جوزي الله يرحمه حكايات زهرة الربيع
حكمة هزت راسها.
أيوه.
غادة قربت مني طب نطلع نجيبها.
سامح قال فورًا استنوا.
بصينا له.
قال لو الورقة لسه مكانها، يبقى في حد تاني كان بيدور عليها.
حسن سأله مين؟
سامح رد الشخص اللي كان في العربية مع سيد ليلة الحادث.
حسن اتوتر بس إنت قلت إنك كنت معاه.
سامح قال أنا كنت معاه قبلها لكن وقت الحادث كان فيه شخص تالت.
الحاجة حكمة شهقت.
سامح إنت وعدتني!
رد عليها أنا وعدتك أحمي العيال، مش أدفن الحقيقة.
حسن قال مين الشخص التالت؟
سامح بص له مباشرة
أنا مش عارف اسمه لكن سيد كان مسجله في تليفونه باسم واحد.
حسن قال إيه الاسم؟
سامح رد
الحاج منصور.
الحاجة حكمة اتجمدت.
أنا سألت مين الحاج منصور؟
محدش رد.
حسن بص لأمه إنتِ تعرفيه.
قالت كان شريك أبوكم زمان.
حسن قال وليه سيد كان بيقابله قبل موته؟
سامح رد
لأن منصور كان ماسك مستندات تثبت إن البيت مش ملك العيلة زي ما كلكم فاكرين.
رجعنا البيت بسرعة.
أول ما دخلنا شقتي، بدأت أدور في كل مكان.
فتحت الأدراج، قلبت الدولاب، وفتشت أوراق سيد القديمة.
لحد ما غادة قالت
استني دولاب سيد.
فتحت الجزء السفلي.
كان فيه صندوق صغير قديم.
فتحته، ولقينا هدومه وأوراق متفرقة.
لكن مفيش أي ورقة عن البيت.
حسن قال دوري كويس.
لمست ظهر الصندوق، وحسيت بحاجة بارزة.
ضغطت عليها.
وفجأة ظهر تجويف صغير في الخشب.
جواه ظرف أبيض.
مسكته وأنا مش مصدقة.
كان عليه اسم واحد فقط
زهرة.
حسن بصلي ده اسمك.
فتحت الظرف.
كان جواه مفتاح صغير، وصورة لسيد مع بنت صغيرة، وورقة قصيرة جدًا
لو لقيتي المفتاح، متفتحيش الباب لوحدك لأن اللي وراه مش ملكية ولا فلوس اللي وراه سر عمره سنين.
وفجأة سمعنا صوت المفتاح بيتحط في باب الشقة من الخارج.
حسن همس
مين اللي معاه مفتاح شقتك؟
بصينا لبعض.
ثم سمعنا صوت الباب بيتفتح ببطء
ودخل شخص من غير ما ينطق كلمة الباب اتفتح ببطء، وكلنا اتجمدنا مكاننا.
دخلت واحدة من غير ما تستأذن.
كانت شيرين، مرات حسن.
وشها كان شاحب، وفي إيدها ظرف قديم.
أول ما شافت حسن، قالت
أنا عارفة إنكم هتدوروا على الورقة.
حسن اتصدم إنتِ عرفتي منين؟
شيرين بصت للحاجة حكمة، وقالت
لأن أمي حكمة بعتتلي قبل ما تيجوا هنا.
الحاجة حكمة اتعصبت أنا مبعتش حد!
شيرين رفعت الظرف.
أمال ده إيه؟
حسن أخد الظرف منها، وفتحه.
جواه ورقة مكتوب فيها
لو حسن عرف الحقيقة، شيرين لازم تختفي من البيت قبل ما يحصل اللي حصل لسيد.
حسن بص لمراته بخوف.
إنتِ كنتِ عارفة؟
شيرين هزت راسها وهي بتعيط
كنت عارفة جزء صغير بس.
سألتها جزء إيه؟
قالت
قبل وفاة سيد بأسبوع، دخلت عليه بالصدفة وهو بيتكلم مع حد في التليفون. سمعته بيقول لو الورقة خرجت من البيت، كل حاجة هتظهر.
حسن سألها ومين كان بيكلمه؟
شيرين قالت
معرفتش.
وبعدين بصتلي وقالت
بس بعد ما مات سيد، لقيت حاجة في هدوم حسن.
حسن اتوتر حاجة إيه؟
شيرين فتحت شنطتها وأخرجت مفتاحًا أسود صغيرًا.
لقيته في جيب الجاكيت اللي حسن كان لابسه يوم العزاء.
حسن أخده منها.
