الممرضة والطفل المخطوف حكايات انجى الخطيب
صغير في راسها، كان مذهول إن البنت الضعيفة دي هي اللي وقفت قدام مجرم زي صابر.
يارا بصت لجاسر وهي مش عارفة هو مين أصلًا، كل اللي قالته بصوت واطي ومجهد هو كويس؟ مالك كويس؟
جاسر وطي لمستواها ومد إيده يساعدها تقوم، وصوته لأول مرة كان فيه نبرة احترام مخلطة بالذهول إنتي متعرفيش إنتي عملتي إيه النهاردة.. إنتي رجعتيلي روحي.
يارا ابتسمت بتعب وهي بتسند على العربية أنا ممرضة.. يعني شغلي إني أحافظ على الأرواح.. حمد لله على سلامته.
وقبل ما يارا تقع من طولها من كتر الإرهاق، كان جاسر ساندها وهو بيأمر رجالته أكبر مستشفى في مصر تتفتح فورًا، والدكاترة كلهم يبقوا مستنيين.. الممرضة دي لو حصلها حاجة هحرق الدنيا.
بعد أسبوع من الواقعة، كانت يارا قاعدة في أوضتها في المستشفى اللي جاسر نقلها فيه جناح ملكي كأنه بيعوضها عن كل لحظة خوف عاشتها. الباب اتفتح بهدوء ودخل مالك وهو شايل بوكيه ورد أحمر كبير، ومن وراه جاسر الحديدي بهيبته اللي كانت دايمًا بتخلي الممرضات في الطرقات يهمسوا بذهول.
مالك جرى عليها وباس إيدها يا طنط يارا، بابا قالي إنك بقيتي كويسة وهتخرجي النهاردة.
يارا ضحكت بضعف ولمست شعره أنا كويسة يا حبيبي طول ما أنا شايفاك بتضحك.
جاسر قرب ووقف قدام السرير، قلع نضارته السوداء وبص في عينيها بنظرة غريبة، لا هي نظرة شكر ولا هي نظرة رجل أعمال لضحية، كانت نظرة راجل مبهور بكيان قدامه.
يارا.. أنا عمري ما شوفت حد بالقوة دي، أنا سألت عليكي في المستشفى اللي كنتِ شغالة فيها، وعرفوا إنك كنتِ بتصرفي كل مرتبك على علاج والدتك ومستحملة ضغط شغل يهد جبال.
يارا بصت للأرض بكسوف ده واجبي يا جاسر بيه، مفيش فضل ليا في حاجة.
جاسر قعد على الكرسي اللي جنبها وقرب بصوته بلاش
شوفتك في الشارع الضلمة وإنتي واقفة زي الأسد قدام الآلة الحادة اللي كانت في إيد المجرم ده، وأنا مش عارف أشيل صورتك من خيالي.. إنتي مش بس أنقذتي ابني، إنتي أنقذتيني من فكرة إن الدنيا مفيهاش خير.
مرت الشهور، وجاسر كان بيخلق حجج كل يوم عشان يشوف يارا. مرة يبعت سواق ياخدها تتابع حالة مالك النفسية، ومرة يعزمها هي ووالدتها في بيته. يارا بدأت تشوف الجانب التاني من جاسر، الراجل اللي قلبه حنين ومكسور من الوحدة بعد وفاة مراته، وهو بدأ يشوف فيها الوطن اللي كان بيدور عليه.
المشهد الأخير السطح Roof في برج الحديدي
الجو كان ساحر، الهوا بيرد الروح وأنوار القاهرة كلها باينة تحتهم. يارا كانت واقفة لابسة فستان بسيط، وجاسر واقف جنبها بيبص للسما.
جاسر فاكرة أول كلمة قولتيها لي وأنتي واقعة على الأرض؟
يارا بضحكة سألتك لو مالك كويس.
جاسر بالظبط.. حتى وأنتي بتموتي كنتِ بتفكري في غيرك.. يارا، أنا عشت عمري كله بشتري كل حاجة بالفلوس، بس الحاجة الوحيدة اللي الفلوس معرفتش تجيبهالي هي الأمان.. وأنا مش بحس بالأمان غير وإنتي موجودة.
جاسر نزل على ركبته فجأة، وطلع علبة قطيفة حمراء فيها خاتم ألماظ بيلمع زي النجوم اللي فوقيهم. يارا شهقت وحطت إيدها على بؤها والدموع لمعت في عينيها.
جاسر بصوت واثق وكله حب يارا السيوفي.
. تقبلي تكوني ممرضة قلبي، وأم لمالك، وشريكة عمري؟ تقبلي تتجوزيني؟
مالك ظهر من ورا الباب وهو بيسقف وبيهتف وافقي يا طنط يارا.. وافقي عشان خاطري!
يارا هزت راسها بالموافقة وهي بتضحك وسط دموعها موافقة يا جاسر.. موافقة.
