بعد خمس سنين

لمحة نيوز

الناس اتلمت حوالين العرسان.
وأنا فضلت واقف مكاني.
مش قادر أتحرك.
لحد ما لقيت واحد من الجرسونات جه ناحيتي.
وقال بصوت واطي
حضرتك المهندس عمر؟
بصيتله باستغراب.
أيوه.
مدلي ظرف أبيض صغير.
وقال
العروسة طلبت أسلمهولك بعد كتب الكتاب مباشرة... وقالت لازم محدش يشوفه.
قبل ما أسأله أي حاجة...
كان اختفى وسط الزحمة.
فتحت الظرف بإيد بترتعش.
كان جواه ورقة واحدة.
ومكتوب فيها بخط إيد كنت حافظه عن ظهر قلب
لو لسه بتثق فيا... متقولش لأي حد إنك عرفتني. واستناني الساعة 11 عند الجناح القديم في آخر جنينة الفندق... لو جيت، هتعرف الحقيقة كلها.
اتسمرت مكاني.
رفعت عيني بسرعة ناحية المسرح.
لكن العروسة...
كانت واقفة تبتسم للكاميرات.
كأن الرسالة دي...
عمرها ما خرجت من إيدها.
يتبع...فضلت أبص للورقة مرة... وللمسرح مرة.
إيدي كانت بتترعش.
كل عقلي بيقول
دي خدعة.
لكن قلبي...
كان بيقول حاجة تانية.
ملك شدت هدومي.
بابا... مالك؟
خبّيت الورقة بسرعة في جيب الجاكيت.
وحاولت أبتسم.
مفيش يا حبيبتي... تعالي ناكل تورتة.
فضلت طول الفرح سرحان.
كل ما أبص ناحية ريم...
ألاقيها بتضحك مع الناس.
لكن في كل مرة كانت عينيها تسرق نظرة ناحيتي.
نظرة قصيرة...
مليانة خوف.
وكأنها بتقولي
اصبر... مش دلوقتي.
الساعة قربت من الحداشر.
سلمت ملك لمحمود، اللي كان موجود في الفرح هو ومراته.
قلتله
خليها معاكم عشر دقايق... هرد على تليفون مهم وأرجع.
بصلي باستغراب.
إنت كويس؟
هززت راسي.
أيوه.
لكن الحقيقة...
إني مكنتش كويس خالص.
خرجت من القاعة.
لفيت حوالين الفندق.
لحد ما وصلت للجنينة القديمة.
مكان هادي...
إضاءته ضعيفة.
وفي آخره جناح خشبي قديم، واضح إنه مقفول من سنين.
بصيت في الساعة.
1100 بالظبط.
عدت دقيقة...
اتنين...
خمسة.
بدأت أحس إني اتضحك عليا.
ولفيت عشان أمشي.
وفجأة...
سمعت صوت ورايا.
عمر...
الصوت...
خلاني أتجمد.
لفيت ببطء.
كانت واقفة بعيد شوية.
لابسة نفس فستان الفرح.
لكن كانت شايلة الطرحة في إيديها.
وعينيها مليانة دموع.
همست
أنا عارفة إنك بتكرهني.
قلت بصوت
مخنوق
إنتي...
إنتي مين؟
سكتت
ثواني.
وبعدين قالت
أنا ريم.
الكلمة نزلت عليا كالصاعقة.
جريت ناحيتها.
وقفت قدامها.
بصيت في وشها من قريب.
لمست خدها بإيدي...
كأني بتأكد إنها مش حلم.
صرخت
قالولي إنك موتي!
نزلت دموعها.
عارفة.
بنتك كبرت خمس سنين وهي فاكرة إن أمها ماتت!
غطت وشها بإيديها وهي بتبكي.
كل يوم كنت بموت ألف مرة.
مسكتها من كتفها.
مين عمل كده؟!
قبل ما ترد...
سمعنا صوت خطوات سريعة جاية من ورا الأشجار.
ريم اتغير لون وشها.
وبصت ناحيتي بذعر.
وقالت بصوت مرتعش
لا... هما عرفوا إني كلمتك!
في اللحظة دي...
طلع تلات رجالة لابسين بدلات سودا من بين الضلمة.
وقفوا على بعد كام متر.
وأكبرهم سنًا قال ببرود وهو بيبص لريم
واضح إنك نسيتي الاتفاق...
