حماتي خلتني اطبخ حكايات بسمة
فارع، لابس بدلة كحلي فاخرة تفصيل خاص، وعلى وشه ملامح طيبة وأصل ونبالة.. ملامح كانت فيها شبه قريب جداً من ملامح أبا الله يرحمه!
أول ما رفع عينه وشافني واقفة عند الباب، أخد نفس طويل، وعينيه اتجمعت فيها دموع غزيرة، ووقف قدامي بجسم بيترعش
منال.. أنتِ منال إبراهيم الشناوي؟ بنت إبراهيم أخويا؟!
الدم اتجمد في عروقي!
إبراهيم الشناوي؟! ده اسم أبا الثلاثي!
قلت بصوت بيترعش ومذهول
إبراهيم الشناوي يبقى بابا الله يرحمه.. بس بابا طول عمره كان بيقولنا إنه مالوش قرايب ولا إخوات في القاهرة، وإنه مقطوع من شجرة!
الراجل نزل دمعة حارة على خده، وطلع الظرف الأكبر اللي كان في إيده، ومسكهولي ببدلته الأنيقة
أنا عمك.. الحاج فاروق الشناوي. وباباكي الله يرحمه ما كانش مقطوع من شجرة، ولا كان فقير زي ما فهمك وهو عايش يا بنتي!
الصدمة شلّت لساني تماماً!
كمل الحاج فاروق بصوت مليان وجع وحنين
أبوس إيديكي اسمعيني يا منال.. أبوكي إبراهيم اتخانق مع جدي الله يرحمه من 15 سنة بسبب جوازه من أمك العفيفة، وساب العيلة وكتب على نفسه إنه يعيش بسيط ويبعد عن فلوس العيلة. بس قبل ما جدي يموت من سنتين، ساب وصية رسمية وحصر إرث كامل مسجل في الشهر العقاري، بأقسام وأسهم وأرض في التجمع و محلات في وسط البلد باسم بنت إبراهيم.. باسمك أنتِ يا منال!
عيني اتسعت بذهول ورعب مش قادرة أستوعبه!
ثروة الملايين.. محلات وأرض التجمع اللي تساوي ثروة خيالية.. ملكي أنا؟!
سألته بصوت بيترعش
وحماتي.. الحاجة فوزية.. إيه علاقتها بالوصية والملايين دي؟!
الحاج فاروق طلع من جيبه إقرار بنكي ورسمي، وحطه في إيدي
فوزية وأبنائها كانوا واخدين توكيل إيجار قديم لواحد من المحلات بتوعنا عن طريق شركتنا القديمة من سنين.. ولما جدي اتوفى، أنا بدأت أدور عليكِ بكل الطرق عشان أسلمك حصر الإرث والورث الشرعي بتاعك. وفوزية لما عرفت من 6 شهور إن الشركات والمحاميين بيدوروا على منال إبراهيم الشناوي، أدركت إن الشغالة الغلبانة المكسورة اللي جوزتها لابنها عشان تخدمها، هي نفسها الوريثة المليونيرة لشركات الشناوي!
في اللحظة دي.. صوت جري وصراخ جه من السلم!
حسام كان طالع السلم بيلهث، ووشه أصفر زي الميتين، ووراه طالعة أمه الحاجة فوزية بفستانها الفخم بتاع الفرح وهي بتجر أذيال الخيبة والذعر، وأخت داليا بفستانها الأبيض!
الفرح يتفركش والكل ساب القاعة وجريوا ورا السر اللي هيتفتح!
حماتي فوزية صرخت أول ما شافت الحاج فاروق واقف قدام شقتي وماسك الأوراق في إيده
فاروق بيه! أرجوك يا فاروق بيه ما تخربش بيتنا! والله إحنا كنا هنقولها! كنا مستنيين الفرح يخلص بس ونفهمها كل حاجة ونعمل مجلس عيلة!
عمي فاروق التفت لها بنظرة احتقار واشمئزاز هزت السلم كله
مجلس عيلة يا فوزية؟! يا ست يا طماعة يا خاينة الأمانة! أنتِ وابنك كنتوا محتجزين أوراق الإرث والتوكيل وعاملين إشهار حراسة مزور عشان تأجروا محلات البنت وتستولوا على أرباحهم من وراها؟! ووقفتيها طردتيها على باب القاعة قدام المعازيم بعد ما طبختلك 3 أيام عشان فاكرة إنها شحاذة ومكسورة جناح ومحدش يدور عليها؟!
