المليونيرة كانت لسه هتطرد أربع عيال
وأتوبيس ب ينزل ركاب على الرصيف، رجلها لمست الأسفلت المولع نار، والسخونية طلعت من صرم جزمتها الغالية، الناس على الرصيف لقطوها ب السرعة وعرفوها، التليفونات اِترفت عشان تصور، وراجل عند نصبة الشاي وشوش ب اسمها ب الصدمة، فريدة م اِهتمتش ب ده كله واِتنقلت ب خطواتها ل حد ما وقفت قدام كريم ب الطول.
سألته خمسة جنيه؟.
كريم بلع ريقه ب العافية ل الأربع شبابيك والله، وهنعمل المرايات كمان ب النظافة.
قولت له ب القوة أنا هديكم خمسة آلاف جنيه ب المظبوط لو الشغل اِتعمل ب الأصول ونظف.
العيال الصغيرين بحلقوا فيها كأنها ب تبني ليهم قصر من الجنة، بس كريم م اِبتسمش واِصل، الشك اللي جوه عيونه كان أكبر من سنه ب كتير، وقال ب الخوف الفلوس مقدم ولا بعد ما نخلص؟.
يا ترى فريدة الشناوي هتعمل إيه مع العيال دول لما تلمح العلامة السرية المرعبة اللي في معصم البنت، وإيه الحكاية السودة اللي ورا خطفهم ورميهم في الشارع ب الساكت، وإزاي المليونيرة هتقلب الدنيا وتجيب حقهم ب لغة الملايين والنفوذ؟
كريم مد إيده ياخد الفلوس، لكن قبل ما يلمسها، بسمة الصغيرة رفعت كم فستانها المتهالك عشان تمسح عرقها.
وفي اللحظة
فريدة شافت العلامة.
تجمدت مكانها.
العلامة كانت صغيرة، شبه هلال متداخل مع نجمة خماسية دقيقة.
علامة قديمة جداً.
علامة مستحيل تكون موجودة بالصدفة.
الدم هرب من وشها.
عاصم بص لها باستغراب مالك؟
لكن فريدة كانت باصة لمعصم البنت وكأنها شافت شبح.
ركعت قدام بسمة بسرعة.
ومسكت إيدها برعشة.
سألتها مين عملك العلامة دي؟
بسمة خافت وسحبت إيدها.
كريم وقف قدام أخته فوراً.
وقال بعناد إحنا ما بنأذيش حد يا هانم.
فريدة بصت له وقالت بصوت مبحوح أنا بس بسأل.
البنت بلعت ريقها وقالت ست كبيرة كانت بتقول إنها جدتي.
فريدة حست إن قلبها وقف.
جدتي؟
أي جدة؟
وأي ست؟
سألتها اسمها إيه؟
بسمة هزت كتفها.
ماعرفش... كانت عيانة أوي.
ثم طلعت من جيبها حاجة ملفوفة بقماش قديم.
وقالت قبل ما تموت قالت لي أخبي دي ومحدش يشوفها.
فتحت فريدة القماش.
ولأول مرة منذ عشرين سنة كاملة...
بكت.
كانت سلسلة فضة صغيرة.
سلسلة مستحيل تغلط فيها.
لأنها كانت بتاعتها هي.
بتاعة بنتها.
بنتها اللي اتقال لها إنها ماتت بعد الولادة.
من عشر سنين...
فريدة كانت متجوزة من رجل نصاب وطماع.
لما ولدت طفلتها الأولى، حصلت مضاعفات خطيرة.
صحيت
قالوا لها إن البنت ماتت.
دفنوها.
وخلص الموضوع.
لكن الحقيقة كانت أبشع.
الزوج اتفق مع ممرضة فاسدة.
واختفى الدليل.
وفريدة فضلت سنين تعيش على وجع فقدان بنتها.
لحد ما طلعت الحقيقة دلوقتي.
بسمة ما كانتش مجرد طفلة شوارع.
بسمة كانت حفيدتها.
بنت بنتها.
بعد ساعات قليلة...
كانت تحاليل ال شغالة.
وفريدة استخدمت كل نفوذها.
وكل علاقاتها.
وكل فلوسها.
عشان تعرف الحقيقة كاملة.
والنتيجة نزلت بعد يومين.
الصدمة هزت البلد كلها.
بسمة بالفعل حفيدة فريدة الشناوي.
وكريم وحسن وتامر إخواتها.
أولاد بنتها المفقودة.
اتكشف بعدها السر الأسود كله.
بنت فريدة كانت عايشة طول السنين دي تحت اسم مزور.
اتربت عند ناس استغلوها.
ولما كبرت واتجوزت، ماتت هي وجوزها في حادث غامض.
وسابوا الأربع أطفال لوحدهم.
العصابة اللي كانت مستفيدة منهم رمتهم في الشارع.
من غير أهل.
من غير أوراق.
من غير مستقبل.
فريدة قلبت الدنيا.
فتحت القضية من أول وجديد.
النيابة رجعت تحقق.
وتم القبض على الممرضة القديمة.
والوسيط.
وكل اللي شاركوا في الجريمة.
والأسماء الكبيرة اللي كانت متغطية سنين اتكشفت.
أما كريم...
فأول
فضل صاحي.
مش مصدق.
سأل فريدة
هو إحنا هنرجع الشارع تاني؟.
وقالت
طول ما أنا عايشة... لا.
الولد انفجر في البكاء لأول مرة.
لأنه كان طول عمره راجل قبل أوانه.
بعد سنة كاملة...
كانت الحديقة الكبيرة لقصر الشناوي مليانة ناس.
لكن المرة دي ماكانش فيه رجال أعمال.
ولا صفقات.
ولا كاميرات صحافة.
كان فيه أربع أطفال بيجروا ويضحكوا.
كريم رايح مدرسة دولية.
وحسن بيلعب كورة.
وتامر بقى بيقرأ ويكتب.
وبسمة؟
بسمة كانت قاعدة .
رأسها على كتفها.
بتتفرج على النجوم.
وقالت
تيتا... هو ربنا كان ناسي مكاننا؟
فريدة مسحت على شعرها.
وعينيها دمعت.
وقالت
لا يا حبيبتي... ربنا كان بيكتب لنا طريق طويل عشان نوصل لبعض.
بسمة ابتسمت.
وفي اللحظة دي...
فريدة فهمت إن أكبر صفقة عملتها في حياتها ما كانتش بمئات الملايين.
ولا أكبر شركة بنتها.
ولا أكبر برج شيدته.
أكبر انتصار كان إنها رجعت عيلتها من الضياع.
ورجعت أربع أرواح صغيرة من الشارع للحياة.
أما العصابة اللي سرقت طفلتها زمان...
فدخل أفرادها السجن لسنوات طويلة.
وأما اسم الشناوي...
فالمرة دي ما بقاش مشهور بسبب المال.
بقى مشهور بسبب
وانتهت الحكاية...
مش بانتصار المليونيرة.
لكن بانتصار الجدة اللي رجعت أحفادها بعد عمر كامل من الفقد والوجع.