ضرتي ضربتني بالقلم بقلم اماني سيد
المحتويات
كان قد دخل الشقة أخيرًا بعد أن فتحنا له، تغيرت ملامحه أول ما سمع كلمة دفتر الحسابات.
جلس على أقرب كرسي وقال بصوت مرهق
كنت فاكر إنه اتحرق... معقول يكون لسه موجود؟
نظرت إليه الزوجة الثانية وقالت
واضح إنك كنت مخبي علينا حاجات كتير، بس واضح كمان إن في ناس كانت مخبية عنك أسرار.
وقبل أن يرد...
لفت انتباهنا شيء غريب.
كانت آخر صورة داخل الصندوق مطوية من المنتصف.
فردتها ببطء.
على ظهر الصورة كانت هناك كتابة بقلم أزرق
ابحثوا تحت بلاطة الرخام المكسورة... فالدفتر ليس بعيدًا.
تبادل الجميع النظرات، ثم تذكرنا في اللحظة نفسها أن في مطبخ الشقة القديمة بلاطة مكسورة منذ سنوات... لم يهتم أحد بإصلاحها، لأنها كانت مخفية خلف الثلاجة.
تحركتُ نحو المطبخ بسرعة، بينما وقف الجميع يراقبون في صمت، وكل واحد منهم يشعر أن السر الحقيقي لم يبدأ بعد... وأن ما سيُكتشف تحت تلك البلاطة قد يغيّر فهمهم لكل ما حدث ساد صمت ثقيل.
كل واحد فينا كان بيبص للمفتاح الكبير، وكأنه بقى أهم حاجة في الدنيا.
ناجي قال لأول مرة من غير عصبية
لازم نروح المخزن قبل أي حد.
الزوجة الثانية سألته
إيه اللي في الأمانة دي؟
هز رأسه وقال
أقسم بالله..
. أنا معرفش كل اللي فيها. أنا كنت منفذ وصية قديمة، وممنوع أفتحها إلا في الوقت المحدد.
استغربت من كلامه.
قلت وصية مين؟
رد بعد تردد
وصية أبويا.
السيدة المسنة أغمضت عينيها وقالت
كنت
عارفة... كان دايمًا يقول إن فيه سر هيتكشف بعد سنين، بس عمره ما قال لحد إيه هو.
في صباح اليوم التالي، انطلقنا جميعًا إلى المخزن.
من بعيد رأينا آثار الحريق، وعربات الإطفاء ما زالت موجودة، والشرطة تمنع الناس من الدخول.
لكن مدير المخزن كان ينتظرنا.
أول ما شاف المفتاح، قال
أخيرًا... افتكرتوا تيجوا.
استغربنا.
قال صاحب الأمانة أوصاني إنه لو حصل له أي مكروه، محدش يفتحها إلا بالشخص اللي معاه المفتاح ده.
أخذنا إلى ممر طويل، حتى وقف أمام باب حديدي أسود.
كان مكتوبًا عليه
14
ناولته المفتاح.
أداره ببطء.
صدر صوت قوي، وانفتح الباب.
دخلنا جميعًا.
لم تكن غرفة
في المنتصف كانت توجد خزانة خشبية قديمة، وفوقها صندوق صغير، وبجواره دفتر جلدي بني.
تقدمت بسرعة وأمسكت الدفتر.
كان هو نفسه دفتر الحسابات.
أما الصندوق، فكان مغلقًا بقفل آخر.
وبمجرد أن فتحناه...
وجدنا ظرفًا كبيرًا مكتوبًا عليه
لا يُفتح إلا بحضور جميع أصحاب الحق.
نظرنا لبعضنا.
قلت مين أصحاب الحق؟
قبل أن يجيب أحد، وجدنا داخل الصندوق قائمة أسماء.
بدأت أقرأها...
كان أول اسم ناجي.
الاسم الثاني أنا.
الثالث الزوجة الثانية.
ثم أسماء أخرى لم يعرفها أحد.
وفي آخر الورقة اسم جعل السيدة المسنة تصرخ من شدة المفاجأة.
قالت وهي ترتجف
مستحيل... ده اسم شخص اتوفى من عشرين سنة!
وفي اللحظة نفسها...
