في ليلة زفافي اكتشفتُ أنني الصفقة
كان افتتاح المعرض الفني في سوهو مزدحما وصاخبا ومتكلفا تماما من النوع الذي أتجنبه عادة. كنت فنانة تكافح لإثبات نفسها ومتخصصة في اللوحات التجريدية الزيتية التي يصفها النقاد بالواعدة بينما يصفها المشترون بالمربكة. وقفت في الزاوية ممسكة كأسا من نبيذ أبيض رخيص أراقب الناس يتجاهلون أعمالي.
ثم دخل ديفيد.
لم يكن الأمر متعلقا بوسامته فقط رغم أنه امتلك ملامح متناظرة وحادة تشبه تلك التي تخصص لغلاف مجلة. بل كان بالطريقة التي يتحرك بها بثقة هادئة تشق الحشود. سار مباشرة نحو أكثر لوحاتي غموضا لوحة الفراغ الأزرق وهي قطعة بالغت في تسعيرها كي لا يشتريها أحد.
قال وهو يلتفت إلي وعيناه الزرقاوان تعكسان برودة مفاجئة
إنها رائعة. تلتقط شعور الغرق في الهواء الطلق. يجب أن أقتنيها.
تمتمت ليست للبيع فعليا.
أدفع ضعف السعر قال وهو يبتسم. اعتبريه عربونا للتعرف إلى الفنانة صاحبة العيون الحزينة.
كانت تلك البداية.
الأشهر الستة التالية كانت دوامة من كل ما أعرف الآن أنه سيطرة عاطفية منمقة
لكنه بدا لي حينها كأنه قدر.
كان ديفيد مثاليا. رجل أعمال ناجح
كان أصدقائي يغبطونني. وكان والداي مطمئنين لأنني وجدت استقرارا.
أما سارة أختي الكبرى فلم تبد أي انبهار.
كانت سارة محامية واقعية اللهجة ترى العالم من منظور المخاطر والمسؤوليات. وبينما انشغل الجميع بإعجابهم بإيماءات ديفيد كانت هي تراقبه بعين حادة لا ترمش.
قالت لي ليلة ونحن نحتسي القهوة في مطبخي
إنه مثالي أكثر مما ينبغي يا مايا. لا أحد بهذه النعومة. الأمر يبدو مصطنعا. وكأنه يقرأ من نص.
قلت لها وقد جرحني كلامها
أنت فقط متشائمة. لماذا لا تستطيعين أن تكوني سعيدة لأجلي هل تغارين
أصابها كلامي بالوجوم لكن ذلك لم يبدد القلق العميق الذي كان يسكن عينيها.
جاء يوم الزفاف كذروة موسيقية. كان المكان الكونسرفاتوري الكبير قصرا زجاجيا تملؤه
آلاف زهور الأوركيد البيضاء. وقفت على المنصة داخل فستان حريري مفصل ويدي في يد ديفيد. كنا الثنائي الذهبي.
وحانت لحظة قطع الكعكة. كانت كعكة ضخمة مكونة من سبع طبقات تشبه تحفة معمارية متوجة بورق الذهب.
ابتسم ديفيد وقال هل أنت مستعدة يا حبيبتي
ووضع يده فوق يدي على مقبض السكين الفضي. حدقت في وجهه بثقة أعتقد أن حياتي رست أخيرا على شاطئ السعادة.
فجأة صعدت سارة إلى المنصة.
ظن الضيوف أنها تريد تهنئتي. ابتسموا. اقتربت مني سارة وشدت على كتفي بقوة. لكن في اللحظة التي أحاطت ذراعيها بي شعرت باهتزازها. كانت ترتجف من خوف عميق خوف كاد ينتقل إلى عظامي.
همست سارة
لم تتراجع. انحنت وكأنها تعدل ذيل الفستان حاجبة وجهها عن ديفيد والضيوف.
قبضت على كاحلي بقوة مؤلمة. اقتربت من أذني وهمست بصوت منخفض يرتجف كأنه صادر من مكان مظلم
لا تقطعي الكعكة. اقلبيها الآن. إن أردت النجاة هذه الليلة.
اختنق نفسي. أردت أن أسألها أن أعاتبها أن أنعتها بالمجنونة.
لكنني رفعت نظري إلى ديفيد.
لم يكن ينظر إلي.
كان يحدق في ساعته بشدة فكيه متشنجان.
وحين أعاد نظره إلى الكعكة ارتسمت على شفتيه ابتسامة صغيرة باردة ابتسامة انتظار كما ينتظر
لم يكن ينتظر احتفالا.
كان ينتظر نتيجة.
قال بصوت منخفض فقد كل دفئه
هيا يا عزيزتي. اقطعي بعمق. لا أستطيع الانتظار لتجربي أول قضمة. الكريمة مميزة جدا.
اشتدت قبضته حول يدي. لم تعد يده مريحة كانت قيدا.
نظرت في عينيه. لم تعد زرقتهما جميلة. أصبحتا خاويتين بلا روح كعيني حيوان مفترس مهما تزين.
صرخة سارة ترددت في رأسي.
اقلبيه.
لم أفكر.
تولت غريزتي القيادة.
بدلا من الضغط بالسكين حولت ثقلي. دفعت العربة بقوة بجانبي.
وقع الارتطام مدويا.
اهتزت الكعكة العملاقة لحظة ثم انهارت على أرضية الرخام. تحطم السيراميك وتناثر الإسفنج والكريمة وغطت الفوضى الصف الأمامي من الضيوف. انسكب ورق الذهب والكريمة البيضاء على فستاني ودعوى ديفيد.
ساد صمت رهيب.
توقفت الفرقة الموسيقية في منتصف النغمة.
وقف ديفيد مشدوها.
انزلقت كتلة من الكريمة على خده.
اختفى قناع الرقي وظهر مكانه تشوه غاضب مخيف.
صرخ بصوت جاف
يا عديمة العقل!
ورفع يده كأنه سيصفعني أمام الجميع.
لم تنتظر سارة لحظة. تخلت عن حذائها العالي وأمسكت بمعصمي.
اركضي!
ركضنا.
شقيقتان حافيتان تهربان عبر حطام حلم زائف. انزلقنا فوق