حسام وقّف في نص البسطة، فكه كاد يقع من الصدمة، وبص لأمه بعيون مليانة رعب وانهيار
يا أمي أنتِ كنتِ عارفة إن منال صاحبة الملايين والمحلات وأرض التجمع من 6 شهور؟! أنتِ اللي أقنعتيني أخبي عليها وأخليها تخدمنا وتدفع من جيبها عشان نربطها في بيتنا وما تحسش بقيمتها؟!
صرخت فيه بثبات وقسوة بصوت هز العمارة كلها
أنت كنت عارف يا حسام؟! أنت كنت شريك معاها في السرقة والاستغلال؟! كنتوا مستغلين طابتي وأصلي، وسايبينني أشتغل واجري وأصرف واخدمكم وأنا فاكرة إنكم أهلي، وأنتوا بتنهبوا أرباح محلاتي وتجهزوا بنتك من ورثي ودمي؟!
فوزية سقطت على ركبتيها على السلم وبكت بصوت مكسور وتوسل
منال يا بنتي! أرجوكي سامحينا! والله العظيم حسام بيحبك وكان عايز يكتبلك شقتنا باسمك! الفلوس دي فلوسكم وبينكم عيال وجواز! بلاش تفضحينا وتودينا في داهية!
عمي فاروق مسك إيدي بثبات ووقار وقال بصوت حازم قاطع
الفضائح والنيابة العامة هي المكان الطبيعي للتزوير والاستيلاء على أموال القصر والورثة يا فوزية هانم! البلاغ اتقدم رسمي للنيابة الأموال العامة من ساعتين، والتحفظ على كافة أرباح المحلات والتوكيلات المزوّرة تم تنفيذه بالكامل!
أخت جوزي داليا انهارت على السلم بدموع هستيرية
يعني الفرح اتخرب والقاعة هتتأجر من ورث منال؟! والعريس وأهله سابوا القاعة لما عرفوا بالشرطة والبلاغات؟! يا فضيحتنا قدام الناس!
حسام نزل على ركبتيه قدامي قدام عمي، مسك رجليا وإيديا وبكى بدموع حارة، وهو بيترجى بصوت مكسور يقطع القلب
منال.. أنا القتيل اللي أستاهل الضرب بالرصاص! أنا اتعميت ومشيت ورا كلام أمي وطمعها! أرجوكي ما تطلقيش مني وما توديش أمي السجن، أنا عبدك وتحت رجليكي وأكتبلك عمري كله تمليك باسمك!
بصيت له بمنتهى الهدوء والصلابة.. الوجع والكسرة اللي كانوا في قلبي تحولوا لجدار من الماس، أصلب من إن أي دموع كاذبة تكسره.
زقيت دراعه برجلي بصلابة وقسوة أبرد من الثلج
اللي يستعر من مراته ويطردها على باب القاعة عشان خايف تكتشف حقيقتها.. ما يلزموش يوم واحد في حياتي يا حسام.
كملت وأنا بأشر لعمي فاروق والمحامي اللي كان طالع السلم
أوراق طلاقم ورسائل النيابة واسترداد كافة حقوقي المادية والأدبية والتعويض عن كل سنة استغلال هتتدفع بالمليم من لحمكم وشقتكم! والباب اللي قفلتوه في وشي على باب القاعة.. أنا بقفله في وشكم للنهاردة وللأبد!
سحبت شنطتي وأوراقي، ونزلت السلم مرفوعة الرأس بجانب عمي فاروق.. سيبت حسام وأمه وأخته يجروا أذيال الخيبة والفضيحة والدمار اللي صنعوه بأيديهم وطمعهم.
خلال أسابيع قليلة.. النيابة الماليّة تحفظت على أموال وأملاك الحاجة فوزية وابنها حسام لرد كافة أرباح المحلات المستولى عليها طوال السنين المفاصلة، والزوجين أضطروا يبيعوا شقتهم لرد الحقوق وإيقاف تنفيذ عقوبات السجن. العريس فسخ عقد القران رسمياً، والعيلة بقت ذكرى سوداء في منطقتهم.
أما أنا.. فنقلت حياتي لفيلا أنيقة بمدينة نصر بجانب عمي فاروق وعيلته الجديدة، واستلمت إدارة محلاتي وشركاتي الرسمية مرفوعة الرأس والكرامة.
وعرفت ساعتها إن اللي يخدم بنية صافية وأصل طيب، ربنا عمره ما بيضيعه.. والظالم مهما تخبى بجشعه وطمعه، بيجي اليوم اللي ينكشف فيه سرّه، ويرجع الحق لأهله بأعظم عوض من ربنا.
تمت.