فخ الزيت بقلم انجي الخطيب
متابعة الموقف من بعيد وعينيها مليانة دموع. قفلت الموبايل، وحسيت بنغزة في قلبي. أحمد غلط، وغلطه كان كبير وقاسي، بس المشهد اللي شوفته وجعه كسرني أنا كمان.
عدى يومين، وأنا قافلة موبايلي عن الدنيا كلها. مكنتش بفكر غير في الابتسامة الصفرا بتاعة فوزية، وفي منظر أحمد وهو منهار. وفي اليوم التالت، لقيت جرس الباب بيضرب.
فتحت ماما الباب، ولقيت أحمد واقف، بس مكنش لوحده. كان معاه راجل كبير في السن، باين عليه الوقار، وماسك في إيده شنطة أوراق.
أحمد دخل وراسه في الأرض، وقال لبابا يا عمي، أنا مش جاي أطلب سماح، أنا جاي أعمل اللي كان لازم يتعمل من زمان.
الراجل اللي معاه طلع أوراق، وقال أستاذ أحمد وكّلني إني أنقل ملكية الشقة دي، وكل ممتلكاته من أراضي، باسم الأستاذة إيميلي.. كنوع من رد الاعتبار، وده تنازل نهائي وموثق.
أنا وقفت مذهولة إنت بتعمل إيه يا أحمد؟ أنا مش عايزة منك فلوس ولا عايزة شقق!
أحمد رفع عينه ليا، وكانت حمرة من كتر السهر والتعب دي مش فلوس يا إيميلي، دي حياتي اللي كنت هضيعها بإيدي.. الشقة دي مكانتش بيتك، كانت سجن ليكِ بسبب أمي، ودلوقتي هي بتاعتك، تصرفي فيها زي ما تحبي.. تبيعيها، تقعدي فيها لوحدك، أو حتى تولعي فيها.
بص لي بصه أخيرة وقال أنا قدمت استقالتي من الشركة هنا، ومسافر فرع دبي الصبح.. مش عايز أكون تقيل عليكي، ولا عايزك تشوفي وشي وتفتكري اليوم السواد ده.. بس كنت لازم أمشي وأنا عارف إن حقك رجع لك، على الأقل قدام نفسك.
لف ضهره عشان يمشي، وبابا وماما بصوا لي وهما ساكتين، مستنيين ردي. وفي اللحظة دي، حسيت إن في صراع جوه قلبي.. هل الوجع اللي عيشته يتدوي بكلمة آسف وتنازل عن شقة؟ ولا الحكاية لسه فيها فصل أخير؟
سكتُّ لحظة، والبيت كله بقى في حالة
قلت بصوت عالي وهادي استنى يا أحمد.
وقف مكانه بس ملقش وشه، كأنه خايف يشوف في عيني نظرة الشفقة أو الرفض. قلت له الأوراق دي متمضيش عليها، خد محاميك واتفضلوا دلوقتي.
أحمد لف لي ووشه كان فيه كسرة تقطع القلب ليه يا إيميلي؟ ده حقك.. ده أقل حاجة أعوضك بيها عن ليلة المطر والذل اللي شوفتيه.
قربت منه خطوتين وقلت له وعيني في عينه الحق مش ورقة بتتمضي عند محامي يا أحمد. الحق هو إنك لما شفتني غرقانة ومظلومة، كان لازم قلبك هو اللي يحميني قبل الكاميرا. الشقة دي لو بقت باسمي وإنت مش فيها، هتبقى مجرد حيطان باردة بتفكرني بوجعي. ولو إنت سافرت وهربت، يبقى إنت كدة بتختار السهل.. بتهرب من غلطتك بدل ما تعيش وتصلحها.
أحمد صوته اتهز أصلح إيه؟ أنا دمرت كل حاجة.. أنا صدقت فيها وأنا عارف إنها بتكرهك!
رديت عليه بصرامة تصلح نفسك الأول. تتعلم إن الرجولة مش زعيق وطرد في نص الليل، تتعلم إن البيت اللي مفيهوش أمان لستّه ميبقاش بيت. أنا مش مسامحة دلوقتي يا أحمد، والوجع اللي جوايا محتاج وقت طويل عشان يبرد.
سكتُّ شوية وكملت سافر يا أحمد.. سافر دبي زي ما خططت، واشتغل على نفسك. ابعد عن سم أمك، وابعد عن ضعفك قدامها. والوقت هو اللي هيقول لو كان لينا نصيب نتقابل تاني ولا لأ.. بس الشقة دي هتفضل مقفولة، ومفتاحها هيفضل معايا أنا، ولما ترجع.. نبقى نشوف لو كنت لسه تستاهل تفتح الباب ده تاني ولا ضيعت المفتاح للأبد.