سامح قرب وبص عليه.
وشه اتغير فجأة.
قال
ده مفتاح مكتب منصور.
الحاجة حكمة صرخت
ارموا المفتاح ده!
حسن رد
ليه؟
الحاجة حكمة سكتت.
وسامح قال
لأن منصور مش مجرد شريك قديم.
حسن سأله
أمال مين؟
سامح بص للحاجة حكمة، ثم قال
هو الشخص اللي كان مسؤول عن السر اللي خبته أمي سنين.
حسن قرب من أمه
سر إيه؟
الحاجة حكمة بدأت تبكي، وقالت
أنا كنت بحاول أحمي سيد من الحقيقة.
سألتها
حقيقة إيه؟
رفعت عينيها وقالت
الحقيقة إن سيد كان عارف مين تسبب في موت أبوه.
سكت الجميع.
ثم أضافت
ومن يوم ما عرف بدأ يجمع الأدلة.
حسن سألها
وأبويا مات إزاي؟
الحاجة حكمة ردت بصوت مرتعش
نفس الطريقة تقريبًا.
ساد الصمت.
وفي اللحظة دي، وقع المفتاح الأسود من إيد حسن على الأرض.
ومن الخارج
جاء صوت طرقات هادئة على الباب.
ثلاث طرقات فقط.
ثم صوت رجل قال
أنا منصور وجيت آخد الورقة اللي سيد خبّاها قبل ما يموت حسن وقف قدام الباب وقال بصوت ثابت إنت مستحيل تدخل.
جاء صوت منصور من الخارج أنا مش جاي أعمل مشكلة يا حسن أنا جاي أقولك الحقيقة.
سامح قرب من الباب، وقال الحقيقة اتأخرت أوي يا منصور.
ساد صمت ثواني.
ثم رد منصور وأنت لسه عايش؟
سامح ابتسم بسخرية زي ما إنت شايف.
الحاجة حكمة كانت قاعدة ووشها شاحب.
بصيت لها وقلت إنتِ كنتِ تعرفي إن سامح عايش طول السنين دي؟
هزت رأسها.
أيوه.
حسن صرخ يعني كل السنين دي وإحنا فاكرين إن سيد كان له أخ واحد بس؟!
قالت كنت خايفة.
سامح رد مش خايفة عليا خايفة من اللي أنا أعرفه.
حسن فتح الباب فجأة.
دخل منصور، رجل كبير في السن، ملامحه جامدة، وفي إيده حقيبة جلد.
أول ما شاف سامح، وقف مكانه.
قال كنت متأكد إنك هترجع.
سامح رد وأنا كنت متأكد إنك هتيجي ورا الورقة.
منصور حط الحقيبة على الترابيزة.
وقال سيد كان غلطان لما خبّاها.
حسن سأله إنت عايز الورقة ليه؟
منصور فتح الحقيبة، وطلع ملف قديم.
لأن الورقة دي لو ظهرت، هتثبت إن نص أملاك العيلة مش ملككم.
حسن قال ملك مين؟
منصور سكت.
الحاجة حكمة قالت ملك سامح.
حسن اتصدم.
سامح هز رأسه أخيرًا قلتيها.
أنا بصيت لسامح يعني إيه؟
قال أبويا كتب جزء من أملاكه باسمي وأنا صغير، لكن بعد ظروف حصلت زمان، اتقال إني مت.
حسن بص لأمه وإنتِ وافقتي على ده؟
الحاجة حكمة بكت كنت فاكرة إني بحمي أولادي.
سامح قال بس لما سيد عرف الحقيقة، قرر يرجعلي حقي.
منصور تدخل وسيد ماكنش هيسيب الموضوع يعدي.
حسن قرب منه طب إنت كنت مع سيد ليلة الحادث؟
منصور سكت.
حسن كرر جاوب!
منصور قال أيوه.
أنا حسيت إن قلبي وقف.
وحصل إيه؟
قال سيد خرج من عندي وهو غاضب وبعدها بساعات حصل الحادث.
حسن سأله هل إنت السبب؟
منصور بص في الأرض.
وقبل ما يرد، رن هاتفه.
نظر للشاشة، وتغير وجهه.
قال بصوت منخفض
ده رقم سيد.
حسن اقترب منه بسرعة.
مستحيل أخويا مات من أربعين يوم!
منصور فتح المكالمة.
جاء صوت من الطرف الآخر، واضح وهادئ
لو عايزين تعرفوا مين تسبب في
الحادث افتحوا الدرج الثالث في مكتب منصور.
ثم
حسن بص لسامح.
وسامح قال
يبقى سيد كان مجهز للحقيقة قبل موته.
