حملت وانا في اولي ثانوي بقلم زيزي احمد
باستغراب.
وقال
يعني حضرتك عارف كل حاجة؟
هز رأسه.
وعارف كمان إن الاتفاق من البداية كان إن نور تكمل تعليمها عادي، وإن الحمل لو حصل بعد الجواز محدش يجبرها تسيب المدرسة.
بص ناحية مدام ريهام وقال
ده كان شرط واضح... وكل الأطراف وافقت عليه.
مدام ريهام ضربت بإيدها على المكتب.
الكلام ده كفاية!
لكن المديرة ردت بحزم
لأ... لسه ما كفاش.
المحامي طلع ورقة تانية.
وقال
ودي إقرار بخط إيد كريم، بيتعهد فيه إنه هيدعم زوجته في استكمال تعليمها، وإنه مش هيمنعها من أي حق قانوني.
كريم فضل ساكت.
ولا قدر يرفع عينه.
أمي دموعها نزلت، لكن المرة دي كانت دموع راحة.
أما أبويا فلف ناحية كريم وقال
كنت فاكر إنك هتكون سند لبنتي... مش أول واحد يسيبها تواجه الناس لوحدها.
كريم حاول يتكلم.
أنا...
لكن الكلمات وقفت في زورِه.
في اللحظة دي، المديرة قفلت الملف، وقالت بهدوء
بالنسبة للمدرسة، نور طالبة لها كل الحقوق، وحملها بعد زواج رسمي لا يمنعها من استكمال تعليمها. وأي محاولة للضغط عليها أو إجبارها على ترك الدراسة هتتسجل رسميًا.
شعرت لأول مرة من الصبح إني قادرة آخد نفس.
لكن قبل ما الاجتماع ينتهي...
المحامي قال جملة خلت الكل يبص له مرة تانية.
في حاجة لسه ما حدش يعرفها... ولو اتقالت دلوقتي، هتغير العلاقة بين العيلتين كلها.
ثم فتح الملف الأزرق مرة أخرى...
وأخرج منه ظرفًا أبيض مختومًا بالشمع الأحمر.
وقال
والظرف ده... طلب مني صاحبه ما يتفتحش إلا لو نور اتعرضت للظلم فعلًا.
مدام ريهام شهقت...
وهمست بخوف
لا... مش الظرف ده!
يتبع...المحامي مسك الظرف لحظة، وبص للمديرة.
قال بهدوء
قبل ما أفتحه... أنا هسأل سؤال واحد.
لف ناحية مدام ريهام.
لسه مُصرة إن نور هي السبب في كل اللي حصل؟
مدام ريهام حاولت تتمالك نفسها.
طبعًا... أنا بدافع عن ابني.
المحامي هز
يبقى مفيش قدامي غير إني أنفذ الأمانة.
قطع الختم، وفتح الظرف.
طلع منه ورقة مكتوبة بخط اليد.
وفي أول السطر كان مكتوب
إقرار وإقرار مسؤولية.
المديرة أخدت الورقة، وبدأت تقرأ بصوت واضح
أنا كريم منصور، أقر أن نور زوجتي بعقد زواج رسمي، وأن استمرارها في الدراسة كان اتفاقًا بين العائلتين، وأتعهد بألا أسمح لأحد بحرمانها من حقها في التعليم أو الإساءة إليها...
رفعت المديرة عينيها عن الورقة.
بصت لكريم.
الإمضاء إمضتك؟
كريم نزل برأسه.
وقال بصوت بالكاد يُسمع
أيوه... إمضتي.
الأوضة كلها غرقت في صمت.
أبويا تنفس بعمق، وكأنه أخيرًا سمع الحقيقة من صاحبها.
أما أنا...
فكنت ببص لكريم.
مش غضبانة.
ولا فرحانة.
بس مستغربة...
إزاي الإنسان ممكن يخاف من كلام الناس للدرجة دي؟
المديرة قفلت الورقة، وقالت بحزم
خلاص... بالنسبة للمدرسة، الموضوع انتهى. نور هتكمل تعليمها، وأي إساءة أو تنمر عليها هيتعامل معاه بمنتهى الجدية.
كريم رفع عينه لأول مرة من بداية الاجتماع.
بصلي وقال
يا نور... ممكن أتكلم معاكي دقيقة؟
بصيت لأبويا.
فقال بهدوء
القرار قرارك.
خرجت مع كريم قدام باب المكتب.
وقف ساكت شوية، ثم قال
أنا غلطت... خوفت من ضغط أمي وكلام الناس، وما قدرتش أقف جنبك زي ما وعدتك.
ما رديتش.
كمل وهو صوته بيرتعش
لو سامحتيني... أوعدك إني أصلح كل حاجة.
كنت لسه هرد...
لكن باب المدرسة الخارجي اتفتح فجأة، ودخلت عربية فاخرة وقفت قدام المبنى.
نزل منها رجل كبير في السن، وكل العاملين في المدرسة عرفوه أول ما شافوه.
وأول كلمة قالها وهو داخل كانت
فين كريم؟ وفين مرات ابني؟
كريم اتجمد مكانه...
ومدام ريهام، أول ما شافت الراجل، وشها اتغير تمامًا، وقالت بصوت خافت
هو رجع...!
يتبع...الرجل دخل بخطوات ثابتة، وكل اللي في المدرسة وقفوا باحترام.
كان والد كريم.
كان مسافر بره مصر من شهور، ولسه راجع الصبح، وأول حاجة وصلته كانت أخبار اللي حصل.
