بنتي امانى سيد
عنها!
وقفت متسمر، الكلمات نزلت على دماغي زي مية مغلية شلت حركتي ومسحت عقلي تماماً. لساني تقل، وريقي نشف، وبقيت حاسس إن الحيطان بتلف بيا والسلم بيسحبني لقاع ملوش آخر. كل نقطة دم في جسمي اتجمدت من بشاعة اللي سمعته.. بنتي، حتة مني، اتكسرت واتهانت واتعرت عشان ترضي وسخ كلاب السكك اللي سلمتها ليهم بإيدي.
رفعت وشي بصعوبة، وصوتي طلع مهزوم، مكسور، طالع من بير غريق
هي فين دلوقتي؟ عشان خاطر رحمة ربنا بيكي.. قوليلي هي فين؟
بصتلي باحتقار كأنها بتبص لحشرة مدعوسة في الأرض، وقالت بنبرة تقطر سم
محجوزة في مستشفى كذا العام، بقالها تلات أيام بين الحياة والموت.. روح، روح شوف شقا عمرك وظلمك عملوا فيها إيه، لعل وعسى ربنا ينتقم منك على كل نفس اتنَفّسته في عذاب.
ملحقتش حتى أشكرها، نزلت السلالم جري، كنت بقع وأقوم كالممسوس، مفيش في وداني غير صوت صريخها اللي الست حكته، وصوت كسر عضمها بيرن في جمجمتي. وقفت تاكسي بمليون معافرة، وطول السكة كنت حاطط إيدي على وشي وأنا بنهج وأعيط بهيستيريا، كل لحظة ظلم، كل جنيه استكترته عليها، كل كلمة إهانة قولتهالها ورميتها بيها كانت بتطلع قدامي زي السكاكين تقطع في لحمي.
وصلت المستشفى، جريت في الممرات وريحة البنج والمطهرات بتخنقني، لحد ما وصلت للعنبر وسألت الممرضة عن اسمها ودلتني على سريرها في آخر الطرقة.
وقفت قدام الستارة، إيدي كانت بتترعش رعشة جنونية وأنا بزيحها على جنب..
وأول ما وقعت عيني عليها، قلبي وقع في بطني واتصدمت صدمة خلتني أرجع خطوتين لورا وأنا كاتم صرخة في حلقي.
دي مش بنتي.. دي متكونش بنتي!
اللي نايمة على السرير كانت هيكل عظمي، جلد متشدد بالعافية على لحم ناشف، عضم وشها بارز بطريقة مرعبة، وتحت عينيها سواد غاطس كأنها طالعة من قبرها لسه حالا. دراعها متجبس ومربوط في رقبتها، وشها كله كدمات زرقا وسودا وارمة، شفايفها بيضا ومشققة كأنها مبتاكلش بقالها سنين. كانت نايمة بجسم رفيع وضئيل، ساكنة سكون الموت، أنفاسها طالعة بنهجان خفيف وضعيف يقطع نياط القلب.. شكلها كان شبه الأموات تماماً، مفيش فيها أي أمارة للحياة غير المحلول اللي بينقط في وريدها الأزرق الشاحب.
ركبي خانتني ووقعت على الأرض جنب سريرها، وبقيت أمد إيدي المرتعشة ومش قادر ألمسها، خايف تتكسر من لمستي، وبقى كل اللي طالع مني شهقة عاجزة ودموع ندم ملهاش تمن.
الدكتور دخل العنبر وشاف انهياري، قرب مني بهدوء وقالي إنها في غيبوبة كاملة من شدة النزيف وارتجاج المخ والصدمة العصبية اللي اتعرضت لها، وإن حالتها حرجة جداً وما بين إيدين ربنا. وقتها، عرفت كمان إن أهل الحارة عملوا اللي كان المفروض أعمله أنا من سنين؛ اتلموا كلهم على جوزها وأمه وضرتها وطلبولهم البوليس، ومسابوش القسم والنيابة غير لما اتعمل محضر شُروع في قتل واتحبسوا كلهم ورا القضبان ينتظروا مصيرهم الأسود.