لكن الحاجة حكمة كانت بتبص لنا برعب
وكأنها عرفت بالضبط إيه اللي موجود في الدرج الثالث حسن مسك المفتاح الأسود وقال إحنا هنروح مكتب منصور دلوقتي.
منصور حاول يمنعه استنى يا حسن.
حسن رد أربعين يوم وإحنا عايشين وسط أسرار. كفاية.
خرجنا كلنا، والحاجة حكمة فضلت في البيت مع سحر.
وصلنا مكتب منصور، وكان المكان مقفول من زمان.
حط حسن المفتاح في الباب، لكنه وقف قبل ما يفتحه.
بص لسامح لو لقينا حاجة تثبت إن حد من العيلة متورط مش هنخبيها.
سامح قال أنا موافق.
دخلنا.
المكتب كان مليان دواليب قديمة، لكن حسن اتجه مباشرة للدرج الثالث.
فتحه.
في البداية ما لقيناش غير ملفات قديمة.
وبعدين حسن لمس قاع الدرج، وقال القاع ده بيتحرك.
شال الجزء الخشبي.
ظهر تجويف سري.
جواه هاتف قديم، وذاكرة صغيرة، وصورة من حادث عربية سيد.
غادة شهقت دي عربية سيد.
حسن مسك الصورة.
وكان واضح إن الصورة اتاخدت قبل الحادث بدقائق.
بصينا فيها كويس.
العربية كانت واقفة على جانب الطريق
وسيد كان واقف جنبها.
لكن المفاجأة إن شخصًا كان واقف أمامه.
سامح قرب من الصورة.
وقال ده مش منصور.
حسن سأله أمال مين؟
سامح هز رأسه معرفش.
حسن شغل الهاتف القديم.
كان فيه تسجيل واحد فقط.
ضغط تشغيل.
طلع صوت سيد
لو التسجيل ده وصل لحد، يبقى أنا غالبًا مش هقدر أشرح بنفسي.
سكت لحظة.
ثم قال
الشخص اللي هقابله مش عدوي هو الشخص الوحيد اللي يقدر يثبت براءتي.
غادة قالت براءته من إيه؟
التسجيل كمل
ولو حصل لي حاجة، دوروا على الدفتر الأزرق مش في البيت، ومش في المخزن.
حسن وقف التسجيل.
وقال الدفتر الأزرق فين؟
سامح بص له يبقى لازم نرجع للحاجة حكمة.
رجعنا البيت بسرعة.
لكن أول ما دخلنا، لقينا سحر واقفة في الصالة ووشها مليان خوف.
قالت
ماما مش هنا.
حسن سأل راحت فين؟
سحر ردت
خرجت من شوية وقالت إنها رايحة تجيب حاجة.
سألها إيه الحاجة؟
سحر سكتت، ثم قالت
الدفتر الأزرق.
اتجمدنا جميعًا.
قلت هي كانت عارفة مكانه؟
سحر هزت رأسها.
أيوه.
حسن قال فين؟
سحر بصت ناحية صورة قديمة معلقة على الحائط.
وقالت
بابا كان مخبيه في مكان محدش بيدخل عليه القبر القديم بتاع العيلة.
وفي نفس اللحظة، وصل لحسن إشعار على هاتفه.
رسالة من رقم مجهول
لو عايز أمك ترجع متدورش على الدفتر حسن فضل باصص للرسالة كأنه مش قادر يستوعبها.
قال أمي اتاخدت؟
سحر ردت وهي بتعيط معرفش بس هي خرجت من هنا لوحدها، ومحدش كان معاها.
سامح مد إيده هات الموبايل.
قرأ الرسالة، وبعدها قال اللي بعتها عارف إننا بندور على الدفتر.
غادة سألت يعني كان بيراقبنا؟
سامح رد أو حد من البيت هو اللي بيبعتله الأخبار.
حسن بص لنا واحد واحد.
محدش هيتحرك لوحده.
لكن قبل ما نخرج، وصلته رسالة تانية.
الساعة 12 بالليل عند القبر القديم. هتلاقي الحاجة حكمة هناك. لو جبت حد معاك، مش هتشوفها تاني.
حسن قبض إيده.
عايزني
أروح لوحدي.
سامح قال وده
حسن رد بس دي أمي.
أنا
قلت مش هتروح لوحدك.
حسن بصلي الرسالة قالت
قاطعته اللي خطفها كسر كل القواعد من الأول. ليه نلتزم إحنا
بكلامه؟
غادة هزت رأسها هروح معاكم.
سامح قال وأنا هكون بعيد عنكم.
