القضية العراقية
مكتوبًا على الغلافحالات مجهولة الهويةقال حيدر إدارة المستشفى قالت إن الملفات اختفت في الحريق فتح الملف كانت بداخله صور وتقارير وأسماء وأرقام غرف لكن الورقة الأخيرة كانت الأخطر كانت عبارة عن قائمة مكتوبة بخط اليد 90 اسمًا وتحت القائمة جملة واحدةلم يموتوا في الحريق رفع أبو جاسم عينيه نحو حيدر. إذن ماذا حدث لهم؟لم يجب حيدر اتجه نحو السرير رقم 90 فتح الصندوق الموجود تحته وأخرج منه شريط فيديو قديمًا وضعه في جهاز التشغيل اشتغلت الشاشة ظهر تسجيل مهتز من داخل المستشفى ممر أشخاص يركضون دخان ثم ظهر رجل أمام الكاميرا شهق أبو جاسم لأنه عرفه فورًا كان مدير المستشفى وقت الحريق لكن المفاجأة الحقيقية أن الرجل في التسجيل لم يكن وحده كان يقف بجانبه شخص آخر شخص كان عمره في ذلك الوقت نحو 30 عامًا اقترب حيدر من الشاشة وهمس لهذا اشتريت الأسرّة التسعين سأله أبو جاسم لكي تعرف من فعل ذلك؟هز حيدر رأسه. لا ثم أوقف الفيديو عند وجه الرجل الثاني وقال أنا أعرف من فعلها منذ زمن لكنني كنت أنتظر لأعرف من منهم لا يزال حيًا وفجأةسمعا صوت مفتاح يدخل في باب المخزن التفت حيدر نحو الباب وفي اللحظة نفسها، ظهر اسم جديد على الشاشة السرير رقم 90 كان الاسم الذي ظهر عليهحيدر العبيدي حي ابتسم حيدر لأول مرة لكن أبو جاسم لم يفهم سبب
ابتسامته حتى قال حيدر أخيرًا عرفوا أنني عدت الجزء الثاني سيكشف سرّ السرير رقم 90 ومن كان يملك مفتاح المخزن، ولماذا كان اسم حيدر هو الاسم الوحيد الذي ظهر بجانبه حي.
انقبضت الأجواء داخل المخزن، وكأن المكان تحول في لحظة إلى ساحة مواجهة.
وتوقف كل شيء عند صوت المفتاح الذي كان يتحرك ببطء داخل قفل الباب الحديدي.
كان الصوت واضحًا في ذلك الصمت الثقيل.
شخص ما كان في الخارج.
والأغرب أنه لم يحاول كسر الباب أو طرقه.
بل كان يملك مفتاحًا.
مفتاحًا يستطيع به الدخول إلى المكان الذي ظن حيدر أنه أحكم إغلاقه.
وقف أبو جاسم في مكانه مذهولًا، ويداه ترتجفان قليلًا، بينما بقيت عيناه معلقتين بالشاشة الخاصة بالسرير رقم 90.
كان الاسم لا يزال ظاهرًا عليها
حيدر العبيدي حي.
أما حيدر، فلم يتحرك.
ظل واقفًا بجوار السرير رقم 90، يراقب الباب وكأنه كان ينتظر هذه اللحظة منذ سنوات.
تحرك المفتاح مرة أخرى.
ثم سُمع صوت القفل.
وانفتح الباب الحديدي الثقيل ببطء.
ظهر عند المدخل رجل في أوائل الخمسينيات من عمره.
كان يرتدي معطفًا خفيفًا، وقد غطى الشيب شعره بالكامل، بينما كانت عيناه تتحركان في أرجاء المخزن ببرود شديد.
توقف أبو جاسم عن التنفس للحظات.
كان يعرف هذا الوجه.
بل إن كثيرين في بغداد كانوا يعرفونه قبل أكثر من عشرين عامًا.
تمتم أبو جاسم بصوت يكاد لا يُسمع
مستحيل.
..
ثم تراجع خطوتين إلى الخلف وقال
الدكتور هشام الراوي؟!
رفع الرجل عينيه نحوه.
ظل أبو جاسم يحدق فيه غير مصدق.
