تظاهري بانك زوجتي حكايات محمد نور
الحقيقة كاملة.
ثم أضاف
ولأنني وعدت نفسي إنك لو وافقتِ على الزواج، هتعيشي بأمان بعيد عن كل ده.
قال عمه ساخرًا
لكنها دخلت في قلب اللعبة بنفسها.
فجأة سُمع صوت من أعلى البيت.
صوت خطوات كثيرة.
قال فارس
مش لوحده.
نظر الجميع نحو السلم.
قال جاسم
رجاله دخلوا البيت.
أجاب عمه
مش رجالي.
تغير وجهه لأول مرة.
ثم أضاف
دول الناس اللي أنا كنت بحاول أهرب منهم.
سأل جاسم
مين؟
قال
اللي كانوا بيمولوا كل اللي حصل من البداية.
وفجأة انطفأ المصباح.
انتشر الظلام.
سمعوا صوت ارتطام، ثم صرخة أحد الرجال.
قال جاسم
سارة! خليكِ ورايا!
لكن صوتًا آخر جاء من الظلام
محدش يتحرك.
ثم أضيء مصباح صغير في آخر الغرفة.
ظهر رجل غريب يحمل حقيبة.
وضعها على الطاولة.
قال
كل الأسرار دي مش مهمة.
فتح الحقيبة.
كانت مليئة بوثائق وصور.
ثم أخرج صورة واحدة ووضعها أمام سارة.
كانت الصورة لزوجها.
لكن بجانبه...
كان جاسم.
والأغرب أن الصورة كانت مؤرخة قبل زواج سارة من جاسم بعشر سنوات.
قالت سارة
إيه ده؟
نظر جاسم إلى الصورة، وتجمد مكانه.
قال الرجل
دلوقتي بقى السؤال الحقيقي.
ثم نظر إلى جاسم.
إنت قابلت زوج سارة قبل ما تعرفها بسنين.
هز جاسم رأسه.
أنا ما قابلتوش.
ابتسم الرجل.
متأكد؟
ثم أخرج صورة ثانية.
وفيها كان جاسم يقف بجوار زوج سارة ووالد سارة وإسماعيل شاهين.
قال الرجل
كل واحد فيكم كان جزءًا من القصة.
ثم اقترب من سارة.
لكن فيه شخص واحد بس كان عارف إنك هتتجوزي جاسم من قبل ما تتقابلي معاه.
سألته سارة
مين؟
رفع الرجل عينيه نحو والدها.
وقال
أبوكِ.ساد الصمت في الغرفة.
كانت سارة تنظر
إلى والدها، وكأنها تنتظر منه أن ينفي كل شيء.
لكنه لم يفعل.
قالت بصوت خافت
بابا... كنت عارف إن جاسم هيتجوزني؟
خفض محمود عينيه.
كنت أعرف إن احتمال كبير يحصل.
يعني إيه احتمال؟
إسماعيل كتب في وصيته إنك لازم تكوني تحت حماية شخص من عائلة شاهين.
تدخل جاسم
لكن ده مش معناه إني كنت مخطط أتجوزها.
قال محمود
أنا عارف.
ثم نظر إلى سارة.
أنا ما رتبتش زواجك من جاسم.
أمال مين؟
قبل أن يجيب، تكلم الرجل صاحب الحقيبة
أنا.
رفع الجميع رؤوسهم.
قال جاسم
إنت؟
أيوه.
مين أنت أصلًا؟
ابتسم الرجل.
اسمي نادر.
ثم وضع مجموعة أوراق على الطاولة.
وأنا كنت الوصي على أملاك إسماعيل شاهين.
اتسعت عينا جاسم.
الوصي؟
نعم.
قال فارس
لكن الوصي المفروض يحضر بعد المعاينة.
أجاب نادر
المعاينة كانت مجرد ستار.
نظر إلى سارة.
الحقيقة إن إسماعيل ترك تعليمات سرية قبل وفاته.
سألت
إيه التعليمات؟
إن لو ظهر أي خطر عليكِ، يتم نقلك إلى بيت شاهين فورًا.
قال جاسم
ولهذا السبب جئت إلى الخان.
أومأ نادر.
أنا اللي أخبرتك بمكانها.
نظر جاسم إليه بصدمة.
إنت؟
نعم.
ثم قال
لكنني لم أتوقع أن الأمور ستصل إلى هنا.
ضحك عم جاسم.
أنت دائمًا كنت تتصرف وكأنك تتحكم في الجميع.
التفت إليه نادر.
وأنت كنت دائمًا تحاول إفساد كل شيء.
قال جاسم
كفاية.
ثم نظر إلى سارة.
لازم تعرفي حاجة.
اقترب منها.
أنا أول مرة شفتك فيها كانت في الخان.
هزت رأسها.
أنا
مصدقاك.
وما كنتش أعرف إنك مرتبطة بكل ده.
قالت
بس أنا لسه مش فاهمة ليه كل الناس دي بتدور ورايا.
أجاب نادر
لأنك الوحيدة التي تحملين الحق القانوني في ملكية الأرض.
ثم أخرج مستندًا.
والأهم أن هناك اتفاقًا سريًا بين عائلة والدك وعائلة شاهين.