وصل رجل مسن إلى باب الغرفة، واتكأ على عصاه، وقال بهدوء
لا... ما توفاش.
ثم خلع نظارته، ونظر إلى الجميع، وأضاف
وأظن حان الوقت تعرفوا ليه اختفيت كل السنين دي.
وانعقدت الألسنة، لأن الرجل كان يشبه والد ناجي شبهًا يكاد يكون مطابقًا، رغم أن الجميع كانوا يعتقدون أنه دُفن منذ سنوات أزحنا الثلاجة بصعوبة، وظهرت البلاطة المكسورة كما هي.
ركعت على الأرض، ومددت يدي أحاول رفعها، لكنها كانت مثبتة بإحكام.
ناجي قال بسرعة استني... هاتوا أي مفك.
بعد دقائق، نجحنا في رفع البلاطة.
تحتها لم نجد الدفتر.
وجدنا علبة معدنية قديمة، عليها طبقة تراب سميكة، وكأنها لم تُفتح منذ سنوات.
فتحتها ببطء...
كان بداخلها مفتاح كبير، ورسالة مطوية، وإيصال قديم من مخزن للأمانات.
فتحت الرسالة، وكان مكتوبًا فيها
إذا وصلت إلى هنا، فاعلم أن الدفتر ليس في البيت، وإنما نُقل إلى مكان أكثر أمانًا بعد أن
حاول أحدهم سرقته.
أسفل الرسالة كان عنوان مخزن قديم ورقم
الأمانة رقم 14.
تبادلنا النظرات.
تذكرت الصورة التي وجدناها في الصندوق، نفس الرقم كان مكتوبًا خلف ناجي والرجل المسن.
لكن قبل أن نتكلم، قالت السيدة المسنة فجأة
الرجل اللي في الصورة... أنا عرفته.
نظرنا إليها جميعًا.
قالت ده صديق قديم لوالد ناجي، وكان أمين على أسرار العيلة كلها. لكن من حوالي سنتين اختفى، وكل الناس قالت إنه
ناجي تمتم يبقى هو اللي نقل الدفتر.
في هذه اللحظة، دوى جرس الباب مرة أخرى.
فتحناه بحذر.
وقف أمامنا ساعي بريد يحمل خطابًا مسجلًا.
سأل الأستاذ ناجي موجود؟
وقع ناجي على الاستلام، وما إن فتح الخطاب حتى تغير لون وجهه.
خطفته من يده.
كان استدعاء رسمي لحضور جلسة بعد ثلاثة أيام، ومرفق معه عبارة واحدة
يُرجى إحضار أصل دفتر الحسابات أو ما يثبت مكانه.
ساد الصمت.
الزوجة الثانية قالت بدهشة
يعني المحكمة نفسها بتدور على الدفتر؟
وقبل أن يجيب أحد...
رن هاتف السيدة المسنة.
ردت، ثم شهقت وقالت
إيه؟!... دلوقتي؟
أغلقت الهاتف وهي تنظر إلينا بوجه شاحب.
قلت بقلق خير؟
قالت بصوت مرتجف
المخزن اللي فيه الأمانة رقم 14... حصل فيه حريق من أقل من ساعة.
تسمرت أقدامنا.
لكنها أكملت بسرعة
الغريب... إن المطافي أنقذت جزءًا واحدًا فقط من المخزن.
سألتها أي جزء؟
ردت وهي تنظر إلى المفتاح الكبير الموجود في يدي
الجزء اللي فيه الأمانة رقم 14... وكأن النار وقفت عند بابها ولم تدخلها الرجل دخل بخطوات بطيئة، وكل واحد فينا كان باصص له كأنه شاف شبح.
ناجي اتراجع خطوتين للخلف وهمس
مستحيل... أبويا مات... أنا حضرت جنازته!
ابتسم الرجل ابتسامة حزينة وقال
اللي اتدفن يومها... ماكانش أنا.
ساد صمت رهيب.
لكن قبل ما حد يتكلم، السيدة المسنة قالت بحزم
لا... الكلام ده مينفعش. أنا شفت شهادة الوفاة بعيني.
الرجل أخرج من جيبه ظرفًا قديمًا، ووضعه على الطاولة وقال
عشان كده قلتلكم... متصدقوش أي حاجة قبل ما تقروا كل الأوراق.