جاسر لبسها الخاتم ، وفي اللحظة دي القاهرة كلها كانت منورة، بس النور اللي كان في قلب يارا كان أقوى من أي كشافات، لأنها
بعد ما يارا قالت موافقة، الدنيا مابقتش سايعاهم هما التلاتة. جاسر شال مالك وضم يارا لدراعه وهو باصص لبعيد، كأنه بيطمن نفسه إن الكابوس انتهى والجميل بدأ.
مر شهر على اليوم ده، وكان فرح السنة زي ما الصحافة وصفت. القاعة كانت ملكية، والورد الأبيض مغطي كل ركن، ويارا كانت طالعة زي الملكات بفستانها الأبيض، وشها اللي كان شاحب من التعب يوم الحادثة بقى ينور من الفرحة والراحة.
في نص الفرح، جاسر مسك الميكروفون وطلب من الكل يسكت. بص ليارا وقال قدام كل رجال الأعمال والكاميرات
الست اللي واقفة جنبي دي، علمتني إن القوة مش بالفلوس ولا بالنفوذ، القوة هي إنك تقدر تضحي بنفسك عشان روح تانية متعرفهاش.. يارا مش بس مراتي، يارا هي البطلة اللي أنقذت عيلة الحديدي من الضياع.
يارا دمعت، ومالك جرى
عليهم وهو لابس بدلة صغيرة سموكن زي أبوه تمامًا، ومسك إيد يارا وباسها وقالها بصوت عالي سمعه الكل بحبك يا ماما يارا.
بعد الفرح، يارا مسبتش مهنتها. جاسر بنى لها أكبر مجمع طبي خيري في مصر، وسماه مجمع يارا السيوفي الطبي. وبقت يارا هي اللي بتديره، بتدخل الحالات اللي مش قادرة تدفع وتعالجهم بأعلى مستوى، وكل ما تشوف طفل داخل المستشفى خايف، تفتكر مالك والدب الأزرق المقطع، وتنزل لمستواه وتطمنه بنفس الابتسامة اللي طمنت بيها مالك في الشارع الضلمة.
وفي ليلة، وهما قاعدين في جنينة بيتهم، جاسر كان باصص ليارا وهي بتلعب مع مالك، قرب منها وهمس في ودنها
عارفة يا يارا.. أنا لسه لحد النهاردة بشكر الظروف والوردية اللي أخرتك يومها، وبشكر الشارع الضلمة اللي كان السبب في إني أشوف النور اللي في قلبك.
يارا سندت راسها على
ربنا كان مرتب كل حاجة يا جاسر.. كان لازم أمشي في الضلمة عشان أوصل لبر الأمان معاك.
وعاشوا حياة هادية، ممرضة بسيطة غيرت حياة أكبر رجل أعمال، وقلبين اتقابلوا في لحظة خطر، بس كملوا العمر كله في حب وأمان.
بعد مرور سنة على الجواز، كانت حياة يارا اتغيرت تماماً، بس جوهرها فضل زي ما هو. في ليلة من ليالي الشتا، نفس برودة الجو اللي جمعتهم أول مرة، كانت يارا واقفة في بلكونة القصر،
وجاسر قرب منها ولف دراعه حواليها وهو شايل طفلة رضيعة عندها شهور، سماها نور لأنها كانت النور التاني اللي دخل حياته بعد يارا.
جاسر همس لها بصوت مليان حنية
سرحانة في إيه يا دكتورة يارا؟
يارا ابتسمت وهي بتبص لنور اللي نايمة
كنت بفتكر ليلة ما شوفت مالك.. بفتكر إزاي لقمة عيشي وتعبي في الوردية دي كانت السبب في كل السعادة اللي أنا فيها دلوقتي. كنت فاكرة إني ضايعة في شارع ضلمة، ومكنتش أعرف إن ربنا كان بيمهد لي طريق الجنة.
في اللحظة دي، مالك دخل عليهم البلكونة وهو ماسك الدب الأزرق القديم بتاعه، بس المرة دي كان متخيط ومتصلح، وبص ليارا وقالها
ماما.. نور عيطت؟ أنا هغني لها عشان تنام.
جاسر بص ليارا وضحك، وطلع من جيبه مفتاح صغير وحطه في إيدها
ده مفتاح فرع المستشفى الجديد في الصعيد.. هديتي ليكي في عيد جوازنا. عشان يارا السيوفي مش بس أنقذت ابن جاسر الحديدي، دي بقت أمل لكل مريض غلبان في مصر.
يارا ضمت المفتاح لصدرها وبصت لجاسر بعيون لمعت فيها دموع الفرح
إنت أحلى حاجة حصلت لي يا جاسر.. إنت الأمان اللي كنت بتمناه طول عمري.
النهاية كانت صورة عائلية بتجمعهم هما الأربعة، تحت ضوء القمر اللي مابقاش يخوف يارا زي زمان، لأنه بقى بيفكرها دايماً إن بعد كل ليل ضلمة، فيه فجر جديد
على البال.
تمت
حكايات انجى الخطيب