فتحت سارة المستند.
قرأته بسرعة.
ثم قالت
ده مكتوب فيه إن الأرض هتفضل محمية من البيع لمدة خمسين سنة.
قال نادر
صحيح.
سأل جاسم
مين المستفيد؟
قال نادر
السكان اللي عايشين في المنطقة.
تدخل عمه
ولهذا السبب حاول بعض الناس التخلص من إسماعيل.
قال جاسم
وإنت كنت واحد منهم.
كنت أحاول الاستيلاء على الأرض.
قالها الرجل بلا تردد.
ثم أضاف
لكن الأمور خرجت عن سيطرتي.
فجأة سمعوا ضوضاء في الخارج.
قال فارس
في ناس وصلت.
اقترب من النافذة.
ثم عاد بسرعة.
في عربيات عند البيت.
قال جاسم
كم واحدة؟
أربع.
قال نادر
إذن عرفوا مكان الوثائق.
أغلقت سارة الملف.
وماذا نفعل الآن؟
نظر جاسم إليها.
هنخرج من الباب الخلفي.
لكن عمه قال
الباب الخلفي مراقب.
قالت هناء
في ممر ثاني.
نظر إليها جاسم.
فين؟
أشارت إلى الحائط.
وراء المدفأة.
أزاح جاسم المدفأة، فظهر باب صغير.
قال
إزاي عرفتي؟
لأني عشت هنا وأنا صغيرة.
سألها
إنتِ كنتِ هنا؟
أيوه.
مع مين؟
نظرت إلى والد سارة.
مع أبو سارة.
تجمدت سارة.
بابا؟
قال محمود
كنت بحاول أحميها.
إنت كنت بتربي هناء هنا؟
أجاب
لفترة قصيرة.
ثم أضاف
وكان لازم أخفيها لأن عم جاسم كان بيدور عليها.
نظر جاسم إلى عمه.
ليه؟
قال عمه
لأن هناء كانت شاهدة على اللي حصل لإسماعيل.
هنا فهم جاسم شيئًا.
إذن هناء شافت القاتل.
أومأت.
شفت كل حاجة.
اقتربت سارة منها.
مين قتله؟
نظرت هناء إلى عم جاسم.
ثم قالت
مش هو.
صمت الجميع.
قال جاسم
أمال مين؟
أشارت هناء إلى نادر.
تجمد المكان.
نادر.
نظر جاسم إلى الرجل.
أنت؟
قال نادر بهدوء
هناء كذبت.
لكن هناء صرخت
أنا شفتك!
تراجع نادر خطوة.
وفجأة أخرج ملفًا آخر من حقيبته.
لو أنا قتلت إسماعيل... ليه هو كتب اسمي في وصيته؟
فتح الملف.
كان هناك مستند يحمل توقيع إسماعيل.
لكن جاسم لاحظ شيئًا.
اقترب منه.
ثم قال
التوقيع مزور.
نظر نادر إليه.
إزاي عرفت؟
أجاب جاسم
لأن أبي كان يكتب اسمه بطريقة مختلفة.
سكت نادر.
ثم ابتسم.
إذن وصلتوا للحقيقة.
وفي اللحظة نفسها، سُمع صوت تحطم الزجاج في الطابق العلوي.
ثم صوت رجال يقتحمون البيت.
أطفأ جاسم المصباح.
وقال
الكل يدخل الممر.
تحركوا بسرعة.
لكن قبل أن تدخل سارة، سمعت صوتًا خلفها.
سارة.
التفتت.
كان نادر يقف وحده.
قال
لو دخلتِ الممر، مش هتعرفي الحقيقة عن زوجك.
توقفت.
إيه الحقيقة؟
قال
هو ما ماتش.
اتسعت عيناها.
إنت بتقول إيه؟
أجاب
زوجك موجود في نفس الجبل.
ثم أضاف
وهو الشخص اللي بعتني عشان أوصلك هنا توقفت سارة مكانها.
كانت الجملة الأخيرة كفيلة بأن تجعل كل ما عاشته خلال السنوات الماضية يعود أمام عينيها دفعة واحدة.
زوجي موجود هنا؟
أومأ نادر.
في الجبل.
اقتربت منه خطوة.
فين؟
لو قلت لكِ، هتروحي له من غير ما تعرفي الحقيقة كاملة.
قالت بغضب
أنا من حقي أعرف!
وهتعرفي... لكن مش دلوقتي.
ظهر جاسم عند مدخل الممر.
سارة!
التفتت إليه.
جاسم، هو بيقول إن زوجي عايش.
نظر جاسم إلى نادر.
ثم قال
إنت بتلعب بأعصابها.
أجاب نادر
أنا بقول الحقيقة.
إذن وريني دليل.
أخرج نادر صورة صغيرة من جيبه.
ناولها لسارة.
نظرت إليها.
كان فيها رجل يقف أمام كوخ خشبي.
ملامحه لم تكن واضحة تمامًا، لكن سارة عرفت الملابس.
كانت نفس السترة التي ارتداها زوجها في آخر صورة رأتها له.
قالت
إمتى اتصورت الصورة دي؟
من أسبوع.
ارتجفت يدها.
أسبوع؟
أومأ نادر.