كان الدكتور هشام الراوي نائب مدير المستشفى القديم وقت حادثة عام 2004.
والرجل نفسه الذي قيل رسميًا إنه توفي أثناء الحريق.
قال أبو جاسم بصوت مرتجف
أنت... ما زلت حيًا؟
ظهرت على وجه الدكتور هشام ابتسامة باردة.
لكنه لم يجب أبا جاسم.
كانت عيناه مثبتتين على حيدر.
ثم نظر إلى الأسرّة التسعين، وإلى الشاشات المضيئة أمامها، وقال بهدوء
أهلًا يا حيدر.
لم يرد حيدر.
تابع الدكتور هشام
كنت أعرف أن الشخص الوحيد الذي قد يعود يومًا للبحث في هذه القصة... هو أنت.
بقي حيدر بجوار السرير رقم 90.
لم تظهر على وجهه علامات الخوف أو المفاجأة.
وكأنه كان يعرف تمامًا من سيدخل من ذلك الباب.
قال حيدر
عشرون عامًا يا دكتور هشام.
ساد الصمت.
تابع حيدر
عشرون عامًا والناس تعتقد أن الحريق الذي وقع في المستشفى كان مجرد حادث بسبب تماس كهربائي، وأن عدد من فقدوا حياتهم لم يتجاوز سبعة عشر شخصًا.
نظر نحو الأسرّة.
ثم قال
بينما الحقيقة كانت أكبر بكثير.
تغيرت ملامح الدكتور هشام قليلًا.
لكن حيدر لم يتوقف.
تسعون شخصًا كانت أسماؤهم مرتبطة بهذه الأسرّة. ملفات اختفت، وسجلات تغيرت، وأسماء أُزيلت من الأرشيف، وبعد ذلك أُغلقت القضية وكأن شيئًا لم يحدث.
قال الدكتور
هشام ببرود
وماذا تريد الآن؟
اقترب حيدر خطوة.
الحقيقة.
ضحك الدكتور هشام ضحكة قصيرة.
بعد عشرين عامًا؟
حتى لو مرت خمسون سنة.
اختفت الابتسامة من وجه الدكتور هشام.
ثم تقدم خطوة إلى الداخل.
وفي تلك اللحظة، ظهر خلفه رجلان عند مدخل المخزن.
توقف أبو جاسم فورًا عندما رآهما.
كان الموقف قد أصبح أكثر توترًا.
قال الدكتور هشام
وما فائدة كل هذه الأسرّة يا حيدر؟
نظر حوله باستهزاء.
هل تعتقد أن وضع تسعين سريرًا هنا سيعيد الماضي؟
لم يجب حيدر.
تابع الدكتور هشام
المستشفى أُغلق منذ سنوات، وكثير من الملفات اختفى، ومعظم من كانوا يعملون هناك رحلوا أو توفوا. وبعد كل هذه السنوات، ماذا تملك أنت؟
رفع حيدر عينيه إليه.
أكثر مما تتخيل.
ابتسم الدكتور هشام.
كنت طفلًا وقتها.
سكت حيدر.
ثم نظر إلى السرير رقم 90.
وقال
نعم.
وتابع بعد لحظة
كنت الطفل الموجود على هذا السرير.
نظر أبو جاسم إلى حيدر بسرعة.
بدأ يفهم الآن سبب وجود صورته على الشاشة.
قال الدكتور هشام
طفل صغير لا يستطيع أن يتذكر كل شيء.
أجابه حيدر
ربما.
ثم أشار إلى الصندوق الموجود أسفل السرير.
لكن التسجيلات تتذكر.
اختفت ابتسامة الدكتور هشام تمامًا.
أكمل حيدر
والملفات تتذكر.
ثم نظر إلى الكاميرات المنتشرة في سقف المخزن.
والكاميرات أيضًا تتذكر.
رفع الدكتور هشام رأسه نحو إحدى الكاميرات.
وفي تلك اللحظة فقط، تغير وجهه.
ابتسم حيدر بهدوء.
وقال
هل كنت تعتقد أنني اشتريت تسعين سريرًا فقط لكي أعيد
شكل المستشفى القديم؟
لم يجب الدكتور هشام.
اتجه حيدر