في اللحظة دي، وقفت مكاني ومقدرتش أصرخ
اترفت، وظهر تحتها الصندوق الخشب الصغير.
فتحت الصندوق بإيدين بتترعش.. لقيت جوابات بخط إيد أمي، وعقود، وفلاشة USB. طارق طلع اللاب توب بتاعه فوراً وحط الفلاشة. وظهر التسجيل الصوتي اللي أمي كانت بتبكي فيه وبتحذرني من عيلة الهواري، وبتفهمني إنهم مش بس سرقوا نصيبها
وفي نفس اللحظة اللي كنا بنسمع فيها صوت أمي والدموع مغرقة وشي، سمعنا خبط جنوني ومكتوم على الباب برة!
طارق اتنفض وسحب طبنجته المرخصة من جنبه، ووقف ورا الباب وهو بيسأل بحذر
مين برة؟!
افتحوا.. أنا نيرمين.. وحياة أغلى حاجة عندكم افتحوا، حازم هيموتني!
طارق بصلي، وأنا هزيت رأسي بمعنى افتح. أول ما الباب اتفتح، نيرمين اترمت على الأرض.. وشها كان مشوه من الضرب، ورقبتها عليها علامات زرقاء ودم. حازم مكنش وراها؛ هي كانت هربانة بجلدها بعد ما رجال المباحث سابوهم في المستشفى، وحازم قفشها وعرف إنها كانت بتكذب عليه وان الحمل كاذب .
قعدت على الأرض وهي بتنهج وميتة من الرعب، وبصتلي وقالت
حازم عرف كل حاجة.. كان هيخنقني ويموتني في شقة التجمع لما واجهته بالتحاليل.. أنا جيت هنا عشان مفيش مكان تاني هيهربني منه غيرك يا مريم. أنا معايا السر اللي هيخليه يتعدم!
سر إيه؟ أنطقي! صرخت فيها وأنا ماسكة قميصها.
الجملة دي خلتني أحلف وأقسم قدام ربنا إن مفيش مخلوق على وجه الأرض هيقدر يفرق بيني وبينه تاني.
بس المرة دي، أنا مكنتش لوحدي ولا مكسورة الجناح.
حازم بدأ يبعت تهديدات صريحة؛ رسايل على تليفوني اسكتي وإلا يوسف هيختفي للأبد. وبعدها عربية جيب من غير نمر بدأت تراقب وتمشي ورا طارق المحامي. وفي ليلة، حد رمى مادة مشتعلة وولع في بوابة بيت مصر الجديدة. النار مأكلتش البيت لأن أهل المنطقة والجران خرجوا بجرايد ومية وخراطيم وبغل مالي قلوبهم. أم أحمد صاحبة الكشك اللي في أول الشارع زعقت قدام كاميرات التليفزيونات اللي جت تغطي
البنت دي مش هتسكت، وإحنا هنا رجالة ومنطقتنا مش عزبة عند عيلة الهواري!
الوقفة دي ادتني قوة عمري ما تخيلت إنها جوايا.
جلسة المحاكمة الكبرى كانت في محكمة جنايات القاهرة. القاعة كانت زحمة لآخرها.. صحفيين، قنوات، ناشطين، ومحامين، وستات كتير لابسين شيلان بنفسجي تضامناً معايا. دخلت القاعة وأنا لابسة فستان أبيض، وماسكة إيد يوسف جامد، ونيرمين ماشية ورايا، وشها أصفر بس عينيها فيها تحدي.
حازم كان قاعد قدام ببدلته الرمادي الشيك، مفيش فيه غلطة كالعادة. بس أول ما عينه جت في عين يوسف، قناع البرود والغرور اتهز من على وشه لثانية واحدة.. الثانية دي كانت كفاية تضمن لكل اللي في القاعة إنه عرف ابنه وفهم إن اللعبة انتهت.
القاضي طلب الهدوء.
حازم وقف وهو هيتجنن وصرخ في القاعة
الست دي كدابة! كلهم كدابين وبيتآمروا عليا!
القاضي خطع بالشاكوش وأمره بالسكوت والجلوس.
وفي الآخر، النيابة عرضت التسجيل الصوتي الأخير، وصوت حازم ملى القاعة كلها وهو بيقول للدكتور
الهدوء ساد القاعة، حتى الصحفيين مبقوش بيتحركوا من الصدمة.
غمضت عيني.. سماع الجملة دي قدام الناس كلها كسرني لآخر مرة، بس في نفس الوقت حررني. مبقتش كلمتي ضد كلمة راجل غني وصاحب نفوذ.. صوته هو اللي حفر قبره بإيده.
نيرمين برضه أخدت عقابها وخسرت شغلها وعقودها والشهرة وأصحابها، بس تضامنها وشهادتها خففوا عنها الحكم، وبقت بتشارك في أعمال الخدمة العامة والتعويض عن الضرر. إحنا مش صحاب، وعمرنا ما هنكون صحاب، بس ساعات العدالة بتحتاج حتى الناس اللي كانوا جزء من الجرح عشان الحقيقة تبان.
يوسف أخد وقت طويل عشان يقولي يا ماما. في الأول كان بيبص لي بخوف كأنه مستني إني هختفي في أي لحظة زي الباقيين.
وفي يوم، بعد كام شهر، كنا قاعدين في جنينة بيت مصر الجديدة بنزرع شجرة جهنمية جديدة مكان اللي اتعرّت. يوسف حط إيده الصغيره في الطين وبصلي بكل براءة
إنتي بجد هتفضلي قاعدة معايا ومش هتمشي؟
نزلت على ركبي وقعدت قصاده
العمر كله يا قلب ماما.. مش هسيبك أبداً.
بص في وشي بتركيز كأنه بيقرأ عقد أمان، وبعدين رما نفسه في حضني وقال
خلاص.. يبقى من هنا ورايح هقولك يا ماما.
عيطت ودفنت وشي في شعره.. مكنش عياط كسرة ولا هزيمة، كان عياط راحة ورجوع للروح.
يوسف دلوقتي بيجري في الصالة ويلعب مع كلب بلدي متبنيينه ومسميينه سُكر. والأستاذ طارق بقى شريكي وسندي في الحياة، مش عشان ينقذني، عشان يمشى جنبي خطوة بخطوة من غير ما يحاول يتحكم فيا أو يقرر مكاني. أنا اتعلمت إن السلام مش دايماً بيجي في السكوت؛ ساعات السلام بيجي في شكل حكم محكمة ممضي، باب مفتوح على الدنيا، ابن راجع لحضنك، وحقيقة بتتقال بأعلى صوت ومحدش يقدر يداريها.