والصورة اتاخدت فين؟
على الجانب الآخر من الجبل.
اقترب جاسم وأخذ الصورة.
ظل ينظر إليها للحظات.
ثم قال
دي مش صورة حديثة.
رفع نادر حاجبه.
إزاي؟
أشار جاسم إلى الخلفية.
الشجرة اللي وراه دي انكسرت من سنتين.
ساد الصمت.
نظر نادر إلى الصورة.
ثم ابتسم.
كويس.
قال جاسم
كويس؟
لأنك أثبت إن الصورة قديمة... لكنك ما أثبتش إن الرجل مات.
تدخلت سارة
كفاية ألغاز.
ثم نظرت إلى نادر.
إنت تعرف مكانه؟
أعرف.
خدني له.
قال جاسم فورًا
لا.
التفتت إليه.
ليه؟
لأننا ما نعرفش إذا كان نادر بيقول الحقيقة.
قال نادر
وإنت كمان عندك أسرار عنها.
تجمد جاسم.
قالت سارة
إيه الأسرار؟
لم يجب.
قال نادر
اسأليه عن أول مرة شاف زوجك.
نظرت سارة إلى جاسم.
إنت شفت زوجي قبل كده؟
سكت جاسم.
جاوبني.
قال
أيوه.
إمتى؟
قبل عشر سنين.
فين؟
في المحكمة.
ليه؟
كان فيه قضية تخص أرض والدك.
سألت
وكان زوجي طرف فيها؟
أيوه.
وإنت كنت تعرفه؟
ما كانش بينا معرفة شخصية.
أخذت نفسًا عميقًا.
ثم قالت
طيب ليه ما قلتليش؟
لأن الموضوع ما كانش مهم.
ردت
واضح إنه مهم جدًا.
وفجأة سمعوا أصوات الرجال فوقهم.
قال فارس
لازم نتحرك.
دخلت سارة الممر.
لكن قبل أن تنزل، نظرت خلفها.
كان نادر لا يزال واقفًا.
قالت
لو كنت بتكدب عليّ... مش هسامحك.
أجاب
لو كنت بكذب، ما كنتش وريتكِ الصورة.
ثم أضاف
لكن في حاجة لازم تعرفيها قبل ما تروحي له.
توقفت.
إيه؟
قال
زوجك هو اللي طلب من والدك يبعده عنك.
تجمدت سارة.
ليه؟
لأنه كان يعرف إن وجوده جنبك هيعرضك للخطر.
قال جاسم
يبقى كان بيحميها.
بالضبط.
ثم نظر نادر إلى جاسم.
لكن أنت ما كنتش مجرد بديل في الخطة.
قال جاسم
قصدك إيه؟
إسماعيل اختارك أنت تحديدًا.
سألت سارة
ليه؟
أجاب نادر
لأن جاسم كان الشخص الوحيد اللي رفض يبيع الأرض رغم أن كل أفراد العائلة ضغطوا عليه.
ثم أضاف
والدك كان يعرف ذلك.
سكتت سارة.
بدأت تفهم شيئًا فشيئًا.
زواجها من جاسم لم يكن مجرد اتفاق بسبب وصية.
كان هناك أشخاص يراقبونها منذ سنوات.
وكان والدها يعرف أكثر مما أخبرها.
وزوجها الراحل، إن كان فعلًا حيًا، اختار الاختفاء لحمايتها.
لكن سؤالًا واحدًا ظل بلا إجابة
لماذا اختار الجميع سارة تحديدًا؟
وصلوا إلى نهاية الممر.
وجدوا بابًا حجريًا قديمًا.
فتحه جاسم.
خرجوا إلى غابة كثيفة خلف الجبل.
كانت الثلوج قد بدأت تهدأ.
قال والد سارة
من هنا نقدر نوصل للطريق القديم.
سألته
وإلى أين يؤدي؟
أجاب
إلى بيت قديم.
توقفت.
بيت مين؟
نظر إليها.
بيت زوجك.
شعرت سارة بأن قلبها توقف لحظة.
قال جاسم
إذن نروح هناك.
لكن هناء أمسكت بيده.
استنى.
نظر إليها.
إيه؟
قالت
البيت مش فاضي.
سألها
مين فيه؟
نظرت إلى سارة.
شخص واحد.
مين؟
قالت
الرجل اللي كان بيزور زوجك بعد اختفائه.
سألت سارة
مين؟
أجابت هناء
فارس.
التفت الجميع إلى فارس.
كان واقفًا بعيدًا عنهم.
ولأول مرة...
لم ينكر.
قال بهدوء
أيوه.
اقترب جاسم منه.
كنت بتروح له؟
نعم.
وكنت عارف إنه حي؟
نعم.
تجمدت سارة.
قالت
من إمتى؟
رفع فارس عينيه إليها.
من يوم وفاته المزعوم.
قالت
ليه خليتني أفتكره مات؟
أجاب
لأن زوجك هو اللي طلب مني.
ليه؟
لأنه كان خايف إن اللي بيدوروا على المفتاح يوصلوا لكِ.
ثم أخرج فارس مفتاحًا صغيرًا.
لكن دلوقتي خلاص.
سألته سارة
خلاص إيه؟
نظر إلى الجبل خلفها.
