امى بتموت ومش عارفه اسافر ليها

لمحة نيوز


على التنازل عن كل ما تملك باسمكِ.. قبل أن تُخبركِ بأي شيء. الرسائل التي أرسلتها لكِ.. والرفض الذي قابلتهِ من الجميع.. كل ذلك كان مدبراً.. لكي تيأس وتستسلم وتُباع حقكِ بثمن بخس.
كلماته بدأت تُرتب الفوضى التي تعتمل في رأسي. تذكرتُ كلمات منة القاسية.. وتذكرتُ خالتي التي لم تُجب اتصالاتي.. وتذكرتُ صاحب المنزل الذي طالبني بالإيجار فوراً رغم علمه بظروفي.. كل قطع الأحجار بدأت تتراص أمام عينيّ لتُشكل صورة رهيبة لمؤامرة حيكت حولي بكل إحكام.
يجب أن نذهب الآن.. إلى المستشفى.. قبل أن يفوت الأوان قالها آدم بجدية تامة، وأخذ بيدي بكل رفق وكأنني كنز ثمين عاد إليه بعد طول انتظار. مشيتُ بجانبه، لا أعرف هل أنا في حلم أم في يقظة.. لكن شيئاً في أعماقي أخبرني أن خطواتي هذه المرة ليست في اتجاه المجهول.. بل في اتجاه الحقيقة التي طال انتظارها.

الفصل الثالث في رحاب المستشفى
وصلنا إلى المستشفى، خطواتنا سريعة في أروقتها البيضاء التي تُشبه الممرات في الأحلام المزعجة. كلما تقدمنا، ازداد خفقان قلبي، وكأن روحي تسبقني لتطمئن على أمي التي طالما كانت لي الملاذ الآمن. آدم بجانبي، يمشي بثبات لا يتزحزح، وبيده لا تزال تمسك يدي كأنه يمنحني من قوته ما يكفيني لتحمل ما قد ألقاه.
استقبلتنا الممرضة في الاستقبال بنظرة روتينية، لكن ما إن ذكرنا اسم أمي حتى تغيرت ملامحها ونظرت إلينا بقلق الحالة حرجة.. لا تزال في غرفة العمليات.. دخلت منذ ساعتين.. والطبيب قال إنها تعاني من نزيف حاد في الشرايين التاجية.. ونحن نحاول جاهدين إنقاذها. كادت ساقي أن تُخلّفا بي لولا يد آدم التي أسندتني من خصري، همس في أذني بصوت قوي تمالكي نفسك يا ندى.. فاطمة تحتاجكِ

