بعد خمس سنين

لمحة نيوز

بعد خمس سنين من وفاة مراتي، أخدت بنتي وروحت فرح أقرب صاحب ليا لكن أول ما شال الطرحة من على وش العروسة، حياتي كلها انهارت. ولما بنتي همست وقالت بابا إنت بتعيط ليه؟، العروسة بصت في عيني وفي اللحظة دي كل الأسرار اتكشفت.
مكنتش ناوي أروح الحفلة أصلًا.
اللي غصبني كان صاحبي في الشغل محمود.
قاللي
يا عم اطلع من اللي إنت فيه شوية ساعة واحدة بس، وبعدها امشي.
كنت بقالي أسابيع شغال ورديتين في شركة مقاولات.
جسمي كان مكسر.
وحاسس إن ضهري اتبنى بالطوب.
فضل يزن عليا لحد ما دخلني شقة فخمة في الزمالك.
ضحك وهو بيزقني لجوه
ساعة واحدة وبعدها ارجع بيتك وكمل عزلتك براحتك.
الغريب
إن أهم لحظات عمرنا بتيجي وإحنا أقل ناس مستعدين ليها.
الحفلة كانت مليانة ناس شكلهم عمرهم ما شالوا حاجة أتقل من كوباية عصير.
وأنا
لابس جينز قديم وتيشيرت باهت.
حسيت إني غلطان في العنوان.
لحد ما شوفتها.
ريم.
هي كمان ماكانتش جاية الحفلة.
عرفت بعدين إنها كانت جاية تدي حاجة لصاحبتها وتمشي.
عيوننا اتقابلت من آخر القاعة.
وفي ثانية
حسيت إن في حاجة حصلت.
شرارة
ولا قدر
ولا نصيب
مش عارف.
بس عرفت إني عايز البنت دي تبقى جزء من حياتي.
سألت محمود وأنا ببصلها
مين دي؟
بص ناحيتها وصفّر وقال
دي ريم بلاش حتى تفكر. أهلها من أكبر رجال الأعمال في مصر.
بس أنا كنت بالفعل ماشي ناحيتها.
أول ما قربت
ابتسمت.
والابتسامة دي خبطتني في قلبي.
مديت إيدي وقلت
أنا اسمي عمر.
ابتسمت وقالت
وأنا ريم.
إيدها كانت صغيرة
بس مسكتها كانت قوية.
وبعدين ضحكت وقالت
واضح إنك متضايق من الحفلة زيي.
قعدنا نتكلم بالساعات.
مكنتش متكبرة.
ولا مدلعة.
ولا عندها أي إحساس إنها أحسن من الناس.
كانت دافية
وبسيطة
ولطيفة بشكل خلاني أول ما وصلتها لعربيتها أعرف إن قلبي راح.
وقبل ما تركب قالتلي
أهلي هيكرهوك.
ابتسمت وسألتها
وده هيبقى مشكلة؟
بصتلي نظرة عمري ما نسيتها وقالت
غالبًا بس مش فارق معايا.
بعد ست شهور
اتجوزنا.
أهلها ماحضروش الفرح.
قطعوا علاقتهم بيها نهائي.
حرموها من الورث.
ومن العيلة.
ومن كل حاجة.
بس وهي ماسكة إيدي قالت
أنا
مش عايزة

فلوس أنا عايزاك إنت.
وساعتها
كان ده كفاية.
استأجرنا شقة صغيرة أوضتين.
أنا أشتغل الصبح في المقاولات
وأدرس هندسة معمارية بالليل.
وهي اشتغلت في جاليري للفنون.
وكنا مبسوطين
أو على الأقل
أنا كنت فاكر كده.
لحد ما بنتنا ملك اتولدت.
ومن بعدها
ريم اتغيرت.
النور اللي كان في عينيها بدأ يختفي.
وبقت كل شوية تقارن حياتنا بالحياة اللي سابتها.
في يوم وإحنا بناكل مكرونة في المطبخ
وملك نايمة جنبنا
قالت
صاحبتي اشترت فيلا في الساحل.
قلت وأنا مركز في الرسومات قدامي
ربنا يزيدها.
ردت بضيق
عزمتنا هناك واضطريت أقولها إننا مانقدرش.
الكلام وجعني.
قلت
إحنا كويسين يا ريم وكل حاجة هتبقى أحسن مع الوقت.
بصتلي بعصبية وقالت
إمتى؟ لما ملك تدخل الجامعة؟ ولا لما نطلع معاش؟ أنا زهقت من كلمة بعدين.
