فخ الزيت بقلم انجي الخطيب
عملت لك إيه لكل ده؟
فوزية قعدت على أقرب كرسي وفضلت تعيط بحرقة، بس المرة دي عياط حقيقي، عياط الواحدة اللي اتكشفت واتعرّت قدام ابنها. كنت عايزة أرجعك حضني يا ابني.. البت دي خدتك مني، م بقتش بتيجي تسهر عندي، م بقتش بتكلمني في التليفون زي الأول.. كنت عايزة أعرفك إنها مش باقية عليك.
أحمد ساب الإزازة وقعت اتكسرت على الأرض، وبص لي وعينه غرقانة دموع إيميلي.. أنا.. أنا أسف، غمي على عيني، الشيطان دخل بينا، وحياة أغلى حاجة عندك سامحيني.
ضحكت بوجع وأنا بمسح المية اللي نازلة على وشي الشيطان مكنش بينا يا أحمد، الشيطان كان قاعد يتفرج علينا وهو فخور بتلميذته الشاطرة.. إنت اخترت تصدقها هي وتكذب عينك وقلبك، اخترت ترمي كرامتي في الأرض قدامها وتخليها تشمت فيا.
نزلت السلم وجريت، وهو فضل ينادي عليا بجنون إيميلي استني! الجو مطر، هتروحي فين في الوقت ده؟ إيميلي!
ركبت عربيتي وقفلت الأبواب عليا، ولقيته نازل ورايا بالهدوم اللي غرقانة زيت، بيخبط على القزاز بهستيريا. دورت العربية وطلعت بأقصى سرعة وأنا مش شايفة الطريق من كتر العياط.
روحت بيت أهلي، وأول ما أمي شافتني بالمنظر ده، م سألتش عن حاجة، خدتني في حضنها وفضلت تطبطب عليا وأنا بنهار. نمت ليلتها وأنا حاسة إن جبل على صدري، بس في نفس الوقت كنت حاسة براحة غريبة.. راحة إن القناع وقع تماماً.
تاني يوم الصبح، صحيت على صوت موبايلي وهو مش بيبطل رن. أحمد بعت لي أكتر من مية رسالة، وصور لنفسه وهو قاعد في المطبخ لوحده وشكله متبهدل.
فتحت رسالة منهم لقيته كاتب أنا طردتها يا إيميلي.. طردت أمي من البيت وقولتلها م تورينيش وشها تاني، البيت فاضي عليا ومن
بصيت للموبايل ببرود، وفي اللحظة دي جالي إشعار من كاميرا الشقة.. الكاميرا لسه شغالة ومربوطة بموبايلي. فتحت اللايف ولقيت أحمد قاعد على الأرض، حاطط راسه بين إيديه وبيعيط زي الطفل، والشقة مكركبة والزيت لسه مغرق الأرضية..
وفجأة، لمحت خيال حد بيتحرك في الصالة.. حد معاه مفتاح الشقة وبيفتح الباب براحة خالص.
الخيال كان بيقرب من أحمد اللي كان غرقان في عياطه ومش حاسس بالدنيا. قلبي دق جامد وبقيت باصة للشاشة بكل تركيز.. مين اللي معاه مفتاح غيري أنا وهو وفوزية؟
وفجأة ظهر الوش.. كانت فوزية!
رجعت تاني بمنتهى البجاحة، وبصوت واطي زي الحية، قربت منه وحطت إيدها على كتفه. أحمد اتنفض وقام وقف، وبص لها بذهول أمي؟! إنتي إيه اللي جابك؟ مش قولتلك مش عايز أشوف وشك؟
فوزية بدأت في الوصلة الجديدة، مسحت دموعها بطرف طرحتها وقالت له بنبرة كلها حنية مصطنعة أهون عليك يا ضنايا؟ أسيبك في حالك ده؟ أنا مكنتش جاية أضايقك، أنا كنت جاية ألم هدومي وأمشي، بس لما شوفتك مكسور كدة قلبي اتقطع.. يا ابني البت دي هي اللي خلتنا نوصل لبعض كدة، شوفت سابتك إزاي في عز نارك؟ شوفت راحت فضحتنا عند أهلها وسبتك لوحدك في البيت الغرقان ده؟
أحمد زعق فيها إنتي لسه ليكي عين تتكلمي؟ إنتي اتكشفتي يا أمي! الكاميرا جابتك وإنتي بتدللقي الزيت!