قوية.. لا تُدعي اليأس يتسلل إليكِ.
جلسنا في انتظار خروج الطبيب، الدقائق تمر كأنها دهور. كل دقيقة تُمرّ أشعر وكأنها تُسحب من عمري. نظرت إلى آدم فوجدته يحدق في باب غرفة العمليات بنظرات ثاقبة، عيناه تلمعان بدموع يحبسها بكل شجاعة، وشفتاه تتحركان بصمت تلاوةً لا أسمعها. لم أشعر بالغربة معه كما توقعت.. بل على العكس، شعرت بقرابة عميقة، وكأنني أعرفه منذ مولدي.. وكأن صوته كان يُردد في أذنيّ منذ زمن سحيق.
بعد انتظار دام ما يزيد على الأربع ساعات، فُتح الباب أخيراً وخرج الطبيب يخلع قفازاته، وجهه لا يحمل سوى علامات الإرهاق. قفزتُ إليه مسرعة، وتساءلتُ بصوت مرتعش أرجوك.. أخبرني.. كيف حالها؟ تنهد الطبيب بعمق ونظر إليّ وقال لقد اجتازت المرحلة الحرجة.. لكنها لا تزال في غرفة العناية المركزة.. وعيها غير مستقر. هناك شيء غريب.. إنها تُردد اسمين بصوت خافت طوال الوقت.. اسمكِ يا آنسة ندى.. واسم آدم.
التفتُّ نحو آدم بسرعة، فوجدته قد سقط على المقعد خلفه، يخفي وجهه بين كفيه، وتبدو منه بكاءات مكتومة لم أشهد مثلها في حياتي. اقترب الطبيب منه بدهشة وقال هي في حالة ضعف شديد.. وتحتاج لراحة تامة. يمكنكما رؤيتها لدقائق معدودة فقط.
دخلنا الغرفة معاً. كانت أمي مستلقية على السرير، شاحبة الوجه، مغطاة بخراطيم وأجهزة تنفس، وموصولة بكل ما يُعينها على البقاء. ما إن رأتني حتى تلمع عيناها ببريق ضعيف، وحاولت أن تبتسم، فسقطت دمعة من عينها تسيل على خدها. ثم تحول نظرها ببطء نحو آدم.. وما إن وقعت عيناها عليه حتى اتسعت حدقتاها، وبدا في عينيّ مزيج لا يُوصف من الصدمة والفرح والذهول، وحاولت أن ترفع يدها المتعبة نحو وجهه.
انحنى آدم بجانب سريرها، وأخذ
يدها في كفيه، وقبلها بكل حب ولهفة، وقال بصوت خافت يملؤه الحنان لقد عدتُ يا فاطمة.. عدتُ إليكِ كما وعدتكِ.. سامحيني لأنني تأخرتُ كل هذا الزمن. انهمرت دموع أمي بغزارة، وحاولت أن تتكلم بصعوبة بالغة، بصوت بالكاد يُسمع آدم.. هل حقاً أنت.. أم أنني في حلم؟ رد عليها بكل صدق وحنان أنا آدم يا حبيبة عمري.. أنا هنا.. ولن أترككِ أبداً بعد اليوم.
وقفتُ بجانبهما، لا أملك سوى الدموع التي تُعبر عن كل ما يعتريني. نظرت إليّ أمي ثم إلى آدم، وسألت بصوت ضعيف أخبرتها؟ أومأ آدم برأسه إيجاباً، فدمعت عيناها ونظرت إليّ وقالت سامحيني يا بنيتي.. سامحيني لأنني أخفيتُ عنكِ الحقيقة كل هذه السنوات.. لم يكن بيدي خيار.. هددوني بقتلكِ إن تكلمت.. كنتُ أخاف عليكِ منهم.. أخاف أن يأخذوكِ مني.. فآثرتُ أن تعيشي مجهولة الهوية في أمان.. من أن تعيشي عيشة الأغنياء وتكوني هدفاً لهم.
اقتربتُ منها وقبلتُ يدها الدافئة، وقلتُ ببكاء لا يهم شيء يا أمي.. المهم أننا معاً الآن.. المهم أننا وجدناه أخيراً. بكت أمي وبكى آدم وبكيتُ أنا.. وكأن كل دموع السنين قد تدفقت في هذه اللحظة، لتغسل أحزان الماضي الطويل.
همست أمي بصوت واهن تعاليا.. اقتربا مني.. يجب أن أخبركما شيئاً مهماً.. قبل أن أكون بخير.. يجب أن تعرفا مكان الأوراق.. والمكان الذي خبأتُ فيه كل ما يُثبت الحقيقة.. لقد خبأتها في مكان لا يصل إليه أحد.. خوفاً من أن يُسرقها أولئك الأشرار.. توقف صوتها قليلاً، وأخذت تُكمل بصوت متقطع تحت أرضية غرفتي القديمة.. خلف حجر الأساس.. صندوق جلدي صغير.. فيه كل شيء.. الشهادات.. العقود.. شهادة الزور التي أُخذت مني بالإكراه.. وكل ما يُدين أخاك يا آدم.. وكل ما يُعيد الحق
لأصحابه.
كانت تتحدث وقلبى يرتجف، فهذا يعني أن المؤامرة كانت أعمق وأكبر مما توقعنا.. وأن العدو لا يزال يملك من القوة والنفوذ الكثير. أمي أغمضت عيناها بضعف، فقال الطبيب بصوت خافت يجب أن نخرج الآن.. حالتها تحتاج لهدوء تام. قبّل آدم جبينها بحرص، وهمس قرب أذنها ارتاحي يا حبيبتي.. لا تقلقي.. سأحضر الصندوق.. وسأسترد حقنا.. وسأحمي ندى بكل ما أملك من قوة.. لا يفرقنا أحد بعد اليوم.
خرجنا من الغرفة، وبينما كنتُ واقفة أفكر في كلام أمي، اقتربت مني ممرضة عجوز كانت تُراقبنا من بعيد، وقالت بصوت خافت وكأنها تخشى أن يسمعها أحد أنتِ ابنة فاطمة؟ أومأتُ برأسي متسائلة، فأكملت احذري ممن تثقين بهم يا بنيتي.. قبل يومين جاء رجل وامرأة.. يُدعّيان أنهما أخو زوج أمكِ وابنة خالتكِ.. سألا عن حالتها.. وعن أي أوراق أو أشياء تملكها.. قالا إنهما يريدان تجهيز أوراقها لاستلام معاشها.. فحذريهما.. فملامحهم لا تُوحي بالخير أبداً.
شعرتُ بصقيع يسري في عروقي.. لقد كانا يُدبران شيئاً.. لقد سبقونا بخطوات.. وما زال الخطر يُحدق بنا من كل جانب. التفتُّ نحو آدم فوجدته مُستغرقاً في تفكير عميق، وعلى وجهه ملامح عزم لا يُلين. اقتربتُ منه وأخبرته بما قالته الممرضة، فاشتدت قبضته على يدي وقال بصوت حازم لا تقلقي.. لن يصلوا إلى شيء. سأذهب أنا بنفسي لاستلام الصندوق.. وأنتِ ابقِي هنا بجانب أمكِ.. لا تُفتحي الباب لأحد.. ولا تُخبري أحداً بأي شيء.. حتى لو كان من أقرب الناس إلينا. هل تفهمينني؟
أومأتُ برأسي، وبينما كان يهمّ بالانصراف، أمسكتُ بيده قائلة بقلق وأنت؟ ألن تكون في خطر؟ التفت إليّ ونظر في عينيّ بكل حنان وقوة، وقال لا تخافي عليّ يا بنيتي.. لقد تحملتُ
الظالم
 

تم نسخ الرابط