ثم قال
اللي كانوا بيطاردوكم عرفوا مكان البيت.
وفي نفس اللحظة...
ظهر ضوء قوي بين الأشجار.
ثم ظهر رجلان يمتطيان الخيل.
قال أحدهما
ما تتحركوش.
توقف الجميع.
رفع جاسم سلاحه.
لكن فارس أمسك بذراعه.
استنى.
نظر إلى الرجلين.
ثم تغير وجهه.
قال بصوت منخفض
دول مش رجال نادر.
سألت سارة
أمال مين؟
لم يجب.
ترجل أحد الرجلين من حصانه.
وتقدم نحوها.
ثم أخرج ورقة مختومة.
وقال
سارة بنت محمود... عندنا أمر رسمي بأخذك إلى دار الوصاية.
تجمدت سارة.
نظر جاسم إلى الورقة.
ثم قال
مين أصدر الأمر؟
أجاب الرجل
الوصي الجديد.
سأل جاسم
مين؟
رفع الرجل عينيه.
وقال
زوج سارة.
ساد صمت تام.
ثم أضاف
هو بنفسه طلب حضورها لم تستوعب سارة ما سمعته.
زوجي... هو اللي طلب حضوري؟
أخرج الرجل الورقة مرة أخرى ومدها إلى جاسم.
الأمر موقع باسمه.
أخذ جاسم الورقة وفحص الختم والتوقيع.
ثم رفع عينيه.
الختم حقيقي.
قالت سارة
يعني هو عايش؟
أجاب الرجل
لم أقل ذلك.
تدخل فارس
بس الأمر صادر باسمه.
أومأ الرجل.
صحيح.
سألت سارة
فين هو؟
مش من اختصاصي أقول.
تقدم جاسم خطوة.
لو مش هتقول، مش هتتحرك.
أمسك الرجل بسلاحه.
وأنا عندي أمر رسمي.
قال جاسم
وأنا عندي زوجة مش هتروح مع حد مجهول.
نظرت سارة إليه.
ثم قالت
جاسم، أنا عايزة أروح.
التفت إليها.
إنتِ متأكدة؟
لو هو فعلًا عايش، لازم أعرف.
صمت جاسم لحظة.
ثم قال
هروح معاكي.
رد الرجل
الأمر يخص سارة فقط.
يبقى مش هتروح.
تبادل الرجلان النظرات.
ثم قال أحدهما
ممكن يرافقها شخص واحد.
أجاب جاسم فورًا
أنا.
تحركوا نحو الخيول.
لكن قبل أن تغادر سارة، اقترب منها والدها.
قال
اسمعيني.
نظرت إليه.
لو قابلتي زوجك... ما تروحيش معاه لأي مكان لوحدك.
ليه؟
لأننا لسه ما عرفناش ليه طلبك.
بس هو جوزي.
قال والدها
أنا عارف.
ثم أضاف
لكن الشخص اللي كان بيحميكِ زمان، مش بالضرورة يكون هو نفسه دلوقتي.
شعرت سارة بالقلق.
صعدت إلى العربة، وجلس جاسم بجوارها.
انطلقت المجموعة عبر الطريق الجبلي.
مرّت ساعات.
كلما ابتعدوا، أصبحت الغابة أكثر كثافة.
حتى وصلوا إلى وادٍ لم تره سارة من قبل.
في نهايته ظهر بيت حجري كبير محاط بسور مرتفع.
توقفت العربة.
قال الرجل
وصلنا.
ترجل جاسم أولًا.
ثم ساعد سارة على النزول دون أن يقترب منها أكثر مما يلزم.
فتحت البوابة.
دخلوا.
كان البيت مضاءً بالكامل.
لكن لم يكن هناك أحد في الخارج.
سارت سارة داخل الردهة.
على الجدران صور قديمة لعائلات كثيرة.
وفجأة توقفت أمام صورة.
كانت لزوجها.
لكن الصورة لم تكن حديثة.
كان يقف فيها وهو أصغر سنًا.
وبجانبه رجل آخر.
جاسم.
تجمدت سارة.
إنت قلت إنك ما كنتش تعرفه.
قال جاسم
أنا قلت ما كانش بينا معرفة شخصية.
بس الصورة دي؟
ظل صامتًا.
إمتى اتصورت؟
نظر إليها.
من حوالي عشر سنين.
إذن كنت تعرفه.
قال جاسم
كنت أعرفه بشكل عابر.
لكن قبل أن تكمل...
جاء صوت من أعلى السلم.
خليه يشرح.
رفعت سارة رأسها.
كان رجل يقف هناك.
طويل.
وجهه شاحب.
شعره أطول مما تتذكر.
لكنها عرفته
فورًا.
توقفت أنفاسها.
أنت...
لم يتحرك.
قال بصوت هادئ
سارة.
لم تصرخ.
لم تقترب.
فقط وقفت تنظر إليه.
ثم قالت
إنت عايش.
أجاب
أيوه.
نظرت إلى جاسم.
ثم إليه.
ليه عملت كده؟
كنت مضطر.
سبتني أدفنك وأبكي عليك.
خفض عينيه.
كنت عارف.
وسبتني أعيش سنين وأنا فاكرة إني أرملة.