أحمد بص لي بنظرة كان فيها بريق أمل ضعيف وسط الدموع، هز راسه بالموافقة وهو مش قادر ينطق.
بعد ما مشي، ماما قربت مني وحضنتني وقالت برافو عليكي يا بنتي.. الكرامة مبيتلفش عليها في ورق، والراجل اللي يغلط لازم يعرف إن الرجوع مش بكلمتين وهدية، الرجوع بيبقى بمواقف وتغيير حقيقي.
دخلت أوضتي وفتحت الموبايل لآخر مرة على أبلكيشن الكاميرا. شوفت الشقة وهي ضلمة، والزيت اللي كان على الأرض كان أحمد مسحه وخلى السيراميك بيلمع، بس لسه فيه أثر خفيف باين تحت إضاءة الكاميرا.. زي الجرح اللي في قلبي، ممكن يلم، بس أثره هيفضل موجود عشان يفكرني إني لازم أكون صاحية وواعية لأي فوزية تانية تدخل حياتي.
قفلت البرنامج، ومسحت الأبلكيشن خالص من الموبايل. وبدأت أرتب شنطتي، بس المرة دي مكنتش شنطة هروب، كانت شنطة لبداية جديدة، بعيد عن أي حد يحاول يوقعني أو يكسرني.. والجو بره كان بدأ يصفى، والشمس بدأت تطلع من ورا السحاب.
مر شهرين.. الشقة فضلت مقفولة، وأحمد كان بيبعت رسالة واحدة كل أسبوع، مش بيطلب فيها رجوع، كان بس بيطمن عليا وبيحكي لي هو بيعمل إيه في حياته هناك. بدأ يروح لمتخصص نفسي عشان يفهم ليه كان ضعيف قدام سيطرة أمه، وبدأ يبني شخصية جديدة بعيدة عن ابن فوزية اللي كان بيسمع الكلام وهو مغمض.
أما فوزية، فعرفت من ناس قرايبنا إنها حاولت تواصل معاه بكل الطرق، بس هو كان عامل لها بلوك من حياته كلها. ومن كتر غلها، حاولت تروح الشقة وتدخلها، بس اكتشفت إنني غيرت الكالون، وركبت نظام إنذار مربوط بقسم الشرطة مباشرة. لما عرفت إن مفيش فايدة، لمت هدومها وراحت عاشت عند أختها في الأرياف، وهي بتندب حظها إنها خسرت ابنها والبيت والعز بسب غلها.
في يوم،
روحت الشقة في الميعاد اللي قاله. وقفت قدام الباب، وفتحت. الشقة كانت ريحتها بخور ونضافة، وكل ركن فيها بيلمع. دخلت المطبخ، وبصيت على الأرض اللي شهدت أصعب ليلة في حياتي. مكنش فيه أثر للزيت، ولا أثر للوجع.. الأرض كانت صافية زي قلبي اللي بدأ يهدأ.
سمعت صوت مفتاح في الباب. لفيت ولقيت أحمد واقف. كان خاسس شوية، بس عينيه كان فيها نظرة تانية خالص.. نظرة راجل واثق في نفسه، وعارف هو عايز إيه.
قرب مني ومد إيده بالمفتاح، بس المرة دي أنا ممدتش إيدي آخده. بصيت له وقلت أنا قررت أبيع الشقة دي يا أحمد.
أحمد اتصدم، بس هز راسه بهدوء حقك.. وأنا معاكي في أي قرار.
ابتسمت لأول مرة من قلبي وقلت له هنبيعها، ونشتري بيت جديد في مكان ملوش علاقة بماضينا.. مكان مكنتش فوزية تعرفه، ولا شافت حيطانه. نبدأ فيه صفحة بيضاء، بس بشرط واحد.
أحمد عينيه لمعت بلهفة أؤمري!
قلت له مفيش كاميرات في البيت الجديد.. الأمان
اللي بينا لازم يكون نابع من جوانا، مش من عدسة على الحيطة. الكاميرا اللي كشفت الحقيقة زمان، كانت درس.. والدرس انتهى.
أحمد دمع من الفرحة، وخدني في حضنه، وفي اللحظة دي عرفت إن المطر اللي غرقني زمان، كان بيغسل حياتي من كل حاجة وحشة عشان يجهزني للبداية دي.
خرجنا من الشقة سوا، وقفلنا الباب ورانا للأبد، ورمينا المفتاح القديم في أول صندوق زبالة قابلنا في الشارع.. ومشينا وإحنا وشنا للشمس، وإيدنا في إيد بعض، ومن غير ما نبص ورانا ولا
تمت
بقلم انجي الخطيب