ومن اليوم ده
الخناقات بقت كل يوم.
بقت تكره الميزانية.
وتكره الشقة.
وتكره حياتنا.
كانت دايمًا تقول
دي مش الحياة اللي كنت بحلم بيها.
كأني أنا ضحكت عليها.
كأن الحب المفروض يدفع الفواتير.
وفي مرة قلتلها
إنتي كنتي عارفة أنا مين قبل ما تتجوزيني.
ردت ببرود قتلني
يمكن دي كانت أكبر غلطة عملتها.
تاني يوم
خرجت من الشغل بدري.
اشتريت ورد
وقلت أفاجئها.
دخلت البيت
لقيته ساكت.
بشكل مخيف.
شنطتها
هدومها
كل حاجتها
اختفت.
وفي سرير بنتنا
لقيت ورقة.
مكتوب فيها
أنا عايزة أطلق. سامحني بس جوازنا كان غلطة. سيبت ملك عند أم محمد جارتنا في الدور الخامس خليها معاك.
فضلت أتصل بيها ميت مرة.
ولا رد.
روحت فيلا أهلها.
واقف قدام البوابة
وشكلي يقطع القلب.
الأمن وقفني.
وقال
حضرتك ممنوع تدخل.
قلتله
بس عايز أكلم ريم دقيقة.
هز راسه وقال
اتفضل امشي.
بعد يومين
وصلتني ورق الطلاق.
وريم تنازلت رسمي عن حضانة ملك.
وكل حاجة كانت مخلصة بمحامين أبوها.
وبعدين
جات الضربة الأخيرة.
بعد ست شهور من اختفائها
اتصلت بأهلها للمرة الأخيرة.
ردت أمها وقالت ببرود
ريم ماتت في حادثة عربية.
ومتتصلش هنا تاني.
إنت بالنسبة لها كنت ولا حاجة.
وقفلت السكة.
وقعت على أرض المطبخ.
وفضلت أعيط
لحد ما ملك صحيت تعيط هي كمان.
حتى قبرها
رفضوا
يخلوني أشوفه.
كأنها عمرها ما كانت موجودة.
غرقت نفسي في الشغل.
وفي تربية ملك.
خلصت دراستي.
وبقيت أصمم بيوت بدل ما أبنيها بس.
واسمي بدأ يكبر.
وبعد تلات سنين
بقى عندي شركة هندسية خاصة بيا.
وملك كبرت
وبقت نسخة من أمها.
عدت خمس سنين.
الوجع خف
بس عمره ما اختفى.
لحد اليوم
اللي وصلتني فيه دعوة فرح
يتبع
لايك وصلو ع النبي وهرد عليكموصلتني الدعوة في ظرف أسود أنيق، مكتوب عليه اسمي بخط محفور.
المهندس عمر السيوفي.
استغربت.
أنا ماليش علاقة بالمستويات دي من الأفراح.
قلبت الكارت لقيت اسم العريس...
كريم فؤاد.
وقفت مكاني.
كريم...
أقرب صاحب ليا من أيام الكلية.
الراجل الوحيد اللي وقف جنبي بعد ما ريم سابتني.
كان كل عيد يجيب هدية لملك.
وكل سنة في عيد ميلادها يفضل معاها لحد ما تنام.
ابتسمت لأول مرة من زمان وقلت
لا... دي لازم أروحها.
ملك كانت قاعدة على الكنبة بتلون رسمة.
رفعت راسها وقالت
بابا... هو فرح؟
ابتسمت
أيوه يا قلب بابا.
جريت حضنتني.
هاجي معاك؟
ضحكت وأنا بشيلها.
طبعًا... بس بشرط.
إيه؟
ما تاكليش التورتة قبل العرسان.
ضحكت بصوت عالي وقالت
أوعدك... هاكلها بعدهم.
...
يوم الفرح...
لبست بدلة كانت آخر مرة لبستها يوم مناقشة مشروع تخرجي.
وقفت قدام المراية.
شعري بقى فيه خصل بيضا.
والتجاعيد حوالين عيني زادت.
لكن أكتر حاجة لفتت نظري...
إني بقيت شبه أبويا.
ملك خرجت من أوضتها بفستان أبيض بسيط.
لفت قدامي وهي بتضحك.
حلوة؟
ركعت قدامها وعدلت الطرحة الصغيرة اللي على شعرها.
وقلت
إنتي أجمل بنت في الدنيا.
ابتسمت وقالت
ماما كانت هتقول كده برضه؟
اتجمدت.
الكلمة دي...
لسه بتوجع.
ابتسمت بالعافية.
