلم أن هذا صدمة قاسية.. وأعلم أنكِ تربيتِ على أنها وحيدة، وأن والدكِ هو الوحيد الذي عرفته. لكنني أقسم لكِ أنني زوج فاطمة.. وأنني لم أتخلى عنها طوعاً.. بل أُبعدت عنها وعنكِ بطرق شتى.
قفز القطار في تلك اللحظة داخل محطة الإسكندرية، وتوقف باهتزاز قوي، لكنني لم أشعر بشيء سوى نار الغضب التي تأكل أحشائي. وقفت على قدميّ وكدت أسقط من شدة ارتجاف ساقيّ، وقلت له بحدة أريد النزول الآن! لا أريد سماع أي كلام منك! أمي لم تكن لتخفي شيئاً كهذا عني أبداً! وقفت أتجه نحو الباب مسرعة، لكن صوته وصلني قوياً رغم ابتعادي إذا كانت بريئة كما تظنين.. فلماذا أخفت عليكِ أمر ميراثك؟ ولماذا حُرمتِ
جمدت قدماي في مكاني، وتحولت ببطء لأنظر إليه، فأكمل وهو يقترب مني بخطوات بطيئة وكأنه يسير على رؤوس أصابعه خوفاً من أن يُفزعني سأروي لكِ كل شيء من البداية إلى النهاية.. فإن وجدتِ في كلامي كذبة واحدة.. اتركني حينها وتعالي عني كما تشائين. لكن أرجوكِ.. قبل أن تحكمي.. اسمعيني حتى النهاية. فما حدث كان مؤامرة حيكت ببرودة دم لتفريق بيننا.. ولتسرق حقكِ وحق أمكِ.
بقيت واقفة في مكاني بين رغبة جامحة في الهروب ورغبة أقوى في معرفة الحقيقة التي بدأت تلوح في الأفق بظلالها الكثيفة. هزّني الفضول، وقلبي الذي عاد لينبض بسرعة جنونية دفعني لأن أُصغي إليه. أومأت برأسي ببطء، فقال آدم بصوت خافت وكأنه يعود بذاكرته عقوداً للوراء
كان ذلك قبل ولادتكِ بسنوات.. كنتُ قد تزوجتُ فاطمة عن حب عميق.. لم يكن بيننا سحابة غيم واحدة. كنتُ شاباً واعداً من عائلة عريقة، وكنتُ قد ورثتُ عن والديّ ثروة كبيرة وممتلكات شاسعة. لكن عائلتي.. وبالتحديد أخي الأكبر.. لم يكن يرغب في هذا الزواج. كان يطمع في كل ما أملك، وكان ينتظر أي فرصة لينفصلني عن طريقه. حين علم بحملي بكِ.. دبر لي مكيدة دنيئة.. اتهمني فيها بجرم لم أرتكبه، واستغل نفوذه وماله ليُزج بي في السجن.. ثم أتى إلى فاطمة وأخبرها أنني مت.. وأعطاها شهادة وفاة مُزورة. وهددها بأنها إن تحدثت لأحد أو حاولت البحث عن أي شيء.. سيقتلها ويقتل طفلتها التي لم تُولد بعد.. أنتِ يا ندى.
سقطت كلماته كالرصاص على رأسي، ودموعي تجمدت في محجريّ. تابع بصوت مخنوق بالبكاء لم يكتفِ
لم أستطع التماسك أكثر من ذلك، فانهرت أبكي بكل ما أملك من قوة، لا أدري هل أبكي حزناً على ما حدث لهم.. أم فرحاً بأنني وجدتُ من يُكمل نصف قصتي المفقود.. أم خوفاً من المستقبل المجهول الذي ينتظرنا. اقترب آدم مني ببطء، وبكل حنان وضع يده على كتفيّ وقال بصوت دافئ أعلم أنكِ مصدومة.. وأعلم أن هذا يحتاج لوقت لتستوعبيه.. لكن صدقيني.. ما زال أمامنا طريق طويل.. أخوكِ.. عمك.. لا يزال يتربص بنا.. وهو السبب في كل ما تمرين به الآن.. حتى منة وابنة خالتك.. هم جزء من هذا الكيد.. لقد أغراهم المال فباعوا ضمائرهم وآثروا راحتكِ على خيركِ.
رفعت رأسي بدهشة، فسألتُه بصوت متقطع منة؟.. وكيف لهم أن يكونوا متورطين؟ تنهد آدم بعمق وقال لقد وصلهم نبأ خروجي من السجن.. وعلموا أنني بدأتُ استعادة حقوقي.. فحاولوا بشتى الطرق إبعادكِ عن هنا.. وتأخيركِ عن الوصول إلى أمكِ.. لكي لا تسمعا الحقيقة معاً.. ولكي ينفردا بها