بص لابنه نظرة طويلة.
وقال
صحيح اللي سمعته؟
كريم ما ردش.
كرر السؤال بصوت أقوى
صحيح سيبت مراتك تواجه الناس لوحدها؟
كريم نزل راسه.
أيوه... وأنا غلطت.
مدام ريهام قربت من جوزها بسرعة.
اسمعني الأول، الموضوع مش زي ما أنت فاهم...
رفع إيده، وقال بحزم
دوري أسمع الحقيقة من كل الأطراف، مش من طرف واحد.
لف ناحيتي.
وقال بهدوء
يا بنتي... حقك عليا.
الكلمة دي خلت أمي تبكي لأول مرة من بداية الأزمة.
وأبويا وقف ساكت، لكنه رد باحترام
إحنا مطلبناش غير حق بنتنا وكرامتها.
هز الرجل رأسه.
وده حقها كامل.
ثم التفت للمديرة.
أشكر حضرتك إنك ما سمحتِش إن طالبة تضيع بسبب ضغوط عائلية.
المديرة ابتسمت ابتسامة بسيطة.
ده واجبنا.
بعدها التفت لابنه.
من النهارده، مفيش إخفاء للجواز، ومفيش حد يجبر نور تسيب تعليمها. وهتتحمل مسؤولية بيتك وزوجتك وابنك.
كريم قال فورًا
حاضر يا بابا.
لكن والده رد بصرامة
الاعتذار بالكلام سهل... الأفعال هي اللي هتثبت.
ساد هدوء قصير.
وفجأة، المديرة قالت
بما إن الجميع موجود... في قرار لازم يتاخد بخصوص مستقبل نور الدراسي.
كل الأنظار اتجهت لها.
فتحت ملفًا جديدًا، وقالت
نور من الطالبات المتفوقات، وغيابها الفترة الأخيرة كان بسبب ظروفها الصحية. المدرسة مستعدة تساعدها تكمل دراستها، لكن لازم يكون فيه التزام من الأسرة كلها بدعمها.
أبويا قال فورًا
إحنا موافقين.
والد كريم قال
وأنا كمان.
أما كريم، فبصلي لأول مرة بثبات وقال
وأنا هكون أول واحد يساعدها.
بصيت له...
ولأول مرة من أيام طويلة، حسيت إن الخوف اللي كان مالي قلبي بدأ يخف.
لكن لسه ما كنتش قادرة أنسى كل اللي حصل.
ولما خرجنا من المدرسة، كانت ساحة المدرسة مليانة طلبة مستنيين يعرفوا نتيجة
أول ما شافونا خارجين سوا...
بدأ الهمس يرجع من جديد.
واحدة من البنات قالت بصوت عالي
يعني الإشاعات كانت كذب؟
وردت عليها بنت تانية
لأ... الحقيقة كانت مختلفة تمامًا.
وقبل ما نركب العربية، المديرة نادت عليّ من بعيد وقالت
يا نور... استنيني، في ورقة لازم تستلميها قبل ما تمشي.
رجعت لها، وأنا فاكرة إنها ورقة عادية...
لكن أول ما بصيت فيها، اتسعت عيني من المفاجأة.
كانت موافقة رسمية على منحة دراسية كاملة من المدرسة، تقديرًا لتفوقي، مع قرار خاص يضمن استمراري في الدراسة حتى بعد الولادة، من غير ما أخسر مستقبلي.
وقفت مكاني، والورقة بين إيديا...
وحسيت لأول مرة إن الأزمة دي، رغم قسوتها، ممكن تكون بداية حياة جديدة... لا نهايتها بعد ما استلمت الورقة، فضلت باصة لها وأنا مش مستوعبة.
المديرة ابتسمت وقالت
دي أقل حاجة تستحقيها. تعبك في المذاكرة عمره ما يضيع بسبب ظروف حياتك.
شكرتها، وخرجت مع أمي وأبويا.
لكن أول ما وصلنا باب المدرسة...
لقينا مجموعة من أولياء الأمور واقفين.
بعضهم كان بيبص باستغراب.
وبعضهم كان بيبتسم.
وست كبيرة قربت من أمي وقالت
ربنا يقوم بنتك بالسلامة... وإوعي تخليها تسيب تعليمها.
أمي ابتسمت لأول مرة من أيام.
وقالت
بإذن الله هتكمل.
ركبنا العربية، لكن كريم وقف برة.
كان واضح إنه عايز يتكلم.
أبويا بصلي وقال
لو حابة تسمعيه، اسمعيه... ولو مش حابة، محدش هيجبرك.
نزلت من العربية.
وقفت قدامه.
قال وهو بيحاول يبص في عيني
أنا عارف إن كلمة آسف قليلة... بس أنا فعلًا ندمان.
قلت بهدوء
الندم مش هيخليني أنسى اللي حصل.
هز رأسه.
عارف... وعشان كده مش هطلب منك تسامحيني دلوقتي. هخلي أفعالي هي اللي تتكلم.
سكت شوية، وبعدين مد إيده بورقة صغيرة.
دي مواعيد أول متابعة مع الدكتور... حجزتها من امبارح، حتى قبل ما بابا يرجع.
بصيت للورقة.
كان عامل حساب كل حاجة.
مواعيد الكشف.
والتحاليل.
وحتى عربية هتيجي توصلني وترجعني علشان مكلفش نفسي.
رفعت عيني له.
ولأول مرة حسيت إنه بدأ يفهم معنى المسؤولية.
لكن الطريق