ابني تزوج واقام معي
الفلوس كنت هتنساني، وكنت هتفتكر إنك شطارتك اللي جابتها.
حلال عليك الأوضة يا أحمد.. وفرش البيبي.. وافرح بسبوع ابنك قدام نسايبك.. بس افتكر، كمان ست شهور لما العقد يخلص، وتلاقي نفسك في الشارع، ابقى خلي أوضة البيبي ونسايبك ينفعوك.
أمك اللي هانت عليك.
الانهيار والندم المتأخر
أحمد رمى الورقة من إيده، وحس بإن الأرض بتلف بيه. بص حواليه.. الأوضة اللي كان فرحان بيها، الستائر، البلالين، نسايبه اللي كانوا بيبصوله بنظرة فخر وفرحة، دلوقتي باصين له باحتقار وقرف. مراته مسكته من هدومه وهي بتعيط بهستيريا اتصرف! روح لأمك.. بوس رجليها.. خليها ترجع الفلوس.. خمسة مليون جنيه يروحوا لجمعيات خيرية وإحنا نترمى في الشارع بعد ست شهور؟! أنت غبي؟! أنت إزاي تعمل في أمك كده؟! دي أمك يا فاشل!
أحمد زق مراته وخرج يجري في الشارع كالمجنون.. مكانش شايف قدامه، دموعه اللي كانت متحجرة نزلت بغزارة، نزل دموع القهر والندم اللي مبينفعش. ركب أول تاكسي وقاله على البيت القديم.. بسرعة أرجوك!
طول الطريق كان بيفتكر كل كلمة قالها لأمه.. بيفتكر نظرة الكسرة في عينيها لما قالها أنتي رجلك والقبر.. بيفتكر إزاي شالت هدومها في صمت ومشت من غير ما تدعي عليه ولا تصرخ في وشه. كان بيقول لنفسه أنا غبي.. أنا بعت أمي عشان أرضي ناس مبيرضوش.. بعت سندي الحقيقي عشان مظاهر كدابة.
المواجهة في البيت القديم
وصل أحمد البيت القديم.. البيت كان ضلمة ومتهالك فعلاً زي ما أمه قالت. طلع السلم بيجري وهو بيلهث، خبط على الباب بكل قوته أمي! يا أمي افتحي أنا أحمد يا أمي! سامحيني.. أنا كلب.. أنا واطي.. افتحي يا أمي!
محدش رد.. الباب كان مقفول بقفل حديد كبير من برة!
جارتهم العجوزة طلعت على صوت خبيطه، وبصتله بحزن وقالت بتخبط على مين يا أحمد؟ أمك مش هنا.
أحمد لف ليها بلهفة وفزع أمال فين يا خالة أم أحمد؟ هي مش جت هنا؟!
الجارة هزت راسها وقالت وهي بتمسح دموعها جت يا بني.. جت الصبح بدري، وكانت شايلة شنطة هدومها ودموعها مغرقة وشها. دخلت الأوضة وبصت حواليها، وبعدين جابت راجل يشتري نصيبها في البيت ده.. باعته وخدت فلوسه، وقالتلي أنا ملبقاش ليا مكان هنا ولا ليا حد يسأل عليا.. أنا رايحة أقعد في دار مسنين نضيفة أعيش وسط ناس غُرب يمكن يحنوا عليا أكتر من قريبي.. ومشيت يا بني ومقالتش هي رايحة أنهي دار.. سابت مفتاح الأوضة معايا وقالتلي لو أحمد جه.. قوليله أمك مشيت ومترجعش تدوّر عليها.. لأن اللي يموت بالنسبة لأولاده، ميرجعش للحياة تاني.
أحمد وقع على ركبه على السلم.. بدأ يصرخ ويبكي زي العيل الصغير، يضرب راسه في الحيطة المتهالكة يا أمي ييييي! يارب خدني.. أنا ضيعت أمي.. ضيعت دنيتي وآخرتي!