قعدت جنبها على الكرسي الخشبي المكسور في المستشفى أسبوعين كاملين، نسيت شغلي، ونسيت مراتي، ونسيت الدنيا كلها. كان يومي مقسوم ما بين مسكة إيدها الساقعة المجبسة وبين سجادة صلاة فردتها جنب السرير؛ بصلي
ومع بداية الأسبوع التالت، حركت صوابعها الرفيعة، وفتحت عينيها بتثاقل وألم. أول ما شافت وشي، حسيت إن روحي ردت فيا، قربت منها ودموعي نازلة
حمد الله على سلامتك يا نور عيني، أنا جنبك أهو، متخافيش..
بصتلي بنظرة خالية من أي مودة، نظرة مليانة وجع وخذلان فاق كل طاقة العتاب، وبحركة بطيئة وضعيفة دارت وشها الناحية التانية وثبتت عينيها على الحيطة السادة، كأن رؤية وشي بتجدد كل طعنة خدتها في ضهرها. فضلت قاعد جنبها بالساعات، أكلمها وأتحايل عليها ترد بكلمة، أبوس في إيدها السليمة وأقولها حقك عليا، وهي ساكتة.. خرس كامل كأنها قررت تدفن صوتها للأبد.
أول ما الدكتور سمح بخروجها، شلتها على إيديا كأنها عيلة صغيرة ملهاش وزن، وأخدتها ورجعت بيها على بيتي. أول ما فتحت الباب، وقفت مراتي وبنتها مصدومين من المنظر، وشوشهم اتخطفت لما شافوا البنت اللي كانت وردة مالية البيت بقت خيال مآتة وجلد على عظم وجبس يلف نص جسمها، والولد الصغير استخبى ورا أمه من الخوف.
الصدمة خلت مراتي تسكت تماماً وصعبت عليها بجد لأول مرة، حسوا هما الاتنين بالذنب والكسوف من نفسهم. دخلتها أوضتها القديمة، ونيمتها في سريرها اللي كانت بتتحرم من النوم فيه زمان علشان تخدمهم. مبقتش تقدر تقوم من السرير من كتر التعب وهدة الحيل، وبقى الأكل والراحة يجيلها لحد عندها، ومراتي وبنتها بيشيلوا الطبق ويحطوا غيره وهما باصين في الأرض، وأنا قاعد تحت رجليها مستني بس رمشة عين ترضى عني، لكن الصمت كان الحيطة العالية اللي بنتها بيني وبينها، ومش عارف إذا كان في أمل تتهد في يوم من الأيام.
مرت شهور والبيت عايش في حالة خرس تقيل. مراتي وبنتها كانوا بيتحركوا على طراطيف صوابعهم، مفيش كلمة زيادة ولا صوت عالي، نظرات الخجل والذنب مالية عيونهم، وكل طلب لبنتي كان بيتنفذ قبل ما تفكر تطلبه، كأن الكل بيحاول يشتري براءة ذمته من ذنب ملوش كفارة.
أما أنا، فكانت حياتي كلها اتلخصت في الكرسي اللي جنب سريرها. بقيت أرجع من الشغل جري، ماببصش في وش حد ولا بدخل أوضتي، أدخل عليها علطول، أقعد جنبها، أمسك إيدها، أحكيلها عن يومي، أحاول أضحكها، أجيبلها الفاكهة اللي كانت بتحبها زمان ومكنتش برضى أشتريها، بس الرد كان دايماً واحد وشها داير للحيطة، وعينيها باصة للفراغ، ساكتة سكوت يقطع في عروقي أكتر من أي صريخ أو عتاب.
وفي يوم، دخلت عليها بعد ما الجبس اتفك وبدأت خطوتها تدب في الأرض بصعوبة، لقيتها واقفة قدام الشباك، شاردة في السما وضهرها ليا. قربت منها بالراحة، وحطيت إيدي المرتعشة على كتفها بحذر
عاملة إيه النهاردة يا حبيبتي؟ عملتلك الشوربة اللي بتحبيها بإيدي.. تاكلي معايا؟
حسيت بجسمها بيتصلب تحت إيدي، ولفت وشها ليا ببطء. كانت أول مرة تثبت عينها في عيني من شهور. وشها كان لسه باهت، والكدمات راحت بس سابت مكانها هالات سودة محفورة في ملامحها، عيونها كانت هادية هدوء مخيف، هدوء اللي مات ومبقاش
نزلت عينيها لإيدي اللي على كتفها، وقالت بصوت واطي ومبحوح، لكنه نزل عليا زي الصاعقة
متلمسنيش.