علشان أحميكِ.
قالت بغضب
أنا ما طلبتش الحماية دي.
صمت.
ثم نزل الدرج ببطء.
توقف على مسافة منها.
أنا عارف.
سألت
مين كان بيهددك؟
الناس اللي عندها مصلحة في الأرض.
وإيه علاقتك بأبويا؟
تردد.
أبوكِ أنقذ حياتي.
تجمدت سارة.
إزاي؟
قال
لما اكتشف إنهم عايزين يستخدموني للوصول لكِ، ساعدني أختفي.
ثم نظر إلى جاسم.
وإسماعيل شاهين ساعدنا.
قال جاسم
إذن أنت كنت تعرف أبي.
أيوه.
وعرفت إنه مات؟
عرفت.
وعرفت مين قتله؟
صمت الرجل.
ثم قال
أعرف.
اقتربت سارة خطوة.
مين؟
وقبل أن يجيب...
انفتح باب البيت بعنف.
دخل والد سارة.
وخلفه فارس.
قال محمود
متقولش.
التفت الجميع إليه.
الحقيقة دي لازم تخرج في وقتها.
صرخت سارة
أنا تعبت من كلمة وقتها!
ثم نظرت إلى زوجها.
أنا عايزة أعرف مين قتل إسماعيل.
ظل زوجها صامتًا.
ثم قال
أنا.
ساد صمت مرعب.
شهقت سارة.
نظر جاسم إليه بصدمة.
وقال
إنت بتقول إيه؟
رفع الرجل عينيه.
أنا كنت آخر شخص شاف إسماعيل حي.
ثم أضاف
والناس كلها افتكرت إنه مات بسبب عمه.
سأل جاسم
لكن إنت قتلته؟
هز رأسه.
لا.
أمال ليه قلت أنا؟
أجاب
لأنني لو قلت اسم القاتل الحقيقي الآن... الشخص الموجود بيننا هيموت قبل ما يقدر يدافع عن نفسه.
نظر الجميع إلى بعضهم.
ثم قال
القاتل الحقيقي...
موجود في هذا البيت تجمد الجميع.
حتى صوت الرياح خارج النوافذ بدا وكأنه اختفى.
قال جاسم
مين؟
لم يجب زوج سارة.
ظل ينظر إلى الوجوه واحدًا تلو الآخر.
ثم قال
قبل ما أقول الاسم، لازم تفهموا إن إسماعيل ما اتقتلش في المكان اللي أنتم فاكرينه.
سألت سارة
أمال مات فين؟
ما ماتش هنا.
تدخل والدها
كفاية.
التفتت إليه سارة.
إنت عارف؟
أعرف جزءًا.
وأنا تعبت من الأجزاء.
سكت محمود.
قال جاسم
كمّل.
تنفس زوج سارة بعمق.
في الليلة اللي اختفى فيها إسماعيل، طلب مني أقابله في البيت القديم.
رحت؟
أيوه.
ولقيت مين؟
لقيت إسماعيل... وفارس.
نظر جاسم إلى فارس.
كان واقفًا في صمت.
قال جاسم
وإيه اللي حصل؟
أجاب فارس
إسماعيل كان عايز يهرب.
ليه؟
لأنه اكتشف إن عمه كان بيبيع الأراضي سرًا.
تدخل العم
كذب.
رد فارس
إنت كنت بتبيع الأراضي بأسماء وهمية.
قال جاسم
وإسماعيل اكتشفك.
أومأ فارس.
أيوه.
سأل جاسم
وبعدين؟
قال زوج سارة
وصلت متأخرًا.
ثم نظر إلى سارة.
وجدت إسماعيل مصابًا.
شهقت.
مين ضربه؟
ما شفتش.
لكن كنت موجود.
كنت.
وما ساعدتوش؟
ساعدته.
إذن إزاي مات؟
قال
لأن شخصًا آخر دخل المكان.
تدخلت هناء
أنا شفته.
التفت الجميع إليها.
شفت مين؟
قالت
شفت الشخص اللي دخل بعد زوج سارة.
نظر إليها جاسم.
مين؟
أجابت
أمي.
تجمد جاسم.
التفت إلى والدته.
أمي؟
لم تجب.
قال
قولي إن ده مش صحيح.
رفعت رأسها ببطء.
كنت هناك.
شهقت سارة.
إنتِ؟
قالت المرأة
نعم.
سألها جاسم
إنتِ اللي قتلتي أبويا؟
هزت رأسها.
لا.
أمال كنتِ بتعملي إيه؟
كنت بحاول أنقذه.
صمت الجميع.
ثم قالت
إسماعيل كان يعرف إنهم هيقتلوا جاسم لو فضح الحقيقة.
نظر جاسم إليها.
علشاني؟
أبوك كان مستعد يضحي بنفسه.
ثم أضافت
لكن شخصًا آخر سبقه.
سأل زوج سارة
مين؟
نظرت المرأة إلى فارس.
هو.
صرخ فارس
أنا كنت بحمي إسماعيل!
ردت
كنت بتحاول، لكنك وصلت متأخر.
قال جاسم
مين ضربه؟
ساد الصمت.
ثم ظهر صوت من خلفهم
أنا.