الخاتمة نهاية الجحود
مرت الشهور الستة سريعة كأنها أيام..
أحمد حاول بكل الطرق يوصل لأمه، لف على كل دور المسنين في القاهرة والمحافظات، بس مكانش لاقي ليها أثر.. كأن الأرض انشقت وبلعتها، أو كأنها اختارت تختفي تماماً عن حياته.
ومع نهاية الشهر السادس.. جه صاحب الشقة ومعاه المحضرين وقوة من الشرطة تنفيذًا لانتهاء العقد. طرد أحمد ومراته وابنه في الشارع.
مراته مأستحملتش العيشة في بهدلة، وطلبت الطلاق بعد ما أهله رفضوها وطردوا أحمد من بيتهم، وخدت ابنها ومشيت، وسابته لوحده.. لا طال رضا أمه، ولا طال الملايين، ولا حتى حافظ على الشقة وأوضة البيبي اللي باع أمه عشانها.
أحمد بقى عايش لوحده في أوضة إيجار ضيقة، كل يوم بيموت في الدقيقة ميت مرة، يبص لتلفونه ويفتكر الاسم اللي كان مكتوب سندي.. ويدرك بعد فوات الأوان، إن الأم هي السند الوحيد في الدنيا، وإن اللي يكسر خاطر أمه.. يعيش عمره كله مكسور ومذلول.
تمت بحمد الله.
ابني تزوّج وأقام معي في بيت والده الراحل، ومع ولادة طفله الأول، قال لي إن البيت لم يعد يتّسع لنا، وإنه يريد تحويل غرفتي إلى غرفة لطفله، لأن أهل زوجته سيأتون للاحتفال بالسبوع، وزوجته تريد أن تُريهم غرفة المولود مثلما فعلت أختها. في ذلك الوقت التزمت الصمت، لكن ما فعلته كان أقوى من أي كلام!لم يكن لي في هذه الدنيا سوى أحمد، ابني الوحيد، قرة عيني الذي كنت أرى الدنيا من خلاله. عندما مات والده وتركنا منذ سنوات طويلة، كنت لا أزال شابة، لكنني أغلقت على نفسي وعشت من أجله وحده. قلت إنني لا أريد رجلًا يدخل حياتنا، ولا أريد أن ينكسر خاطر ابني. عشنا أيامًا صعبة في بيتنا القديم، ذلك البيت المتهالك الذي كانت مياه الأمطار تتساقط من سقفه مع كل شتاء، وكان الغبار يملأ غرفتنا، وكنا ننام وأنا أحتضنه خائفة من أن ينهار السقف فوق رؤوسنا في أي لحظة. لقد شقي والده، رحمه الله، وتعب كثيرًا حتى استطاع أن يشتري لنا هذه الشقة؛ غرفتان وصالة ومطبخ وحمام، لكنها كانت في منطقة نظيفة، ومكانًا يسترنا ويساعدنا على الوقوف على أقدامنا عندما كبر أحمد وأكمل تعليمه، جاءني يومًا ليخبرني بأنه يريد الزواج، وقال لي يا أمي، بدلًا من أن أدفع الإيجار وأعيش في معاناة وأبتعد عنك، سأخصص غرفة لزوجتي، وتبقين أنتِ في غرفتك، وعندما تتحسن ظروفي سأشتري بيتًا كبيرًا وننتقل إليه جميعًا معًا. أنا لا أستطيع أن أتركك يا الله! في تلك اللحظة، لم تسعني الدنيا من شدة الفرح. قلت في نفسي إن ابني بارّ بي، وإنه لا يريد أن يتركني وحيدة بعد كل هذه السنوات. وافقت، وعيناي ممتلئتان بدموع الفرح لكن الفرحة لم تكتمل. فمنذ أن جاء أهل زوجة ابني ليروا الشقة، تبدلت ملامح