بنتي امانى سيد

لمحة نيوز

بعد ما مراتى مامتت وسبتلى بنت اتعرفت على واحده زميله ليه و حبيتها وكانت عندها بنت من طليقها اصغر من بنتى بسنتين وجت تعيش معانا من وقتها وأنا بقيت باجى على بنتى بزياده لانى حسيتها كبرت والمفروض تتحمل المسؤولية وكنت دايما شايف بنت مراتى طفله على الرغم إن الفرق اللى بينهم سنتين لكن كنت بميل لبنت مراتى بحجه انها الاصغر مرت شهور ومراتى حملت وجابت ولد وقتها حسيت إن بنتى بقت عبء عليه فى كل حاجة بقيت اديها مصاريفها وانا متضايق ومتضرر على الرغم إن مدرستها كانت اقل فى المستوى من مدرسه بنت مراتى مريم ومدرسه ابنى إلا انها كانت متفوقه لما شدت حيلها شويه مراتى بقت تشيلها مسئولية اخوها وبنتها ومكنتش تقدر ترفض أو تقول لأ عشان عارفه وقتها انى هاجى عليها وممكن توصل للضرب فكانت بتنفذ من سكات وسكتها ده كان مريحنى لانه مش عاملى مشاكل 
عدت السنين ودخلت الكليه وهى فى سنه أولى جالها عريس ووقتها وافقت عليه من غير ما أسأل عنه كنت عايز أخلص من عبئها اللى معرفش جالى منين أنها عبء وفعلاً رغم رفضها وتحايلها إلا انى وافقت واتهمتها انها بترفض عشان اخلاقها وحشه 
وبدل ما اكون زى أى أب بيوصى جوز بنته على بنته لأ انا عملت العكس قولتلها لو يوم جيتى غضبانه وقتها ماتلوميش غير نفسك 
وفعلاً خرجت بنتى من البيت ومادخلتوش تانى 
كنت اسمع من الجيران ان جوزها بيضربها وبيبخل عليها وبيقعدها من الجامعه كنت اعمل نفسى مش سامع واقول تحل مشاكلها بنفسها حملت وسقطت روحت زورتها خمس دقايق ومشيت كانت بصتها كلها لو وعتاب وبتقولى شوفت عملت فيه ايه ليه عملت فيه كده 
بعد فتره سمعت إن