شلت إيدي بسرعة كأني اتلسعت بنار
حقك عليا.. والله حقك على راسي، أنا عارف إني غلطت وغلطي ميتغفرش، بس والله العظيم فديتك بعمري، اطلبي أي حاجة، قوليلي اعمل إيه عشان تسامحيني وترجعي بنتي حبيبتي بتاعة زمان؟ هعمل أي حاجة ترضيكي!
ابتسمت ابتسامة باهتة ومكسورة، وهزت راسها بنفي يوجع القلب
مفيش حاجة تتعمل.. أنت متأخر أوي يا بابا. متأخر سنين. زمان كنت محتاجة كلمة حلوة، كنت محتاجة أحس إن ليا ضهر، كنت ببوس إيدك عشان تكملي تعليمي، وكنت بصرخ تحت رجلين جوزهولي وأقول يارب أبويا يجي ينجدني.. مجيتش. دلوقتي
بتجيبلهم ياكلوني ويشربوني؟ أنت فاكر الوجع كان في بطني؟ الوجع كان هنا..
شاورت بصباعها الضعيف على نص صدرها، ودمعة يتيمة نزلت على خدها وهي بتكمل
الكسر اللي في جسمي خف والجبس اتفك.. بس الكسر اللي جوة هنا ملوش جبس. أنا مش مغلولة منك، ولا بدعي عليك.. أنا بس اتعلمت إني يتيمة بجد، واليتيم لما بيكبر مبيعرفش يرجع عيل تاني يحتمي في حضن أبوه.
خلصت كلماتها، وخدت خطوتين ورا وسابتني واقف مكاني في نص الأوضة. مكنش في إيدي حاجة أقولها، حسيت إن لساني اتقطع، وعرفت إن أصعب عقاب ممكن الأب يدوقه، مش إن بنته تدعي عليه.. عقابه الحقيقي لما تفقد الأمل فيه وتشوفه مجرد غريب، غريب فات الأوان على وجوده.
عدت السنين، وبنتي اتبدلت تماماً.. البنت المكسورة اللي كانت بتمشي جنب الحيط وتخاف من خيالها ماتت، وطلعت مكانها ست تانية خالص؛ قوية، حازمة، ملامحها هادية بس فيها صرامة تخلي أي حد يعملها ألف حساب.
دفنت نفسها في الشغل زي ما كنت بعمل زمان، بس شتان بين هروبي الجبان وبين معافرتها الشريفة. كانت أول واحدة تفتح باب الشركة وآخر واحدة تمشي. ذكاؤها وتفانيها خلوها تكبر بسرعة الصاروخ، ومن موظفة صغيرة أثبتت كفاءتها لحد ما مسكت إدارة قسم كامل، وبقى ليها اسم وكيان الكل بيحترمه. حياتها كانت عبارة عن مواعيد وشغل وتقارير، حاطة بينها وبين الناس سياج من حديد، قافلة قلبها بمليون قفل، ومفيش راجل قدر يقرب من حدودها خطوة واحدة؛ كانت شايفة في عيون كل الرجالة صورة الغدر والضعف اللي عاشته في بيت جوزها وتخاذلي أنا عنها.
لحد ما دخل حياتها راجل مختلف..
كان مهندس شريك في مشاريع الشركة، راجل هادي، عينه مليانة احترام ورجولة بجد. مكنش بيطاردها ولا بيحاول يرمي شباكه زي غيره، كان شايف الوجع المستخبي ورا قناع القوة اللي لابساه. بدأ يتعامل معاها بتقدير حقيقي لشخصها وشغلها، لو تعبت يلاقي طريقة يخفف عنها من غير ما يجرح كبريائها، ولو وقفت في مشكلة يلاقي حلول بهدوء ويكون في ضهرها كأنه جبل.
كان صبور معاها لأبعد حد، مستعجلش، واستحمل صدها ونفورها كذا مرة، لحد ما في يوم واجهت فيه أزمة كبيرة في الشركة كادت تطيح بشغل سنين، ووقفت لوحدها متوقعة الغدر والخذلان كالعادة.. بس لقته هو اللي واقف في وش العاصفة بدالها، حماها وحمى مجهودها من غير ما يطلب مقابل ولا حتى كلمة شكر.
في الليلة دي، وهي واقفة في مكتبها
ليه بتعمل كل ده؟ أنا ست معقدة ومستهلش حد يرمي نفسه في النار عشاني.
