بعد خمس سنين

لمحة نيوز

عينيه كأنه شال حمل تقيل من على كتفه.
بص ناحيتي وقال
دلوقتي تقدر تكرهني براحتك... لكن اعرف إني كل يوم كنت بندم على اللي عملته.
أنا ما رديتش.
كل اللي كنت شايفه...
هو ريم.
واقفة على بعد خطوات.
خمس سنين من الغياب...
وخمس سنين من الأسئلة...
وخمس سنين بنتي كانت بتنام وهي فاكرة إن أمها تحت التراب.
قربت منها ببطء.
قلت بصوت مكسور
قوليلي حاجة واحدة...
كل يوم من الخمس سنين دول...
فاكرة ملك؟
انهارت في البكاء.
وقالت
مافيش يوم عدى إلا وأنا محتفظة بصورة ليها... كنت بعرف أخبارها من بعيد... وكل عيد ميلاد كنت أشتري هدية وأرجع أخبيها... لأني ماكنتش أقدر أقرب.
مدت إيدها في شنطة صغيرة كانت معاها.
طلعت علبة خشب قديمة.
فتحتها.
كان فيها خمس دُمى صغيرة...
وخمس كروت مكتوب على كل واحد منها
إلى ملك... في عيد ميلادك.
واحد لكل سنة غابت فيها.
وقفت أبص للكروت...
وحسيت إن قلبي بينشد في اتجاهين.
جزء عايز يصدقها...
وجزء لسه موجوع من اللي حصل.
وفي اللحظة دي...
سمعنا صوت طفلة بتجري وهي بتنادي
بابا!
لفيت بسرعة...
لقيت ملك داخلة الجنينة وهي بتجري ناحيتي، ومحمود بيحاول يلحقها.
حضنتني بقوة.
وبعدين رفعت رأسها...
وشافت ريم واقفة.
سكتت.
بصت في وشها ثواني طويلة.
وريم كانت واقفة مكانها، مش قادرة تتحرك، والدموع مغرقة وشها.
وفجأة...
ملك سابت إيدي، وخطت خطوة صغيرة ناحية ريم...
وقالت بصوت بريء
هو... إنتِ شبه ماما أوي... ينفع أحضنك؟
وتجمد الجميع في أماكنهم...
يتبع...ريم ماقدرتش
ترد.
كل اللي عملته...
إنها
وقعت على ركبتها، وفتحت دراعاتها وهي بتبكي.
ملك قربت منها بخطوات مترددة.
وبعدين حضنتها.
حضن صغير...
لكن كان كفاية يهز كل اللي واقفين.
ريم انفجرت في العياط.
كانت بتبوس شعر ملك ووشها وإيديها، وكأنها بتحاول تعوض خمس سنين في ثواني.
وهي بتردد بصوت مخنوق
سامحيني... سامحيني يا بنتي... ماما آسفة.
ملك بعدت عنها سنة بسيطة.
ومسحت دموع ريم بإيديها الصغيرة.
وقالت ببراءة
متعيطيش... بابا بيقول إن اللي بنحبهم لما يعيطوا، قلبنا بيوجعنا.
الكلمة دي كسرتني.
بصيت الناحية التانية عشان محدش يشوف دموعي.
ريم رفعت عينيها ناحيتي.
وقالت
عارفة إنك مش هتسامحني بسهولة... ويمكن عمرك ما تسامحني.
لكن أوعدك...
مش هختفي تاني.
قبل ما أرد...
قرب ضابط الشرطة.
وقال
إحنا محتاجين أقوال كل الموجودين.
والد ريم بصلي.
وقال بهدوء
بعد ما الموضوع يخلص... عندي حاجة لازم تعرفها.
قلت بحدة
لسه في حاجة تانية؟
هز راسه.
أيوه... وأعتقد إنها هتغير نظرتك لكل اللي حصل.
دخلنا الفندق في أوضة خاصة.
الضابط بدأ يسجل الأقوال.
وبعد أكتر من ساعة...
وقف والد ريم.
طلع ملف بني قديم من شنطة جلد.
وحطه قدامي.
افتح.
فتحت الملف.
لقيت عشرات الأوراق.
أولها...
تقارير من مستشفى.
وبعدين خطابات.
وصور.
وفي آخر الملف...
ظرف صغير مكتوب عليه بخط ريم
يتفتح لو حصل لي حاجة أو اضطر أبعد عن عمر.
بصيت لها.
كانت منزلة راسها.
فتحت الظرف.
كانت فيه رسالة طويلة.
أول سطر فيها خلاني أتجمد
عمر... لو بتقرأ الرسالة دي، يبقى أنا فشلت أرجعلك
في الوقت اللي وعدت
نفسي بيه.
كملت القراءة، وكل كلمة كانت تقيلة على قلبي.
ريم كانت كاتبة إنها كانت بتكتبلي رسالة كل شهر.