ثم حول نظره إليّ وقال
المهندس عمر... أنصحك تمشي دلوقتي، لأن الحقيقة اللي بتدور عليها... ممكن تكلفك حياتك.
يتبع...ابتسمت بسخرية وأنا ببص للراجل.
قلت
أنا ضيعت خمس سنين من عمري... ومش همشي غير لما أفهم.
الراجل زفر بضيق.
وبص للاتنين اللي واقفين وراه.
خدوا المدام.
أول ما واحد منهم مد إيده ناحية ريم...
وقفت قدامها من غير تفكير.
قلت بحزم
حد يلمسها... يعدي عليا الأول.
ريم كانت بترتعش.
وشدت في كم القميص بتاعي وهمست
عمر... أرجوك... متخليش الموضوع يكبر.
بصيت لها بعدم تصديق.
بعد كل اللي حصل... لسه بتخافي عليهم؟
نزلت دمعة من عينها وقالت
أنا بخاف عليك... وعلى ملك.
الراجل الكبير طلع ظرف من جيبه.
ورماه على الأرض قدامي.
افتحه.
فتحت الظرف.
لقيت صور.
أول صورة...
أنا خارج من المدرسة وماسك إيد ملك.
تاني صورة...
ملك وهي راجعة من درس الإنجليزي.
تالت صورة...
بيتي.
العربية بتاعتي.
وشركتي.
اتجمد الدم في عروقي.
الراجل قال بهدوء
إحنا عارفين كل خطوة في حياتك من خمس سنين.
قبضت على الصور بعصبية.
إنتوا عايزين إيه؟
بص ناحية ريم وقال
اسألها هي.
كل الأنظار راحت عليها.
ريم أخدت نفس طويل...
وقالت بصوت مكسور
أنا ما سبتكش عشان الفلوس.
أنا سبتك... عشان أنقذك.
اتجمدت مكاني.
يعني إيه؟
قالت وهي بتحاول تمنع دموعها
اليوم اللي
سبت فيه البيت... اكتشفت إن أبويا
داخل في شغل قذر مع ناس خطر جدًا... وكانوا عايزين يستخدموك في توقيع مشاريع باسم شركتك بعد ما تتخرج.
قلت بانفعال
وأنا مالي؟
هزت رأسها.
لأنك رفضت تشتغل معاه قبل كده... وهو قال بالحرف لو عمر فضل عايش بعيد عننا، هيبقى مشكلة.
بلعت ريقي.
ولما واجهته...
غمضت عينيها.
قاللي قدامي إنه هيخلص منك... ولو معرفش، هيخطف ملك.
حسيت إن الدنيا بتلف.
ريم كملت
طلب مني أختار... يا إما أختفي من حياتكم تمامًا، يا إما أشوفكم بتموتوا قدامي.
قلت بصوت مخنوق
وده خلاكي توافقي إنهم يقولوا إنك موتي؟
هزت رأسها ببطء.
كنت فاكرة إني لما أبعد... هيسيبكم في حالكم.
في اللحظة دي...
رن تليفون الراجل الكبير.
رد باختصار.
ملامحه اتغيرت.
بص لريم بغضب.
وقال
الحاج عرف إنك قابلتيه.
سكت لحظة...
ثم قال ببرود
ومن دلوقتي... مفيش داعي نمثل.
رفع عينه ناحيتي وقال
أبو ريم جاي بنفسه.
ريم شهقت.
ورجعت خطوة لورا.
أما أنا...
فبصيت ناحية مدخل الجنينة.
ولقيت عربية سوداء فخمة دخلت ببطء.
ولما الباب اتفتح...
نزل منها رجل أنيق، شعره كله أبيض، لكن نظراته كانت حادة بشكل يخوف.
بص ناحيتي مباشرة...
وقال أول جملة
أخيرًا اتقابلنا يا عمر... وفي الليلة دي، هتعرف ليه اضطريت أدفن بنتي وهي لسه عايشة.
يتبع...سكت المكان كله.
حتى الهوا اللي كان بيحرك الشجر، حسيت إنه وقف.
بصيت للرجل وأنا قابض إيدي بقوة.
قلت من بين سناني
إنت حرمت بنتي من أمها خمس سنين... ولسه واقف قدامي كأنك ما عملتش حاجة؟
بصلي بنظرة باردة.
وقال
لو كنت مكاني... كنت هتعمل أكتر.
صرخت فيه
ولا عمري!
رفع إيده، والرجالة اللي حواليه رجعوا خطوة لورا.
واضح إنه كان عايز يتكلم.