فوزية متهزتش، وردت ببرود مرعب يا حبيبي أنا عملت كدة عشان أفوقك! عشان أوريك إنها بايعة، إنها أول ما تحصل مشكلة هتسيبك وتجري، وده اللي حصل فعلاً.. لو كانت بتحبك كانت استنت ودافعت عن نفسها،
أنا كنت سامعة وشايفة كل ده من الموبايل، والدم غلي في عروقي. البجاحة وصلت لدرجة إنها بتقلب الحق باطل قدام عينه تاني! والمصيبة إن أحمد بدأ يسكت.. بدأ ملامحه تلين.. بدأ السم اللي بتبخه في ودنه يشتغل تاني.
قمت وقفت في نص أوضتي، وكنت لسه هقفل الأبلكيشن وأرمي الموبايل في الحيطة، بس شفت حاجة في الكاميرا خلتني أتسمر مكاني.
فوزية وهي بتطبطب على أحمد، كانت عينيها بتدور في الشقة بلهفة، وراحت ناحية الدرج اللي أحمد بيشيل فيه العقود والأوراق المهمة.. وبمنتهى الخفة، وهي مدياله ضهرها، مدت إيدها وسحبت دفتر الشيكات وورقة تانية أنا عارفاها كويس.. دي ورقة التنازل اللي أحمد كان قايل لي إنه هيمضيها عشان يشتري الأرض الجديدة باسمي!
أحمد كان لسه بيمسح دموعه ومديها ضهره، وهي حطت الورق في شنطتها بسرعة البرق، ورجعت تاني تمثل دور الأم المكسورة خلاص يا حبيبي، أنا همشي، بس فكر في كلامي.. اللي تسيبك وأنت واقع، متستاهلش تكون معاك وأنت واقف.
هنا مقدرتش أسكت. مسكت الموبايل وفتحت المايك بتاع الكاميرا.. المايك اللي بيخلي صوتي يطلع في سماعة الكاميرا اللي في الصالة عندهم.
وقلت بصوت عالي، جهوري، هز كيان الشقة هناك ألف مبروك يا فوزية هانم على دفتر الشيكات.. وورقة التنازل كمان؟! لا بجد شابوه، تمثيل وإخراج وسرقة في ليلة واحدة!
أحمد وفوزية اتنفضوا هما الاتنين، وبدأوا يلفوا حوالين نفسهم زي المجانين وهما بيدوروا على مصدر الصوت، لحد ما عينهم جت على الكاميرا اللي فوق.
قلت بضحكة كلها وجع وسخرية بصي للكاميرا يا طنط.. اضحكي
فوزية وشها بقى أزرق، ووقعت الشنطة من إيدها والورق اتبعثر على الأرض زي خيبتها. أحمد بص للأرض، وبعدين بص للكاميرا، وبعدين بص لأمه وكأنه بيشوف شيطان لابس لبس بني آدمين.
أحمد صرخ فيها صرخة لدرجة إن المايك بتاع الكاميرا شوشر من قوتها انتي بتسرقيني يا أمي؟! بتسرقيني وأنا بموت قدامك؟!
فوزية حاولت تلم الورق من الأرض بسرعة وهي بتنهج لا يا أحمد.. دي أوراقي.. دي.. دي حاجات كنت شايلاها عندك!
أحمد هجم عليها وسحب الشنطة من إيدها، وطلع منها دفتر الشيكات وورقة الأرض، وبص لها بنظرة كسر وخذلان عمري ما شوفتها في حياتي، وقال لها بصوت غريب، هادي بس مخيف اطلعي برا.. ومش بس من البيت، اطلعي من حياتي. أنا لا عندي أم، ولا عايز أعرفك تاني. ولو شوفت وشك في حتة، هحبسك بالفيديو اللي إيميلي سجلته ده.
فوزية لمت هدومها وهي بتبرطم بكلام مش مفهوم، وخرجت تجري من الباب وهي بتخبط في الحيطان من كتر الرعب.
أحمد فضل واقف في نص الصالة، وبص للكاميرا بكسرة، وقال بصوت يدوب مسموع إيميلي.. أنا عارف إن المايك لسه شغال.. وعارف إن مفيش كلمة في الدنيا ممكن ترجع اللي انكسر. أنا كنت حمار، كنت مغيب، كنت فاكر إن الأم مستحيل تأذي ابنها، بس طلعت أنا اللي كنت بأذيكي وبأذي نفسي.
نزل على ركبه في وسط المطبخ، في نفس المكان اللي الزيت كان مدلوق فيه، وكمل وهو بيعيط بحرقة أنا مش هطلب منك ترجعي، لأنك تستاهلي حد أحسن مني بكتير، حد يصدقك من غير ما يحتاج كاميرات.. بس أنا هفضل هنا، مش هقوم من مكاني ده، لحد ما تقرري هتعملي فيا إيه.
قعدت على السرير في