التفت الجميع.
كان عم جاسم يقف عند الباب.
لكن هذه المرة لم يكن وحده.
كان بجواره رجل آخر يحمل ملفًا.
قال العم
أنا ضربت إسماعيل.
شهقت هناء.
لكن الرجل أكمل
لكنني لم أقتله.
نظر جاسم إليه بغضب.
إذن مين قتله؟
ابتسم العم.
الشخص اللي كان آخر واحد معاه.
ساد الصمت.
نظر الجميع إلى زوج سارة.
فقال
أنا؟
هز العم رأسه.
نعم.
سارة تراجعت خطوة.
لكن زوجها لم يتحرك.
قال
كنت أعرف إنهم هيشكوا فيّ.
ثم أخرج من جيبه ورقة.
ولهذا احتفظت بالدليل.
فتح الورقة.
كانت شهادة طبية قديمة.
توضح أن إسماعيل توفي بعد نقله إلى مكان آخر، وليس في البيت القديم.
قال جاسم
يعني حد أخده.
أيوه.
سألته سارة
مين؟
نظر زوجها إلى والدها.
محمود.
تجمدت سارة.
بابا؟
خفض محمود رأسه.
أنا نقلته.
ليه؟
لأنه كان لسه عايش.
وبعدين؟
أخدته للمكان الآمن.
ومات هناك؟
هز رأسه.
لا.
رفعت سارة رأسها.
إيه؟
قال محمود
إسماعيل عاش بعدها ست شهور.
شهقت سارة.
قال جاسم
إذن وصية أبي اتكتبت وهو حي؟
أومأ محمود.
نعم.
سأل جاسم
فين كان؟
أجاب محمود
في مكان ما حدش يعرفه غيري.
تقدم زوج سارة.
وأنا.
نظر إليه محمود.
أنت عرفت بعدين.
ثم قال
لكن إسماعيل ترك رسالة أخيرة.
أخرج ظرفًا صغيرًا.
مده إلى سارة.
كان مكتوبًا عليه
لسارة... عندما تصبح مستعدة لمعرفة كل شيء.
فتحت سارة الظرف.
وجدت سطرًا واحدًا فقط
ابنتي، إذا وصلتِ إلى هذه الرسالة، فاعلمي أن الرجل
الذي ظننتِ أنكِ فقدته لم يكن آخر خسارة في حياتك...
توقفت.
قلبت الورقة.
لم يكن هناك شيء.
قال جاسم
الرسالة ناقصة.
هز محمود رأسه.
لأن الجزء الثاني مع الشخص الذي أخفى الحقيقة.
سألت سارة
مين؟
نظر محمود إلى الباب.
ثم قال
الشخص اللي وثقت فيه إسماعيل أكثر من أي أحد.
فجأة...
انطفأت أنوار البيت.
وفي الظلام، سُمع صوت قفل الباب الرئيسي.
ثم جاء صوت رجل من الخارج
محدش هيخرج من هنا.
تجمد الجميع.
قال فارس
اتحاصرنا.
ثم أضاء ضوء واحد في آخر الممر.
ظهر رجل يحمل الجزء الثاني من الرسالة.
وقال
وأنا جاي أقول لكم مين هو ظل الرجل واقفًا في آخر الممر، والرسالة في يده.
لم يستطع أحد رؤية وجهه بوضوح.
قال جاسم
اظهر وشك.
ضحك الرجل.
مش مهم تعرفوا أنا مين دلوقتي.
رد جاسم
بل مهم.
قال الرجل
لأن الحقيقة اللي في الورقة أهم من اسمي.
رفع الورقة.
إسماعيل كتب إن الشخص اللي وثق فيه أكثر من أي حد... هو الشخص اللي كان مسؤولًا عن حمايته.
نظر الجميع إلى بعضهم.
قال فارس
نادر.
لم يجب الرجل.
تقدم جاسم خطوة.
نادر
جاء صوت من خلفهم
هنا.
التفت الجميع.
كان نادر يقف عند مدخل غرفة أخرى.
وفي يده مفتاح.
قال
جاسم
إنت اللي قفلت البيت؟
أجاب
أنا.
صرخت سارة
ليه؟
نظر إليها.
لأنك لازم تسمعي الحقيقة كاملة قبل ما يخرج أي حد.
قال زوج سارة
أنت عارف إنهم هيقتلوا بعض لو فضلت تلعب بالطريقة دي.
أجاب نادر
أنا مش بلعب.
ثم أشار إلى الرسالة.
أنا أنفذ آخر وصية لإسماعيل.
قال جاسم
إذن اقرأ.
فتح نادر الرسالة.
بدأ يقرأ
يا من وصلت إلى هذه الكلمات... إذا كانت سارة معك، فلا تخبرها بالحقيقة كاملة قبل أن تتأكد من شيء واحد.
توقف.
سأل جاسم
إيه هو؟
أكمل نادر
تأكد أن الرجل الذي تزوجها لم يتزوجها طمعًا في الأرض.
ساد الصمت.
نظر الجميع إلى جاسم.
قالت سارة
إسماعيل كان بيشك فيك؟
أجاب جاسم
أبويا كان بيشك في الكل.
