علي مدي عشرين عاما
المحتويات
الدكاكين. حتى أم نبيل، صاحبة البقالة، كانت تعرف الأمر.
وتذكرتُ أم نبيل فورًا.
كم مرة قالت لي
ادفع لاحقًا يا مروان.
وكنت أظن أنها تشفق عليّ.
بينما كان الحاج محمود يقف خلف كل شيء
صامتًا.
كما عاش دائمًا.
عاد المحامي إلى الرسالة
لم أرد شراء محبتك بالمال. أردت فقط حماية ما تبقى منك. نعم، كنتَ قاسيًا أحيانًا لكنك لم تكن شريرًا. هناك رجال يتحول تعبهم إلى وحشية. أما أنت، فتحول إلى مرارة فقط وذلك كان يمكن إصلاحه.
غطيت وجهي بيدي.
لم أرد البكاء أمام سامي.
لكنني بكيت.
ركعت سعاد بجانبي
مروان
همستُ بصوت محطم
قلتُ عنه عبئًا قلتها مرات كثيرة.
ضمتني سعاد بقوة
وأنا أيضًا تركته وحيدًا مرات كثيرة خوفًا من المشاكل، وخوفًا من إخوتي، وخوفًا منك.
ضحك سامي بسخرية
جميل أصبحتم جميعًا ملائكة الآن. لكن الإرث لنا، نحن أولاده.
أغلق المحامي الملف وقال
وقد ترك لكم شيئًا بالفعل.
انتبه سامي فورًا.
واقترب إخوته من الطاولة بلهفة واضحة.
أخرج المحامي ثلاثة ظروف بيضاء.
ثم قال
رسالة لكل واحد منكم وليرة واحدة فقط.
تجمد سامي
ماذا؟!
قال المحامي
الحاج محمود أوصى بذلك بنفسه. قال إنها ليست نسيانًا بل رمزًا.
تشوه وجه سامي من الغضب
سأطعن في الوصية!
هذا حقك.
وسأثبت أن مروان تلاعب به!
نظر المحامي حوله
إلى الجدران الرطبة، والسقف المتشقق، والبيت البسيط الذي عشت
ثم قال بهدوء
أتمنى لك حظًا جيدًا في إقناع القاضي أن الرجل الذي اشتكى عشرين عامًا من مصاريف حمايه كان يخطط للاستيلاء على أملاكه.
انقض سامي نحو الطاولة بغضب.
لكن أحمد أمسكه قبل أن يصل إليّ.
تعالت الأصوات.
وتحركت الكراسي بعنف.
وبدأت سعاد تبكي.
أما نور
فكانت ترتجف من الخوف والغضب معًا.
وأشار سامي نحوي
كنتَ دائمًا فقيرًا وجائعًا لهذا اختارك أبي!
وقفتُ أخيرًا.
ولأول مرة منذ سنوات
لم أعد أخاف
من قول الحقيقة.
قلتُ بهدوء
لم يخترني لأنني الأفضل بل لأنكم كنتم الأسوأ.
ساد الصمت بعدها طويلًا.
حتى سامي نفسه
لم يجد ما يقوله.
غادر البيت وهو يلعن ويهدد بالمحاكم.
أما إخوته فتبعوه بصمت ثقيل.
وحين أُغلق الباب أخيرًا
شعرتُ أن البيت كله أصبح فارغًا بشكل مختلف.
ليس فراغ موت الحاج محمود
بل فراغ الحقيقة بعد انكشافها.
نظر المحامي نحوي وقال
بقي جزء أخير من الرسالة.
جلستُ بصعوبة.
أما سعاد
فجلست إلى جانبي تمسح دموعها بصمت.
فتح المحامي الصفحة الأخيرة وقرأ
يا مروان لا أترك لك هذا المال حتى تشعر أنني سامحتك، فأنا لست نبيًا ولا ملاكًا. أتركه لك لأنك بقيت. بقيت رغم تعبك، ورغم غضبك، ورغم كلماتك القاسية أحيانًا. هناك رجال يهربون حين يثقل البيت أما أنت فبقيت، حتى وأنت تتذمر.
اختنق صوتي داخل صدري.
وأكمل المحامي
أصلح السقف. سدّد ديونك.
لم أعد أستطيع رفع رأسي.
خرجتُ إلى الساحة الخلفية بعد مغادرة الجميع.
كان كرسي الحاج محمود ما يزال في مكانه قرب المغسلة.
وراديوه القديم صامت لأول مرة منذ عشرين عامًا.
جلستُ على كرسيه ببطء.
لأول مرة.
طوال تلك السنوات كنت أظن أنه سرق مني مكاني.
لكنني أدركت متأخرًا
أن الكرسي كان يحمل شكل غيابه، لا وجوده فقط.
ورفعتُ رأسي نحو السماء وهمستُ بصوت مكسور
سامحني يا حاج محمود لقد فهمت الحقيقة متأخرًا جدًا.
على مدى عشرين عامًا، كان حماي البالغ من العمر تسعة وثمانين عامًا يأكل على مائدتي دون أن يدفع قرشًا واحدًا وكنتُ أعتبره عبئًا حتى مات، ثم طرق محامٍ باب بيتي حاملًا ملفًا سلب الهواء من صدري كان الحاج محمود يعيش في الغرفة الصغيرة آخر الممر، بجوار ساحة الغسيل أما زوجتي، سعاد، فكانت تقول دائمًا إن رعايته واجب علينا
وأنافي كل آخر شهر، كنت أرى مؤونة البيت تنقص بينما يجلس الحاج محمود يحتسي الشاي وكأن شيئًا لا يحدث لم يكن رجلًا سيئًا كنت أكرر هذه الجملة داخل رأسي حتى لا أكرهه كان فقطرجلًا عجوزًا هادئًا عنيدًا رجلًا نحيلًا يرتدي شماغًا رماديًا، يمشي ببطء نحو المطبخ، يسكب الفول في صحنه، يسخّن الخبز، ولا يسأل أبدًا كم أصبح
أخوه الأكبر، سامي، وربت على كتفي
متابعة القراءة