جوزها طردها وبدل ما تيجى تستنجد بيا راحت اتحامت فى حماتها وقتها مسالتش عليها عشان ماترجعش البيت مره تانيه كنت طول اليوم فى الشغل ودايما عشان مافتكرهاش ادفن نفسى فى الشغل واروح على النوم كنت بلاحظ بهدله الشقه ومن التعب مابحسش وانام حتى الاكل بقى اغلبيته بيطلب من بره البيت 
وفى يوم لقيت واحده جاره ليه جاتلى الشغل انفاجئت بيها وسالتها عن سبب زيارتها 
ردت عليه بكلمه واحده 
حسبي الله ونعم الوكيل فيك بإذن الله هتتحاسب على اللى عملته فى اليتيمه دى فى الدنيا قبل الآخرة 
قمت مخضوض اسألها في ايه حصل ايه 
سابتنى ومشيت جريت وراها قالتلى انت الكلام معاك خساره بس يكفى إن بنتك فوضت فيك أمرها لله وانا بقولهالك اهو 
حسبى الله ونعم الوكيل فيك وفضلت تدعى عليه دعى انا مش قده وقفتها وحاولت افهم فى ايه لكن اللى سمعته كان الصدمه فعلاً 
وقفت قدامها وأنا بانهج، أنفاسي طالعة بالعافية وصوت ضربات قلبي يرن في وداني زي طبول بتعلن خراب مستعجل. مسكت دراعها من غير ما أحس، وعيني متعلقة بوشها اللي كان ممتليء غضب واحتقار مشوفتهوش من إنسان قبل كده
قوليلي حصل إيه؟ بنتي مالها؟ في إيه يا ست أم أحمد متسيبينيش كده !
نفضت إيدها من قبضتي بقوة واشمئزاز وكأن لمستي بتنجس هدومها، ورجعت خطوة لورا وهي بتبصلي من فوق لتحت بقرف هز كياني
أوعى إيدك دي! نار إيه اللي فيك؟ هو أنت كان عندك دم ولا احساس عشان تحس بنار دلوقتي؟
بنتي جرالها حاجة؟! فهميني ماتحرقنيش!
بصتلي بعيون حادة زي السكاكين، وقالت بصوت واطي بس حاد ومسموع قطع دوشة الشارع
أنت ما تستهلش تعرف بنتك مالها.. ولا
تستهل حتى تدفنها لو ماتت. بنتك طردتها من حياتك من سنين ورميتها لكلاب السكك عشان ترضي الست هانم وبنتها، راجع دلوقتي تسأل بنتي مالها؟ فوضت أمرها للحي القيوم، وربنا ينزل عدله عليك خلاص.
لفت ضهرها ومشيت بخطوات سريعة . بقيت أمد إيدي في الهوا كأني بشحت منها كلمة، وصرخت وراها في وسط الشارع والناس بتبصلي
أم أحمد! علشان خاطر ربنا قوليلي كلمة واحدة! بنتي عايشة ولا ميتة؟!
مبصتش وراها، رفعت إيدها للسما وهي بتمشي وقالت كلمة واحدة رنت في الشارع كله حسبنا الله ونعم الوكيل فيك يا قاسي القلب.
اختفت وسط الزحام، وسبتني واقف في مكاني متسمر، الأرض بتميد بيا، والشارع كله اسودّ في عيني. إحساس الرعب والذنب اللي كنت دافنه سنين تحت الشغل والهروب هجم على صدري دفعة واحدة، وخنقني لدرجة إني معرفتش أتنفس.
طلعت أجري في الشارع زي المجنون، معرفش رجلي شيلاني إزاي ولا رايح على فين، مفيش في راسي غير صورة بنتي ونظرة عتابها الأخيرة يوم ما طردتها من حساباتي. وقفت أول تاكسي قابلني وصوتي بيترج على منطقة كذا بسرعة يا أسطى.. أبوس إيدك دوس بنزين.
المشوار كان طويل ومملوء خنقة، كأن عزرائيل قاعد جنبي في العربية. وصلت الحارة اللي ساكن فيها جوزها وحماتها، نفس الحارة اللي مارضيتش أدخلها ولا مرة من يوم ما طردها من بيته وسمعت إنها اتحامت في أمه. أول ما حطيت رجلي في المدخل، حسيت بهوا ساقع وريحة غربة بتخنق، الحارة كانت مليانة ناس رايحة وجاية، قهاوي وبياعين، بس أول ما شافوا وشي، الحركة هديت فجأة زي ما تكون جنازة معدية.
قربت من عم حسين البقال، راجل عجوز يعرفني من زمان ويعرف أصلي
السلام عليكم يا حاج.. بالله
عليك بنتي فين؟ شقتها مقفولة ليه؟ ألاقيها فين؟
الراجل مبصش في عيني، كمل رص البضاعة بإيد باردة، ونفخ بقرف وهو بيدور وشه الناحية التانية، ولا كأني واقف ولا كأن ليا وجود. ماردش حتى السلام.
سبته وجريت على شباب واقفين على أول الشارع كانوا صحاب جوزها
يا شباب.. حد شاف بنتي؟ هي لسه عند حماتها؟ حد يفهمني بس هي فين!
واحد منهم بصلي من فوق لتحت بنظرة اشمئزاز خلت جسمي يقشعر، تف على الأرض جنب رجلي، وخد صحابه ومشي من غير ما ينطق حرف واحد، كأني جربان خايفين يلمسوني أو يتكلموا معايا.
بقيت ألف حوالين نفسي في نص الحارة، زي كلب ضال بيدور على مأوى
يا ناس حد يرد عليا! بنتي فين؟! أنا أبوها!
الكلمة طلعت من بقي، بس كأنها كانت الشتيمة اللي فجرت غضب الكل. الستات في البلكونات بصوا عليا وسحبوا الستاير بقرف وقفلوا الشيش في وشي بصوت رزع يهز الحيطان، والرجالة على القهوة نكسوا روسهم في الأرض وتجاهلوني، وكأنهم اتفقوا إن مفيش بني آدم واقف في وسطهم اسمه أبوها، كأنهم بيعاقبوني بالخرس اللي يقطع في اللحم أكتر من أي كلام.
النظرات اللي حواليا كانت كلها بتقول حاجة واحدة واضحة وصريحة أنت رخيص.. وماتستاهلش.
جريت على مدخل العمارة والسلالم بتتهز تحت رجلي اللي مش شيلاني. طلعت درجتين درجتين وأنا بلهث، لحد ما وقفت قدام باب شقتها.. نفس الباب المقفول في وشي وفي وش كل إحساس أبوي دفنته بإيدي.
رفعت إيدي وفضلت أخبط بكل ما فيا من عافية. خبط متواصل، هيستيري، الخشب كان بيصرخ تحت قبضتي وصوت الرزع رن في مدخل العمارة كله
افتحي يا بنتي! افتحوا يا ناس! أنا أبوكي جيتلك أهو، افتحي وقوليلي فيكي إيه!
مفيش أي رد..
سكوت ميت بيزيد من رعشة قلبي.
 

تم نسخ الرابط