أيوه... كانت هتقول أكتر من كده.
...
وصلنا الفندق.
قصر كبير...
إضاءته كانت منورة السما.
والناس كلها لابسة شيك بشكل خلاني أحس إني رجعت أول حفلة شوفت فيها ريم.
ملك شدت إيدي.
بابا... الناس دي كلها أغنيا؟
ضحكت.
واضح كده.
دخلنا لقينا كريم بيجري علينا.
حضنني جامد.
وقال
كنت فاكر مش هتيجي.
قلت
مستحيل أغيب عن يوم زي ده.
بص لملك.
فتح دراعاته.
دي الأميرة كبرت
بقى؟
جريت عليه حضنته.

ضحك وقال
لسه فاكر لما كنتي بتستخبي ورا الكنبة كل ما أشوفك.
ملك ردت بفخر
دلوقتي عندي تسع سنين... مبخفش.
ضحكنا كلنا.
لكن وأنا ببص حوالي...
استغربت.
ولا صورة للعروسة.
ولا حتى اسمها مكتوب.
سألت كريم
إيه يا عم... مخبيها ليه؟
ابتسم ابتسامة غريبة.
وقال
عايزها تبقى مفاجأة.
الموضوع عدى...
بس جوايا إحساس مش مريح.
...
بدأت الموسيقى.
الأنوار خفت.
المذيع أعلن دخول العروسة.
كل الناس وقفت.
وأنا وقفت أشيل ملك عشان تشوف.
قالت وهي بتصفق
العروسة جميلة؟
ضحكت.
لسه هنعرف.
باب القاعة اتفتح ببطء.
ودخلت العروسة.
فستانها كان أبيض ناصع.
وطرحتها نازلة لحد الأرض.
كانت ماشية بخطوات هادية...
لكن أول ما قربت من المسرح...
حصل حاجة غريبة.
إيدي بدأت ترتعش.
قلبي بقى يدق بعنف.
ريحة عطر...
قديمة.
ريحة كنت حافظها.
ريحة مستحيل أنساها مهما عدت سنين.
همست لنفسي
مستحيل...
لا... أكيد بتخيل.
ملك بصتلي باستغراب.
بابا... إيدك ساقعة.
بلعت ريقي.
وحاولت أضحك.
لكن عيني كانت معلقة بالعروسة.
كريم ابتسم...
ومد إيده ناحية الطرحة.
وقال بصوت عالي
وأخيرًا... اللحظة اللي استنيتها طول عمري.
وبدأ يرفع الطرحة ببطء...
يتبع...القاعة كلها سكت.
حتى الفرقة بطلت تعزف للحظة.
كريم رفع الطرحة سنتي... واتنين... وتلاتة...
وأول ما وش العروسة بان...
حسيت إن الأرض بتتمرجح تحت رجلي.
نفسي اتقطع.
ورجليا خانتني.
همست من غير ما أحس
ريم...؟
الاسم خرج لوحده.
العروسة رفعت عينيها ناحيتي.
نفس لون العينين.
نفس الرموش.
حتى الشامة الصغيرة اللي جنب خدها الشمال...
كانت في نفس مكانها.
ملك بصتلي بفزع.
شدت على إيدي وهمست
بابا... إنت بتعيط ليه؟
ماكنتش حاسس إن الدموع نزلت.
غير لما لمستها بإيدي.
العروسة هي كمان اتجمدت.
ابتسامتها اختفت.
ولثانية كاملة...
فضلت باصة في عيني من غير ما ترمش.
كريم لاحظ.
لف ناحيتي وقال وهو بيضحك
إيه يا عمر؟ شكلك شوفت عفريت.
ماكنتش قادر أرد.
كل اللي كنت شايفه...
هو وش مراتي اللي قالولي إنها ماتت من خمس سنين.
العروسة بلعت ريقها.
وبصت بسرعة في الأرض.
كأنها بتحاول
تهرب من نظراتي.
المأذون
قال
اتفضلوا يا جماعة نقعد عشان نكمل الإجراءات.
لكن محدش كان واخد باله.
لأن ملك قالت بصوت مسموع وهي بتبص للعروسة
بابا... الست دي شبه ماما أوي.
ناس كتير التفتوا.
العروسة غمضت عينيها لحظة.
ولما فتحتهم...
كان في دمعة لمعت بسرعة واختفت.
قلبي كان بيصرخ.
لو دي ريم... يبقى مين اللي دفنوه؟
ولو مش ريم...
إزاي شبهها
بالشكل ده؟
بعد كتب الكتاب،
تم نسخ الرابط