مد ناجي إيده ناحية الظرف، لكن الرجل أوقفه.
وقال
مش دلوقتي... الأول لازم نفتح دفتر الحسابات.
فتحنا الدفتر، وكانت أول صفحاته عبارة عن حسابات قديمة، وأرقام، وأسماء، لكن بعد عدة صفحات ظهرت مذكرات مكتوبة بخط اليد.
كان أول سطر فيها
إذا كنتم تقرؤون هذه
الكلمات، فمعنى ذلك أن الخطة لم تكتمل كما أردت.
بدأنا نقلب الصفحات بسرعة.
كل صفحة كانت تحكي جزءًا من أحداث قديمة تخص العائلة، وبيع أراضٍ، وتقسيم ميراث، وأمانات تركها الجد الأكبر، لكن الصفحات الأخيرة كانت
قلت فين باقي الصفحات؟
الرجل المسن قال
مش هنا... الصفحات الأخيرة خرجت من الدفتر من سنين.
ناجي سأله
مين خدها؟
قبل أن يرد...
دخل أحد العاملين بالمخزن مسرعًا وهو يلهث.
قال
فيه ناس برة بيسألوا على الأمانة رقم 14، ومعاهم أمر رسمي.
الرجل المسن تغيرت ملامحه وقال بسرعة
اقفلوا الباب.
العامل أغلق الباب الحديدي.
ثم اقترب الرجل منا وقال بصوت منخفض
واضح إنهم عرفوا إن الدفتر اتفتح.
في نفس اللحظة، سمعنا طرقًا قويًا على الباب.
ثم صوت رجل من الخارج
افتحوا... إحنا مش جايين ناخد الأمانة... إحنا جايين ناخد الصفحة الأخيرة من الدفتر.
نظرنا إلى الدفتر بسرعة.
وقبل أن نفهم ما يقصده...
لاحظت شيئًا غريبًا.
الغلاف الخلفي للدفتر كان أكثر سُمكًا من الطبيعي.
ضغطت عليه بأصابعي.
فانفتح جزء سري صغير داخل الغلاف...
وكانت بداخله ورقة مطوية بعناية، عليها ختم قديم، وفي أعلاها عبارة
الصفحة التي لم يكن يجب أن يعثر عليها أحد.
تجمد الجميع في أماكنهم، بينما ازداد الطرق على الباب قوة، وكأن من في الخارج يعلم تمامًا أننا وجدنا ما كان يبحث عنه أمسكتُ الورقة بيدي، لكن الرجل المسن قال بسرعة
إوعي تفتحيها هنا.
قلت بانفعال ليه؟ كل شوية تقولوا استنوا! إحنا منعرفش الحقيقة لحد دلوقتي.
رد بهدوء لأن الحقيقة ناقصة... ولو قريتي الورقة قبل ما تعرفي اللي قبلها، هتفهميها غلط.
الزوجة الثانية قالت بضيق إحنا تعبنا من الألغاز.
وفي الخارج، استمر الطرق على الباب.
ثم جاء صوت رجل يقول
آخر مرة هنطلبها بهدوء... سلموا الورقة.
ناجي اقترب من الباب وقال
حضرتك مين؟
رد الصوت
إحنا منفذين لوصية قديمة... ومش هنمشي غير لما نستلمها.
الرجل المسن ابتسم لأول مرة، وقال
واضح إن الوصية وصلت لأكتر من شخص.
ثم أخذ الورقة من يدي، وقلبها.
وفجأة توقف.
على ظهر الورقة كان فيه رسم يدوي بسيط لخريطة، وأسفلها كلمات قليلة
البداية ليست في الشقة... ولا في المخزن... البداية تحت شجرة الجميز القديمة.
السيدة المسنة شهقت وقالت
شجرة الجميز!
سألناها في وقت واحد
إيه
حكايتها؟
قالت وهي تسترجع
كانت موجودة في بيت الجد القديم، قبل ما البيت يتهد. وكان محدش يقدر يقرب منها، لأن الجد كان بيقول إنها شايلة أمانة العيلة.
ناجي عقد حاجبيه وقال
بس البيت اتهد من أكتر من خمسة
متابعة القراءة