قرب منها بهدوء، وثبت عينه في عينها بنظرة مفهاش غير الصدق والأمان، وقالها كلمة واحدة هدت كل الحصون اللي بنتها حوالين قلبها
أنتِ متستاهليش تتحاربي، أنتِ تستاهلي الدنيا كلها تتحارب عشانك.. وأنا مش عايز أكون في حياتك عبء، أنا بس عايز أكون الضهر اللي كان المفروض تلاقيه زمان وملاقتيهوش.
الكلمة دي بالذات لمست الجرح القديم وطهرته، وبكت.. بكت بنتي لأول مرة من سنين وهي حاسة إن ربنا عوضها عن كل دمعة وكل إهانة، بحد مش شايفها رخيصة ولا عالة، بحد عرف قيمتها بجد ومستعد يشيلها فوق راسه قدام الدنيا كلها.
مرت الأيام، وبدأت بنتي ترجع تظهر في حياتي، بس مش البنت اللي كنت أعرفها زمان.. كانت بتعاملني بأصول الدين والواجب اللي يفرضه عليها ضميرها النقي، مش من باب المحبة أو الشوق.
كانت تيجي تزورني في مواسم محددة، تدخل البيت بهيبتها الجديدة، تسلم عليا من بعيد لبعيد، تسأل عن صحتي وعلاجي وتتأكد إن التلاجة مش ناقصها حاجة، وحتى مراتي وعيالي كانت بتتعامل معاهم بذوق وكياسة تحرجهم، بس بعين باردة مفيهاش أي مشاعر. كانت بتجيبلي أفخر أنواع الفاكهة وأغلى الهدايا، بس الهدايا دي كانت بتنزل على قلبي زي الجمر؛ كنت عارف إنها بتعمل كده عشان متسبش لربنا عليها حجة، مش عشان محتاجة حضني أو بتدور على حنيتي.
كنت أقعد قدامها وأنا كلي لهفة، عيني متشعلقة في ملامحها، أستنى منها نظرة عتاب واحدة أو حتى تصرخ في وشي وتطلع اللي في قلبها.. لكن السكوت والبرود كان ردها الوحيد. كنت أتمنى لو تمسك فيا، لو تقولي يا بابا بالنغمة اللي كانت بتنادي بيها زمان وهي عيلة صغيرة بتجري عليا عشان أحميها، بس الكلمة دي ماتت على لسانها؛ بقت دايماً تقول حضرتك محتاج حاجة؟، ألف سلامة عليك، كلام موزون وناشف زي الصخر.
وفي يوم، قررت أكسر الحصار ده.. نزلت على ركبي قدامها ومسكت إيدها وحطيتها على راسي، وبقيت أعيط بشهقة تقطع النفس
ابوس إيدك يا بنتي.. قوليلي إنك سامحتيني، متسيبينيش أقابل وجه كريم وأنا شايل ذنبك في رقبتي.. قولي سامحتك عشان أرتاح، دنا بتمنى رضاكي زي ما كنتي زمان بتستجدي مني حنية!
سحبت إيدها بهدوء شديد ومن غير عصبية، وبصت في عيني بنظرة وجع راكدة، وقالت بصوت واطي وموجع
أنا مش كارهة ليك الخير، ولا بدعي عليك، وببرك وبراعيك بما يرضي الله عشان ربنا ميسألنيش عنك.. بس السماح حاجة تانية خالص يا بابا. السماح ده محتاج قلب سليم، وأنت كسرت قلبي حتت ومسبتش فيه حتة واحدة تعرف ترجع تحبك زي الأول.
قامت وقفت، وعدلت هدومها وسابتني على الأرض، وبصتلي النظرة الأخيرة قبل ما تقفل وراها الباب
ربنا يعفو عنك وعني.. بس اللي مات فيا زمان، مبيرجعش يعيش تاني.
خرجت وسابتني في حسرتي، أدركت ساعتها إن أكبر عقاب للإنسان مش إنه يفقد اللي بيحبهم، لكن إنه يشوفهم قدام عينه كل يوم، يتنفسوا معاه نفس الهوا، لكن بينهم وبينه بحر من الجليد ملوش شط.. وبقيت عايش كل دقيقة بتمنى رضاها، وعارف إن التمن اللي