أكمل نادر
إذا كان جاسم قد تزوج سارة من أجل المال أو الأرض، فابعدوها عنه فورًا.
ثم رفع عينيه.
لكن إذا تزوجها لحمايتها، أعطوه الرسالة الثانية.
قالت سارة
والرسالة الثانية فين؟
أشار نادر إلى جاسم.
معه.
تجمد جاسم.
أنا؟
نعم.
فتش جاسم جيوبه.
ثم أخرج ظرفًا صغيرًا.
كان قديمًا، ومغلقًا بالشمع.
نظر إلى سارة.
أنا ما كنتش أعرف ده إيه.
أخذت الظرف منه.
فتحت الشمع.
خرجت ورقة واحدة.
وكان أول سطر فيها
إلى جاسم... إذا أصبحت سارة زوجتك، فاعرف أنني وثقت بك أكثر من ابني.
رفع جاسم رأسه.
ثم تابع القراءة.
لا تحاول أن تملكها، ولا أن تتحكم فيها، ولا أن تخبرها بما لا تريد معرفته. احمِ حقها فقط، واترك لها قرار حياتها.
توقفت سارة.
كانت الكلمات واضحة.
لم يكن الزواج في نظر إسماعيل مجرد حيلة.
كان يريد أن يضمن لها الأمان.
لكن الرسالة لم تنتهِ.
في أسفل الصفحة كان هناك سطر آخر
والأهم... لا تثق بنادر.
تغيرت ملامح الجميع.
نظر جاسم إلى نادر.
سمعت؟
ابتسم نادر.
كنت عارف إن الرسالة دي موجودة.
قالت سارة
إذن ليه ما قلتش؟
أجاب
لأن إسماعيل كتبها قبل أن
يعرف الحقيقة الأخيرة.
وإيه الحقيقة الأخيرة؟
صمت نادر.
قال جاسم
اتكلم.
نظر نادر إلى والد سارة.
ثم إلى زوجها.
ثم قال
إسماعيل لم يكن يريد حماية سارة من عم جاسم.
توقفت سارة.
أمال كان بيحميها من مين؟
قال نادر
من زوجها.
ساد صمت كامل.
نظرت سارة إلى زوجها.
لم يتحرك.
قالت
إنت؟
أجاب بهدوء
اسمعيني قبل ما تحكمي.
قال نادر
هو كان الشخص الوحيد اللي عنده سبب يخفي الحقيقة.
سأل جاسم
أي حقيقة؟
قال نادر
زوج سارة لم يكن متورطًا في اختفائه فقط.
ثم أخرج صورة قديمة.
كانت لزوج سارة وهو يقف بجوار إسماعيل.
وفي الخلفية ظهر شيء جعل جاسم يتجمد.
كانت هناك شاحنة تحمل شعار شركة قطع الأشجار.
قال نادر
في الليلة اللي مات فيها إسماعيل... كانت الشاحنة دي موجودة.
نظر جاسم إلى الصورة.
والشركة دي كانت ملك مين؟
ابتسم نادر.
ملك زوج سارة.
شهقت سارة.
لكن زوجها قال بسرعة
الشركة ما كانتش بتاعتي.
قال نادر
كانت باسمك.
لكن ما كانتش ملكي.
إذن ملك مين؟
لم يجب.
اقتربت سارة منه.
أنا عايزة أسمع منك.
نظر إليها طويلًا.
ثم قال
كانت ملك شخص مات قبل ما تتجوزيني.
مين؟
خفض رأسه.
أخو جاسم.
تجمد جاسم.
أنا ما عنديش أخ.
رد نادر
كان عندك.
ثم أضاف
والحقيقة اللي أخفاها إسماعيل طوال السنين... إن أخاك لم يمت.
في اللحظة نفسها، جاء طرق على الباب الخارجي.
ثلاث طرقات.
ثم صوت رجل يقول
جاسم... افتح.
تغير وجه جاسم.
همست سارة
مين؟
أجاب بصوت منخفض
ما أعرفش.
لكن زوجها نظر إليه وقال
أنا أعرف.
سأله جاسم
مين؟
أجاب
أخوك ساد الصمت داخل البيت.
كانت سارة تنظر إلى جاسم، ثم إلى الباب.
أخوك؟
هز جاسم رأسه ببطء.
أنا طول عمري فاكر إن أخويا مات وهو صغير.
قال زوج سارة
إسماعيل أخفاه.
ليه؟
لأنه كان الشاهد الوحيد على اللي حصل في العائلة.
اقترب جاسم من الباب، لكنه لم يفتحه.
قال
لو أنت عارف إنه حي... ليه ما قلتليش؟
لأنني لم أكن متأكدًا من مكانه.
جاء الطرق من جديد.
هذه المرة كان أضعف.
ثم سمعوا صوت رجل
جاسم... أنا مش جاي أؤذيك.
نظر جاسم إلى أمه.
كانت تبكي.
قالت
افتح يا ابني.
فتح الباب بحذر.
دخل رجل في أواخر الثلاثينيات، متعبًا ومغطى بالغبار.
نظر إلى جاسم طويلًا.
ثم قال
أخويا.
لم يستطع جاسم الكلام.
اقترب الرجل منه، لكن جاسم بقي ثابتًا مكانه.