وصلت الساعة 12.
خرجنا من البيت من غير ما حد يعرف.
الطريق للمقابر كان هادي بشكل مخيف.
ولما قربنا من القبر القديم، لمحنا نور صغير يتحرك بين القبور.
حسن وقف.
شايفينه؟
كان في شخص واقف عند القبر، ماسك فانوس.
لكن الحاجة حكمة ما كانتش هناك.
الشخص رفع إيده وأشار لنا ناحية قبر بعيد.
ثم اختفى بين الأشجار.
جرينا ناحية المكان.
لقينا الحاجة حكمة قاعدة على الأرض، وإيديها مربوطة، لكنها كانت واعية.
حسن جري عليها
أمي!
قالت بسرعة متقربش!
وقف مكانه.
ليه؟
بصت تحت قدميه وقالت
لأن الدفتر مش في القبر.
حسن بص للأرض.
وفجأة فهم.
كان في سلك رفيع ممتد بين حجرين.
سامح صرخ ارجع!
رجعنا خطوة.
وفي نفس اللحظة، سمعنا صوت تصفيق بطيء من خلفنا.
التفتنا.
كان منصور واقف بين القبور.
قال
كنت مستني اليوم ده من أربعين سنة.
حسن قال إنت اللي خطفت أمي؟
منصور هز رأسه
أنا؟ لأ.
وسكت لحظة، ثم أشار إلى الظلام خلفه.
اللي خطفها واقف وراكم.
لفينا كلنا في نفس اللحظة.
لكن مفيش حد.
ثم جاء صوت من الظلام
كفاية كذب يا منصور دلوقتي دوري أنا أتكلم اتجمدنا كلنا مكاننا.
خرج شخص من بين الأشجار، وكان ماسك الدفتر الأزرق.
حسن رفع صوته إنت مين؟!
الشخص قرب، والنور وقع على وشه
وكان سحر.
كلنا اتصدمنا.
الحاجة حكمة صرخت إنتِ؟!
سحر ردت وهي بتعيط أيوه أنا اللي خدت الدفتر، وأنا اللي بعت الرسائل.
حسن قال ليه؟
قالت لأني اكتشفت الحقيقة بعد موت سيد وعرفت إن أمي كانت بتحاول تحمينا بطريقتها، ومنصور كان بيحاول يخبي حق سامح، وسيد كان الوحيد اللي جمع كل الأدلة.
فتحت الدفتر وقالت
سيد ليلة الحادث كان رايح يقابل منصور، لكن منصور مش هو اللي تسبب في الحادث. سيد اكتشف إن الفرامل اتعبث بيها قبل ما يركب العربية.
الكل سكت.
حسن قال مين عمل كده؟
سحر بصت للحاجة حكمة.
الحاجة حكمة بدأت تبكي.
وقالت
أنا.
حسن رجع خطوة.
إنتِ؟!
ردت بسرعة مش علشان أقتله! والله ما كان قصدي يموت. كنت عايزة أخوفه بس كنت عايزة أمنعه يبيع البيت ويكشف كل حاجة. عملت غلطة، والغلط اتحول لمصيبة.
سيد نجا من الحادث الأول، لكنه في الطريق فقد السيطرة على العربية بعد العطل، وحصل الحادث المميت.
الحاجة حكمة اعترفت بكل شيء، وسلمت نفسها، بينما ظهرت براءة منصور من التسبب في الحادث.
أما الدفتر فأثبت أن جزءًا من أملاك العيلة كان بالفعل من حق سامح، وأن سيد كان يحاول يحفظ حقوق أولاده الأربعة قبل وفاته.
بعد فترة، تم تقسيم الميراث بالعدل، وكل واحدة من الأرملتين احتفظت بحقها وحق أولادها، من غير ما تتجوز أي واحدة أخو جوزها.
أما حسن، فرجع لمراته شيرين، وفهم إن محاولة أمه لتدبير زواجه من أرملتي أخوه كانت هتدمر بيوتًا بدل ما تحميها.
وقبل ما أقفل آخر صفحة
من
أنا كنت خايف إن بعد موتي تتفرقوا لكن لو فضلتوا إيد واحدة، محدش يقدر يكسر البيت.
ساعتها بصيت لبناتي، ولأولاد غادة، وقلت في نفسي
سيد مات، لكن وصيته الأخيرة هي اللي أنقذت البيت من إنه يتحول لحكاية أسوأ من موته.
والحقيقة ظهرت أخيرًا من غير ما أكون زوجة لأخو جوزي، ومن غير ما أخسر بيتي أو أولادي.