وجوههم. كانوا ينظرون إلى المكان باشمئزاز، ويرون أن ابنتهم لن تشعر بالراحة فيه، وأن الشقة ضيقة ولا تليق بمكانتهم. تم الزواج، لكن النكد دخل بيتنا منذ اليوم الأول. لم يعد أحمد هو أحمد الذي أعرفه. بدأت ألاحظ في عينيه نظرات الضيق، وأصبح يلمّح بين الحين والآخر قائلًا البيت ضيق يا أمي، ولم يعد يتّسع لنا كنت أواسيه وأقول له لا بأس يا حبيبي، غدًا يفرّجها الله، وتشتري البيت الكبير الذي وعدتني به، وننتقل إليه جميعًا. لكنه كان يصمت ولا يجيب أما المصيبة الكبرى، فقد وقعت عندما أنجبت زوجته طفلها الأول، حفيدي البكر الذي كنت أظن أنه سيملأ حياتي بهجة وسعادة. دخل أحمد غرفتي، وكان الحرج واضحًا على وجهه، لكنه كان حرجًا ممزوجًا بالجحود. قال لي يا أمي، أريد أن أتحدث معك في موضوع قلت له خيرًا يا بني؟فقال أخت زوجتي جهّزت غرفة كاملة لطفلها، وأعدّتها بأفضل صورة، وزوجتي تتمنى أن تفعل مثلها. أهل زوجتي سيأتون غدًا للاحتفال بالسبوع، ولا أريدهم أن يروا أنني أقل شأنًا من زوج أختها، خصوصًا أن ابني ليس لديه غرفة خاصة يفرحون بها!.شعرت بالذهول، وقلت له بانكسار وماذا بيدي أن أفعل يا بني؟ العين بصيرة واليد قصيرة، وهم يعرفون ظروفنا منذ البداية، ونحن لم نحمّل أنفسنا فوق طاقتنا نظر إليّ ببرود وقال بصراحة يا أمي، لقد أصبح البيت مملًا وضيقًا، ولا يوجد فيه مكان كافٍ. أرى أن تعودي للإقامة في بيتنا القديم، وسأزورك من حين إلى آخر لأطمئن عليك وأرى ما تحتاجين إليه شعرت وكأن صفعة قوية هوت على وجهي، وارتجف جسدي كله. قلت له كيف أعود إلى البيت القديم يا أحمد؟! ذلك البيت متهالك، والأمطار والغبار يتساقطان فوق رؤوسنا هناك، وجدرانه متصدعة، وقد ينهار في أي لحظة! أتريد أن تلقي بأمك هناك؟.أجابني دون أن يتأثر لا يا أمي، البيت بحالة ممتازة ولا ينقصه شيء، أنتِ فقط تخافين وتضخّمين الأمور اشتعلت النار في صدري، وقلت له بمرارة وانكسار ما دام البيت القديم جميلًا وصالحًا للسكن كما تقول، فلماذا لا تأخذ زوجتك وابنك وتذهبوا للإقامة فيه أنتم؟!.احمرّ وجهه، وبرزت عروق رقبته، ثم صرخ في وجهي غاضبًا يا أمي، لا تحرجيني أمام زوجتي! لقد وعدتها بأنني سأحل هذه المشكلة. ثم إن هذا بيت أبي، وهو بيتي أنا أيضًا! وما شأنك أنتِ بالبيوت الآن؟ لقد أصبحتِ على مشارف القبر! أرجوكِ، كفى خنقًا لي ووقوفًا في طريق مستقبلي ومستقبل ابني!.لقد أصبحتِ على مشارف القبر!سقطت كلماته على أذني كرصاصة اخترقت قلبي. دارت الدنيا من حولي. أحمد؟ ابني؟ ذلك الذي سهرت الليالي من أجله، والذي كنت أحرم نفسي من الطعام حتى يأكل هو ويشبع، يقول لي إن مكاني أصبح قريبًا من القبر؟