قال
أنت عايش كل السنين دي؟
أيوه.
وأبويا كان عارف؟
كان.
وأمي؟
نظر الرجل إليها.
كانت عارفة إني عايش.
انهارت دموعها.
قالت
سامحني.
رد
أنا مش زعلان منك.
ثم نظر إلى سارة.
وأنتِ سارة.
أومأت.
أبوكِ وإسماعيل أنقذوني من الناس اللي كانوا بيحاولوا يستولوا على الأراضي.
ثم أخرج دفترًا قديمًا.
وده آخر دليل.
فتحه أمام الجميع.
كان يحتوي على أسماء الأشخاص الذين زوروا العقود واستولوا على الأراضي.
وكان اسم عم جاسم بينهم.
تراجع الرجل العجوز.
أنا حاولت أحمي العائلة.
قال جاسم
إنت خنتها.
ثم التفت إلى فارس.
وأنت؟
قال فارس
أنا كنت أساعد إسماعيل في جمع الأدلة.
أما نادر، فظل صامتًا.
قال جاسم
وأنت كنت بتخدعنا طول الوقت.
أجاب نادر
كنت أنفذ وصية إسماعيل.
لكن الأخ أخرج ورقة.
دي وصيته الأخيرة.
قرأ جاسم
إذا ظهر نادر، فلا تثق به إلا إذا سلّم كل المستندات للجهات المختصة.
نظر جاسم إليه.
ليه؟
أجاب
لأنه كان يحاول استخدام الوصاية لصالحه.
لم ينكر نادر.
جلس على الكرسي.
أنا خسرت.
قالت سارة
وأنا؟
نظر إليها.
أنتِ كسبتِ حقك.
بعد أيام،
وصلت الجهات الرسمية إلى الجبل.
تمت مراجعة العقود والوصايا والسجلات القديمة.
وأثبتت المستندات أن أراضي كثيرة تم الاستيلاء عليها بالتزوير.
استعاد أصحابها حقوقهم.
أما أملاك سارة، فأصبحت تحت إدارتها القانونية.
ورفضت أن تبيع أي جزء
منها.
قالت
الأرض دي اتدفن فيها ناس كتير وهي شاهدة على ظلمهم. مش هبيعها علشان أبدأ ظلم جديد.
أما عم جاسم، فاعترف بما فعله أمام الجميع، وانتهت سلطته على العائلة والأراضي.
وفارس سلّم كل الأدلة التي جمعها طوال السنوات الماضية.
أما جاسم...
فجلس ذات مساء أمام الموقد، ووضع عقد الزواج على الطاولة.
قال لسارة
اتفاقنا انتهى.
نظرت إليه.
عارفة.
الفلوس اللي أخدتيها حقك، والجزء الثاني هيوصلك كامل.
سألته
وهتعمل إيه أنت؟
ابتسم للمرة الأولى دون تكلف.
هرجع أعيش في البيت ده.
سكتت قليلًا.
ثم قالت
وأنا؟
نظر إليها.
أنتِ حرة.
أخذت سارة العقد.
ظلت تنظر إليه طويلًا.
ثم قالت
لأ.
رفع جاسم عينيه.
لأ إيه؟
وضعت العقد أمامه.
أنا
ثم أضافت
هكمل لأنك طول الوقت احترمتني، وما طلبتش مني حاجة مش عايزاها، ووقفت جنبي وأنا ما كانش عندي حد.
ظل جاسم صامتًا.
قالت
المرة دي، لو هنعيش سوا... يبقى من غير اتفاق.
ابتسم جاسم.
موافقة؟
أجابته
موافقة.
وبعد أشهر، تحولت الأرض التي كانت سببًا في كل تلك المؤامرات إلى مشروع كبير لأهل المنطقة.
أعيد بناء البيوت القديمة، وافتتح جاسم مركزًا للعمل، بينما تولت سارة إدارة الأراضي التي أصبحت مسؤولة عنها.
أما زوجها الأول، فقد اختار أن يبدأ حياة جديدة بعيدًا عن كل الأسرار، بعد أن ظهرت حقيقة اختفائه للجميع.
وفي آخر يوم من الشتاء، وقفت سارة أمام البيت الخشبي الذي بدأت فيه قصتها.
نظرت إلى خط الفحم القديم الذي رسمه جاسم ذات يوم على الأرض.
كان الخط قد اختفى تقريبًا.
مسحت بقدمها آخر جزء منه.
دخل جاسم الغرفة وقال
بتعملي إيه؟
ابتسمت.
بمحي آخر حاجة فكرّتني إننا كنا غرب عن بعض.
نظر إلى الأرض.
ثم قال
وأهو الخط اختفى.
رفعت سارة رأسها.
أيوه.
جلس الاثنان
أمام الموقد، بينما كانت الثلوج تذوب فوق الأشجار.
ولأول مرة...
لم يكن زواجهما اتفاقًا.
ولم تكن حياتهما مبنية على وصية.
ولا على أرض.
ولا على سر.
كانت مجرد حياة اختاراها معًا.
وهكذا انتهت حكاية سارة ورجل الجبل... بعدما بدأت بزواج من أجل المال، وانتهت باختيار حر لا يملكه أي شخص سواهما.