قال بهدوء غريب
قبل ست سنين، دخلت في شراكة مع ناس كنت فاكرهم رجال أعمال... لكن طلعوا أخطر من كده بكتير.
سكت لحظة.
ثم كمل
ولما حاولت أخرج... طلبوا مني حاجة واحدة.
بصيتله باستهزاء.
إيه هي؟
رد وهو بيبص لريم
يسلموني بنتي... أو ياخدوا كل اللي بحبه.
ريم نزلت دموعها.
واضح إنها كانت سامعة القصة دي قبل كده.
قال
رفضت... فبدأوا يراقبوا العيلة
كلها.
وبعدين عرفوا إن ريم اتجوزتك.

وإن عندها بنت.
ومن ساعتها... بقيتوا كلكم هدف.
قلت بغضب
يعني الحل كان تكذبوا وتقولوا إنها ماتت؟
هز رأسه.
لأنهم كانوا بيدوروا عليها.
ولو عرفوا إنها عايشة... كانوا هيستخدموها عشان يوصلولكم.
قلت
وأنا كنت مستعد أحارب معاها.
رد بحزن لأول مرة
يمكن... لكن ملك كانت هتدفع التمن.
فضلت ساكت.
كل كلمة كان بيقولها بتزود الأسئلة.
بصيت لريم.
قلت
ولو ده كله حقيقي... إزاي إنتي عروسة كريم؟
ريم مسحت دموعها.
وقالت
أنا مش مراته.
اتجمدت.
إيه؟
كريم خرج من الضلمة في اللحظة دي.
كان واقف من بدري... وسمع كل حاجة.
قرب وهو بيفك رابطة الكرافتة.
وقال
أنا اللي طلبت منها تمثل دور العروسة.
بصيتله بعدم فهم.
يعني الفرح...
ابتسم ابتسامة حزينة.
مفيش جواز أصلًا.
الليلة دي كانت مجرد تمثيلية.
قلت بعصبية
تمثيلية؟!
قال
كان لازم نجمع كل الناس اللي ورا القصة في مكان واحد... ونخليهم يطلعوا من مخابئهم.
بصيت حواليّ.
فجأة لاحظت عربيات شرطة بتقف بعيد عن الفندق.
وأضواء زرقا وحمرا بدأت تنور المكان.
في نفس اللحظة...
صوت صفارات الشرطة قرب بسرعة.
الرجالة اللي كانوا مع والد ريم اتوتروا.
واحد منهم همس
إحنا اتكشفنا!
لكن قبل ما أي حد يتحرك...
دوى صوت طلقة نار في الجنينة.
والكل لف ناحية الصوت...
ولقينا واحد من الرجال واقع على الأرض...
أما الشخص اللي كان ماسك السلاح...
فكان مختفي وسط الضلام.
يتبع...صراخ الناس دوّى في الجنينة.
الكل جري يستخبى.
وأفراد الأمن اندفعوا ناحية الصوت.
أنا أول حاجة عملتها كانت إني أجري على ملك.
صرخت بأعلى صوتي
ملك!
ريم مسكت دراعي بسرعة.
استنى... محمود خرج بيها أول ما سمع الصوت.
بصيت لها بقلق.
إنتِ متأكدة؟
هزت راسها.
أيوه... أنا شفتهم من بعيد.
اتنفست لأول مرة من ساعة ما بدأت الليلة.
لكن الهدوء ما كملش.
ضابط شرطة دخل الجنينة ومعاه قوة كبيرة.
وقال بصوت حازم
محدش يتحرك!
في اللحظة دي...
والد ريم رفع إيده بهدوء وقال
أنا اللي بلغت.
استغرب الضابط.
إنت؟
رد
أيوه... لأن اللعبة انتهت.
لكن قبل ما يكمل...
واحد من الرجالة
اللي كانوا واقفين بعيد فجأة جرى ناحية
سور الفندق.
صرخ الضابط
امسكوه!
بدأت مطاردة وسط الجنينة.
وبعد دقائق...
سمعنا صوت مقاومة، ثم ساد الصمت.
رجع أحد الضباط وهو ماسك حقيبة جلد سوداء.
فتحها قدام الكل.
كانت مليانة ملفات...
وعقود...
وفلاشات إلكترونية.
الضابط قلب في الأوراق، ثم رفع رأسه وقال
واضح إن دي كل الأدلة

اللي كنا بندور عليها من سنين.
والد ريم غمض
تم نسخ الرابط