وإنها كانت متأكدة إن الحقيقة هتظهر يومًا ما.
وإنها طلبت من والدها، لو الخطر انتهى، يسلملي كل الرسائل.
رفعت عيني بسرعة.
قلت
كل الرسائل؟
والدها أشار ناحية صندوق خشبي صغير.
كلهم هنا.
فتحت الصندوق.
كان فيه...
ستين رسالة.
رسالة عن كل شهر عدى وهي بعيدة.
وكل واحدة بتاريخها.
أول رسالة كانت بعد أسبوع من اختفائها.
وآخر رسالة كانت قبل الفرح بثلاثة أيام.
وقفت أبص للصندوق وأنا مش قادر أتكلم.
ريم قالت بصوت مبحوح
كل يوم كنت بكتبلك اللي مقدرتش أقوله... ويمكن الرسائل دي تشرح اللي لساني عمره ما عرف يشرحه.
مديت إيدي ولمست أول رسالة...
ثم بصيت لريم.
وبصيت لملك، اللي كانت ماسكة إيد أمها لأول مرة من خمس سنين.
لكن رغم كل الدموع...
ورغم كل التفسيرات...
كان لسه في سؤال واحد جوايا، السؤال اللي هيحدد إذا كان ينفع نبدأ من جديد...
أو إن كل اللي اتكسر...
عمره ما يتصلح.
يتبع...فضلت ماسك أول رسالة... لكن ما فتحتهاش.
بصيت لريم.
وقلت بهدوء لأول مرة من ساعة ما شوفتها
قبل أي رسالة... جاوبيني على سؤال واحد.
هزت رأسها.
اسأل.
بلعت ريقي.
وسألت
لما سيبتي البيت... كنتِ لسه بتحبيني؟
سكتت.
ثانية...
واتنين...
وبعدين قالت وهي بتبكي
أنا عمري ما بطلت أحبك.
لو كنت بطلت أحبك... كان الموضوع هيبقى أسهل بكتير.
لكن أنا كنت بموت كل يوم.
قلت بوجع
طب ليه سيبتيني أكرهك؟
قالت
لأن كرهك ليا... كان أهون عندي
من إني
أشوفك ميت.
القاعة سكتت.
حتى والدها نزل رأسه.
قعدت على الكرسي وأنا حاسس إن كل السنين اللي فاتت بتعدي قدام عيني.
افتكرت أول يوم شفتها.
وأول ضحكة.
وأول خناقة.
وأول مرة شلت فيها ملك.
وافتكرت الليلة اللي رجعت فيها البيت بالورد...
ولقيت الورقة.
بصيت لها.
قلت
الورقة دي... كتبتيها وإنتِ بتعيطي؟
شهقت.
وقالت
كتبتها خمس مرات... وكل مرة كنت أمزقها.
وفي الآخر كتبت أقسى كلام قدرت أكتبه... عشان تصدق إني مش هرجع.
سألتها
ولو كنت عرفت الحقيقة وقتها... كنتِ هتوافقي؟
هزت رأسها بسرعة.
لا.
لأنهم كانوا هينفذوا تهديدهم.
في اللحظة دي...
ملك شدت إيدي بإيد...
وشدت إيد ريم بالإيد التانية.
وقالت بابتسامة بريئة
إنتوا زعلانين من بعض؟
أنا وريم بصينا لبعض.
ومحدش عرف يرد.
قالت ملك
في المدرسة، الأبلة قالت إن اللي بيحبوا بعض لازم يتكلموا... مش يسيبوا بعض.
ابتسم الضابط من غير قصد.
ومحمود مسح دمعة من عينه.
أما أنا...
فركعت قدام ملك.
وقلت
يا حبيبتي... الموضوع كبير شوية.
قالت بثقة الأطفال
يبقى خلوه صغير.
كل الموجودين ضحكوا لأول مرة في الليلة.
الضحكة دي كسرت التوتر.
بصيت لريم.
وقلت
أنا مش هقدر أنسى اللي حصل بسهولة.
قالت
ومش طالبه منك تنسى.
قلت
ولا هقدر أسامح في يوم وليلة.
ردت
استحق ده.
سكت لحظة.
ثم مديت إيدي ناحية صندوق الرسائل.
وقلت
بس... هقرأ الستين رسالة.
واحدة كل يوم.
ولو لقيت فيهم نفس ريم اللي حبيتها...
يبقى نبقى نعرف نبدأ من أول وجديد.
ريم بكت وهي تبتسم.
وهزت رأسها بالموافقة.
أما ملك...
فقفزت
من
الفرحة وقالت
يعني هنروح البيت سوا؟
أنا وريم اتبادلنا نظرة طويلة.
ثم قلت لها بهدوء
لسه بدري على الإجابة دي...
لكن المرة دي...
مش هنسيب بعض من غير كلام.
وكانت دي أول خطوة حقيقية...
بعد خمس سنين من الفراق. النهاية.

تم نسخ الرابط