تجمّدت دموعي في عيني، وشعرت بجفاف غريب في حلقي. لم أجد ما أقوله؛ فقد مات الكلام في داخلي. نظرت إليه بانكسار وقلت بصوت خافت حسنًا يا أحمد، حسنًا يا بني، افعل ما تراه مناسبًا دخلت غرفتي، الغرفة التي تفوح منها رائحة ذكرياتي، ورائحة زوجي، رحمه الله، وطفولة ابني. جلست على السرير وأخذت أتأمل ما حولي، ثم قلت لنفسي أهذه هي النهاية؟.أمسكت الحقائب وبدأت أجمع ملابسي، وكل ما أملك من قطع الثياب القليلة في هذه الدنيا. أفرغت الخزانة، وأخرجت أغراضي من الطاولة الصغيرة بجوار السرير، وأزلت كل أثر لي من الغرفة حتى يفرح ابني بزوجته وأهلها، وحتى تصبح الغرفة غرفة الطفل كما يريدون ولم يخجل أحمد من تصرفه، بل أحضر بعض الرجال وبدأوا في إخلاء الغرفة من كل شيء؛ السرير والخزانة وسائر الأغراض. أخرجوا كل شيء إلى الخارج، وأصبحت الغرفة خالية تمامًا، ولم يبقَ فيها سوى أرضيتها العارية، استعدادًا لإقامة حفل السبوع في اليوم التالي وتجهيزها لطفله لكنني، قبل أن أغادر، تركت علبة صغيرة بجوار الستارة، ثم رحلت أما أحمد وزوجته، فكانا في قمة سعادتهما. فرشا الغرفة وزيّناها، ولم ينتبها إلى العلبة الصغيرة التي تركتها هناك في اليوم التالي، كانا سعيدين بالاحتفال بسبوع الطفل، وكان أحمد يتصل بي مرارًا وتكرارًا حتى أحضر وأشاركهم الاحتفال ابتسمت بمرارة وأنا أرى اسمه على الشاشة. كنت قد حفظته في هاتفي باسم سندي صدق من قال إنه لا سند للإنسان إلا الله أجبت عن اتصاله بعد إلحاح، وسمعت الضوضاء والضحكات من حوله، ثم سمعته يقول بصوت خافتأين أنتِ يا أمي؟ لماذا تأخرتِ كل هذا الوقت؟ هل غضبتِ أم ماذا؟ هيا، كفى تدلّلًا! ماذا سأقول للناس؟ أأخبرهم أن أمي لم تحضر سبوع ابني؟.أجبته بجفاء لم أتخيل يومًا أن يصدر منيقل لهم إن أمك مريضة. لن آتي، لكنني تركت لحفيدي هدية السبوع بجوار الستارة. ألقِ نظرة عليها، وستعجبك ثم أغلقت الهاتف قبل أن يتمكن من الرد نظر أحمد إلى أهل زوجته بتوتر، وقال عذرًا، أمي مريضة ولن تأتي لكنه لم ينسَ أنني أخبرته بأنني تركت هدية لحفيده، وأنها مفاجأة بجوار الستارة قالت زوجته بفرح لا بد أنها قطعة ذهبية! فهذه المرأة... أقصد حماتي، لديها قطع ذهبية قديمة وثمينة ركض أحمد لإحضار العلبة، ثم نظر إلى زوجته وقال يا لكِ من ذكية! يبدو أنها قطعة ذهبية بالفعل فتح العلبة أمام أهل زوجته، لكنه تجمّد في مكانه في اللحظة نفسها ما بداخلها لم يكن ذهبًا، بل كان شيئًا كفيلًا بأن يشلّ حركته في مكانه، ويجعل زوجته وأهلها يتجمّدون من الرعب والصدمة!!زهرة الربيعالجزء الثاني..
ابني تزوّج وأقام معي في بيت والده الراحل، ومع ولادة طفله الأول، قال لي إن البيت لم يعد يتّسع لنا، وإنه يريد تحويل